مقالات

القمة بلا قاعدة… لماذا نبني حواسيب كمّية (Quantum Computing) قبل أن نبني عقول من يشغّلها؟

 

بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com

  • مركز صباح الأحمد للموهبة ومركز الصقر للتقنية والابتكار وإنجاز الكويت… أدوات جاهزة تنتظر من يوجّهها نحو الفيزياء الكمّية

  • تخصص حواسيب كمّية (Quantum Computing) لا يُبنى بمرسوم أكاديمي.

  • نحتاج إلى قاعدة صلبة من الفيزياء النظرية والجبر الخطي والاحتمالات، تبدأ من الثانوية العامة لا من الجامعة.

  • الكويت تضم خمسة مراكز بيانات ضمن سوق واحدة، وهو حضور لافت مقارنة بحجمها الجغرافي وعدد سكانها.

  • الكويت معنية بهذا النقاش أكثر من غيرها، لأنها تملك تاريخياً أدوات هذا البناء التي يجب تحريكها في هذا الاتجاه.

  • القمة السيادية لن تصمد اقتصادياً من دون قاعدة تعليمية تُغذّيها بالكفاءات ووسط تجاري يُشغّلها ويحوّل أبحاثها إلى قيمة اقتصادية فعلية.

  • تطورات مهمة منحت الكويت شيئاً لا تملكه كثير من الدول: طبقة تحتية رقمية وشبكية جاهزة فعلاً، لا مجرد إعلانات نوايا.

  • أقترح أن نُضيف مسار تعميق اختياري داخل مدارس الموهوبين نفسها — مسار متقدم في الفيزياء والرياضيات موازٍ للإثراء الأفقي العام.

  • قد تتحول هذه المنظومة الثلاثية الجديدة من واجهة تعليمية واعدة إلى قناة تغذية فعلية لقاعدة الهرم العلمي

  • فلسفة مناهج وزارة التربية قائمة على «الإثراء الأفقي» الذي يوسّع معارف الطلبة ويعمقها ويربط بين مختلف المجالات الدراسية.

  • «مشروع مدارس الموهوبين» خطوة أولى ضمن خطة توسعية تدريجية تستحق الإشادة بحجمها ومؤسسيتها.

  • (KISR) لا يحتاج «بدءاً من الصفر» أو تأسيس قسم جديد كلياً، بل توسيعاً مدروساً لمسارين قائمين فعلاً ضمن استراتيجيته الحالية

  • استقطاب الشركات للاستثمار في الأبحاث المحلية يخلق ملكية فكرية وشركات ناشئة وفرص عمل عالية القيمة.

  • العائد التجاري للحوسبة الكمّية يحتاج تمويلاً «صبوراً» غالباً ما توفره فقط الدولة أو الصناديق السيادية الكبرى

  • استقدام معلمين أكفاء حلاً عملياً وضرورياً لسد النقص الآني، ولكن لا يعالج السبب الجذري.

  • سبة الطلاب الذين يواصلون تخصصات الفيزياء أو الرياضيات البحتة في الجامعة محدودة مقارنة بالتخصصات الإدارية والهندسية التطبيقية.

 

أين نقف نحن تحديداً بين مناهج علمية لم تتغير منذ عقود، وغياب شبه تام لرأس مال جريء يستوعب أول شركة ناشئة كمّية خليجية؟

حين أعلنت أرامكو، بالشراكة مع شركة Pasqal الفرنسية، تشغيل أول حاسوب كمّي صناعي في مركز بيانات الظهران، وحين أطلق معهد الابتكار التكنولوجي (Technology Innovation Institute – TII) في أبوظبي خدمته السحابية الكمّية أوائل هذا العام، بدا وكأن الخليج دخل فعلاً عصر الحوسبة الكمّية. لكن خلف هذه العناوين اللامعة، سؤال لا يجد من يطرحه بصراحة: من الذي درّس الفيزياء الكمّية لأول جيل من المهندسين الخليجيين الواقفين اليوم أمام هذه الأجهزة؟ ومن الذي سيموّل الشركة الناشئة الخليجية القادمة في هذا المجال، إن وُجد أصلاً من يجرؤ على تأسيسها؟

فالمشهد الحالي يكشف عن هرم مقطوع من طرفيه: قمة سيادية تُبنى بسرعة وبتمويل ضخم من أرامكو ومعهد أبوظبي والصناديق السيادية، بينما القاعدة التعليمية التي يفترض أن تُخرّج الكفاءات، والسوق التجاري الذي يفترض أن يستوعبها، غائبان إلى حد كبير عن الصورة. وهذه ليست مشكلة تقنية بل مشكلة بنيوية، والكويت — رغم أنها لم تُذكر بعد في أي إعلان إقليمي عن مشاريع كمّية سيادية — معنية بهذا النقاش أكثر من غيرها، لأنها تملك تاريخياً أدوات هذا البناء (جامعة وطنية عريقة، مؤسسة علمية رائدة في الخليج هي مؤسسة الكويت للتقدم العلمي)، لكنها لم تحرّكها بعد في هذا الاتجاه.

فجوة التعليم: حين تسبق شهادة الماجستير أساسات الثانوية

المفارقة أن الحديث الإعلامي عن الحوسبة الكمّية في المنطقة غالباً ما يبدأ من القمة: برنامج ماجستير هنا، مسار زمالة بحثية هناك. لكن هذا التخصص لا يُبنى بمرسوم أكاديمي، بل يحتاج قاعدة صلبة من الفيزياء النظرية والجبر الخطي والاحتمالات، تبدأ من الثانوية العامة لا من الجامعة. وهنا تبرز أول إشكالية كويتية وخليجية مشتركة: نتائج اختبارات الرياضيات والعلوم الدولية (مثل TIMSS) تضع غالبية دول الخليج، ومنها الكويت، دون المتوسط العالمي في تحصيل الرياضيات والعلوم للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة — وهو بالضبط الأساس الذي يُبنى عليه أي تخصص كمّي لاحق.

في الكويت تحديداً، لا تزال نسبة الطلاب الذين يختارون المسار العلمي في الثانوية، ثم يواصلون تخصصات الفيزياء أو الرياضيات البحتة في الجامعة، محدودة مقارنة بالتخصصات الإدارية والهندسية التطبيقية الأكثر ضماناً لوظيفة سريعة. وتظل أقسام الفيزياء في جامعة الكويت (Kuwait University) والهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب (PAAET) من أصغر الأقسام العلمية من حيث أعداد الطلبة، بينما تتوسع الجامعات الخاصة، مثل الجامعة الأمريكية للعلوم والتكنولوجيا (AUM)، وجامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا (GUST)، والجامعة الأمريكية للكويت (AUK)، في برامج علوم الحاسوب وهندسة البرمجيات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تأسيساً كافياً في الفيزياء الكمّية أو الرياضيات المتقدمة اللازمة لهذا التخصص تحديداً.

وهذه ليست ملاحظة نظرية، بل واقع تؤكده وزارة التربية نفسها بأرقامها الرسمية. فبحسب ما ذكرته مصادر تربوية في 21 أغسطس 2026، صنّفت الوزارة، بالتنسيق مع ديوان الخدمة المدنية، أربعة تخصصات — الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء — ضمن «التخصصات النادرة» التي تعاني عجزاً حاداً في الميدان التربوي، نظراً لانخفاض نسبة المعلمين الكويتيين والخليجيين فيها عن 30 في المئة، مقابل فائض معلن في ثمانية تخصصات أخرى أغلبها في العلوم الإنسانية والتربية الفنية والبدنية. وتستعد الوزارة لإعلان الاحتياج من المعلمين غير الكويتيين في هذه التخصصات تحديداً خلال أكتوبر المقبل، بعد استكمال تعيين المرشحين الكويتيين أولاً.

هذا الرقم — أقل من ثلث المعلمين في مواد الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء من الكويتيين والخليجيين — يكشف حجم الفجوة من زاوية لم يتطرق إليها النقاش السابق حول مؤشرات TIMSS: فالمشكلة ليست فقط في تحصيل الطلبة، بل في العرض التعليمي نفسه؛ إذ يصعب بناء قاعدة علمية وطنية صلبة في هذه المواد بينما يعتمد النظام التعليمي إلى هذا الحد على الاستقدام الخارجي لتدريسها. وبقدر ما يمثل استقدام معلمين أكفاء حلاً عملياً وضرورياً لسد النقص الآني، فإنه لا يعالج السبب الجذري: غياب مسار وطني واضح يشجّع الكويتيين أنفسهم على دراسة هذه التخصصات ثم العودة للتدريس فيها أو البحث فيها لاحقاً — وهو بالضبط الحلقة الأولى في سلسلة القاعدة العلمية التي يحتاجها أي طموح مستقبلي في الحوسبة الكمّية أو غيرها من التقنيات العميقة.

لا يُصنع فيزيائي كمّي من مقرر جامعي واحد، بل من مسار متصل يبدأ من مختبر مدرسي بسيط في المرحلة المتوسطة، ولا ينتهي إلا في أطروحة دكتوراه.

والخطأ الأكثر شيوعاً في السياسات التعليمية هو ما يمكن تسميته «التخصص القفزي»: فتح برنامج دراسات عليا متخصص وبرّاق قبل تحصين المرحلة الجامعية الأولى، بل قبل تحصين مناهج الثانوية نفسها. فتحويل مقرر أو اثنين من مقررات الفيزياء المدرسية الكويتية إلى مقاربة أكثر حداثة — تتضمن مقدمات في الميكانيكا الكمّية والاحتمالات كما تفعل بعض المناهج الدولية المتقدمة — قد يكون استثماراً أكثر جدوى على المدى الطويل من إعلان برنامج ماجستير لا يجد طلاباً مؤهلين لدخوله أصلاً.

القطاع الخاص الغائب: من يموّل رائد الأعمال الكمّي الكويتي؟

الإشكالية الثانية لا تقل خطورة عن الأولى: كل الأمثلة الإقليمية الواردة في النقاش العام عن الحوسبة الكمّية سيادية بامتياز — أرامكو، ومعهد الابتكار التكنولوجي، وصناديق حكومية. لا وجود يُذكر لشركة ناشئة خليجية واحدة في هذا المجال، ولا لصندوق تمويل مخاطر (Venture Capital) متخصص فيه. والكويت، رغم امتلاكها منظومة مؤسسية أقدم من كثير من جيرانها لدعم البحث العلمي والمشاريع الناشئة، ليست استثناءً من هذا الفراغ.  فمؤسسة الكويت للتقدم العلمي (KFAS)، وهي من أعرق المؤسسات العلمية في الخليج وتمتلك خبرة تمويل بحثي تمتد لعقود، لم تُدرج بعد الحوسبة الكمّية ضمن برامجها البحثية المعلنة بشكل صريح ومحدد، رغم أنها الجهة الأقدر مؤسسياً على قيادة هذا الملف في الكويت. وكذلك الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة (National Fund for SME Development)، الذي يُعد الذراع الرئيسية لدعم ريادة الأعمال في البلاد، يظل تركيزه منصبّاً على قطاعات تجارية وخدمية وتقنية تقليدية أقرب للجدوى الفورية، لا على تقنيات عميقة (Deep Tech) بعيدة المدى التجاري كالحوسبة الكمّية.  والفارق هنا جوهري: الذكاء الاصطناعي التطبيقي نجح جزئياً في جذب شركات ناشئة كويتية وخليجية لأن عائده التجاري قريب — تطبيق، منصة، خدمة تصل للمستخدم خلال أشهر. أما الحوسبة الكمّية فعائدها التجاري قد يكون بعيداً عقداً كاملاً أو أكثر، وهو أفق زمني لا يناسب صناديق رأس المال الجريء التقليدية الباحثة عن عائد سريع، بل يحتاج تمويلاً «صبوراً» غالباً ما توفره فقط الدولة أو الصناديق السيادية الكبرى — وهو بالضبط الدور الذي لم تلعبه بعد أي جهة كويتية تجاه هذا القطاع تحديداً.

ومثال ميداني طازج يوضح هذا النمط بدقة: نظّم مركز حمد عبدالعزيز الصقر نفسه، بالشراكة مع مؤسسة لوياك (LOYAC)، برنامجه التدريبي الريادي الأول «الحفرة»، حيث تنافست أربعة فرق من الشباب الكويتي بمشاريع تطبيقية مثل تطبيق لربط المستخدم بفني إصلاح الأعطال المنزلية، ومنصات أخرى للتأجير والتواصل الخدمي. وأعلن المركز عزمه إطلاق برامج متخصصة قريباً في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ومشروع احتضان أشمل يمتد من ستة أشهر إلى سنة لأصحاب الأفكار الواعدة. وهذا النشاط، رغم أهميته الحقيقية في تنمية مهارات ريادة الأعمال الأساسية لدى الشباب، يؤكد عملياً ما سبق طرحه نظرياً: فحتى أنشط مراكز الاحتضان الكويتية القائمة فعلاً توجّه طاقتها الحالية نحو تطبيقات خدمية سريعة العائد، لا نحو تقنيات عميقة تحتاج أفقاً استثمارياً أطول بكثير. وحتى برامج الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني «الموعودة قريباً» تبقى، بحسب ما أُعلن عنها حتى الآن، في طبقة تطبيقية تناسب المستخدم أو الشركات، لا في طبقة الأبحاث الأساسية التي يتطلبها أي طموح كمّي مستقبلي.

تطبيق لإصلاح الأعطال المنزلية مشروع جيد يستحق الدعم، لكنه ليس حاسوباً كمّياً. والفارق بين الاثنين هو بالضبط الفارق بين رأس مال يبحث عن عائد خلال أشهر، وآخر يقبل الانتظار عقداً كاملاً.

وهنا يظهر سؤال جوهري يستحق أن يُطرح على صناع القرار الاقتصادي في الكويت: هل يمكن لهيئة تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، أو لصندوق الاستثمارات العامة الكويتي بالتعاون مع الهيئة العامة للاستثمار (KIA)، أن يلعبا دور «الداعم الأولي الصبور» لأول محفظة استثمارية في التقنيات العميقة، بدل الاكتفاء التاريخي بضخ رؤوس الأموال في مشاريع تجارية وعقارية وصناعية تقليدية أثبتت جدواها فعلاً، لكنها لا تبني مستقبل اقتصاد المعرفة الذي تتحدث عنه رؤية «كويت جديدة 2035»؟

حين تلتقي الفجوتان: حلقة مفرغة كويتية

الفجوتان — التعليمية والاستثمارية — لا تعملان بمعزل عن بعضهما، بل تتغذى إحداهما على الأخرى في حلقة مفرغة يمكن رصد ملامحها بوضوح في الكويت تحديداً. فبلا سوق محلي يستوعب خريجاً متخصصاً في الفيزياء الكمّية أو الحوسبة المتقدمة، لا يوجد حافز حقيقي لطالب كويتي موهوب لاختيار هذا المسار الدراسي الصعب أصلاً، خصوصاً في ظل توفر مسارات أكثر ضماناً للوظيفة الحكومية أو القطاع المصرفي. وحتى لو اختار الطالب هذا المسار وابتُعث لدراسته في الخارج ضمن برامج البعثات الحكومية، فإن غياب فرص عمل متخصصة محلياً عند عودته يجعله أمام خيارين لا ثالث لهما: الانضمام لوظيفة حكومية عامة لا تستثمر تخصصه الدقيق، أو البحث عن فرصة في الخارج — وهي صورة مصغّرة من هجرة الأدمغة تتكرر في تخصصات علمية دقيقة أخرى في الكويت منذ سنوات.

وحتى إن قررت جهة كويتية استقدام خبرات أجنبية لتعويض هذا النقص — كما فعلت السعودية عبر شراكتها مع Pasqal الفرنسية — فإن الاستقدام وحده، من دون بناء قاعدة محلية موازية، يعيد إنتاج المعضلة ذاتها التي حذّر منها كثيرون في سياق نقل التقنية عموماً: تتحول المنشأة الكمّية إلى «جزيرة معزولة» من الخبرة الأجنبية داخل اقتصاد وطني لم يُعِدَّ كوادره لفهمها أو صيانتها أو تطويرها لاحقاً، فيبقى القرار التقني والمعرفي في يد الشريك الخارجي لا في يد الدولة المضيفة.

بلا خريجين مؤهلين لا تقوم شركة ناشئة محلية، وبلا شركات ناشئة لا يجد الخريج المؤهل سبباً للبقاء. وهذه الحلقة لا تنكسر من تلقاء نفسها.

الطبقة الأولى جاهزة: كويت مركز إقليمي ناشئ لمراكز البيانات… فماذا عن البقية؟

وهنا تجدر الإشارة إلى تطور لافت قد يبدو للوهلة الأولى بعيداً عن نقاش الحوسبة الكمّية، لكنه في الواقع يمسّ جوهر النقاش: الكويت بدأت فعلاً ترسّخ موقعها كمركز إقليمي ناشئ لمراكز البيانات التقليدية. فقد أظهر تقرير صادر عن شركة «داتا سنتر ماب» المتخصصة أن الكويت تضم حالياً خمسة مراكز بيانات ضمن سوق واحدة، وهو حضور لافت مقارنة بحجمها الجغرافي وعدد سكانها، تدعمه استفادتها من كابلي الألياف الضوئية البحريين «فوج» (الرابط الخليجي مع السعودية وقطر والإمارات) و«فلاج» العالمي. كما وقّعت الكويت عام 2025، عبر الجهاز المركزي لتكنولوجيا المعلومات (Central Agency for Information Technology – CAIT) والهيئة العامة للاتصالات وتقنية المعلومات (Communication and Information Technology Regulatory Authority – CITRA)، شراكة استراتيجية مع مايكروسوفت لبناء أول مركز بيانات مدعّم بالذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط، ضمن أهداف رؤية «كويت جديدة 2035» لتعزيز مكانة البلاد كمركز إقليمي رقمي.

هذا التطور مهم لأنه يمنح الكويت شيئاً لا تملكه كثير من دول المنطقة الأصغر حجماً: طبقة تحتية رقمية وشبكية جاهزة فعلاً، لا مجرد إعلانات نوايا. لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم الفجوة موضوع هذا المقال بوضوح أكبر؛ فالتقرير الذي وصف مستقبل الحوسبة الكمّية في المنطقة تحدث تحديداً عن «مراكز بيانات هجينة» تجمع الحوسبة التقليدية والذكاء الاصطناعي والحوسبة فائقة الأداء مع معالجات كمّية متخصصة، باعتبارها البنية التحتية الجديدة المطلوبة مستقبلاً. والكويت اليوم تبني بثبات الطبقة الأولى فقط من هذه المعادلة — الاستضافة التقليدية والذكاء الاصطناعي التطبيقي — من دون أي إشارة حتى الآن إلى إدراج مكوّن كمّي أو خطة لدمجه لاحقاً، كما فعلت السعودية عبر أرامكو أو الإمارات عبر معهد الابتكار التكنولوجي.

مركز بيانات بلا مكوّن كمّي هو استضافة، لا سيادة معرفية. والفارق بين الاثنين هو بالضبط ما يحدده وجود العلماء والشركات القادرين على استثمار البنية بعد إنشائها.

والخطر هنا ليس تقنياً بل اقتصادياً بحتاً: فبنية رقمية قوية من دون قاعدة علمية محلية وسوق ريادة أعمال في التقنيات العميقة، تجعل الكويت مرشحة لأن تتحول إلى «محطة استضافة إقليمية» تدرّ عائداً من تأجير مساحات وطاقة حوسبة لشركات عالمية، بدل أن تتحول إلى مركز إنتاج معرفة يستقطب هذه الشركات للاستثمار في أبحاثها محلياً. والفارق بين النموذجين جوهري من الناحية الاقتصادية: الأول يخلق وظائف تشغيل وصيانة محدودة العدد ومتوسطة الأجر، بينما الثاني يخلق ملكية فكرية وشركات ناشئة وفرص عمل عالية القيمة — وهو بالضبط ما ناقشته الأقسام السابقة من هذا المقال حول فجوتي التعليم والتمويل.

لذلك فإن شراكة مايكروسوفت واستثمارات الاتصال البحري، رغم أهميتها، تمثل فرصة لا نتيجة نهائية. فإذا اقترنت هذه الطبقة التحتية الجاهزة فعلياً بإصلاح تعليمي يُخرّج فيزيائيين ورياضيين مؤهلين، وبأداة تمويل صبورة تدعم أول شركة ناشئة كويتية في التقنيات العميقة، فقد تتحول الكويت من «مضيف إقليمي» إلى فاعل حقيقي في هذا المجال. أما إذا بقيت البنية التحتية وحدها في الواجهة من دون هذين الشرطين، فستظل الكويت — رغم كابلاتها البحرية ومراكز بياناتها الخمسة — تبني طابقاً أرضياً فاخراً لعمارة لا يوجد من يسكن طوابقها العليا.

لماذا تبدو الكويت أبطأ من جيرانها في هذا الملف؟

لا يعني هذا أن الكويت متأخرة عن كل ما يجري في الخليج، فهي تمتلك ركائز حقيقية: معهد الكويت للأبحاث العلمية (KISR) الذي راكم خبرة تقنية تطبيقية في الطاقة والبيئة يمكن البناء عليها، وجامعة الكويت التي تمتلك كوادر أكاديمية في الفيزياء والرياضيات قادرة على تطوير برامج تأسيسية لو توفر لها الدعم والتمويل المناسبان، ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي التي تملك تجربة عقود في تمويل البحث العلمي التطبيقي. لكن الفارق الحقيقي بين الكويت والسعودية والإمارات في هذا الملف تحديداً ليس نقص الإمكانات، بل غياب قرار واضح يربط هذه المؤسسات الثلاث ببعضها ضمن استراتيجية معلنة للتقنيات العميقة، كما فعلت أبوظبي حين جمعت البحث والتمويل والتطبيق الصناعي تحت مظلة معهد الابتكار التكنولوجي الواحدة.

والمتفحص لبرامج معهد الكويت للأبحاث العلمية البحثية (KISR) المعلنة حالياً يجد أنها تغطي مجالات متنوعة: البترول والبتروكيماويات، والطاقة والبناء، والمياه، والبيئة والعلوم الحياتية، وموارد الغذاء، والاقتصاد، وتطبيقات الطاقة النووية — إلى جانب مجالين تحديداً يستحقان وقفة: تكنولوجيا النانو، وتكنولوجيا المعلومات. فهذان المجالان تحديداً هما الأقرب علمياً ومؤسسياً لاستيعاب مدخل تدريجي نحو الحوسبة الكمّية، إذ تشترك تكنولوجيا النانو مع الفيزياء الكمّية في الأساس النظري نفسه (سلوك المادة عند المقاييس دون الذرية)، بينما توفر أقسام تكنولوجيا المعلومات القائمة فعلاً بنية بحثية جاهزة لاستيعاب باحثين في الخوارزميات الهجينة والحوسبة المتقدمة. أي أن المعهد لا يحتاج «بدءاً من الصفر» أو تأسيس قسم جديد كلياً، بل توسيعاً مدروساً لمسارين قائمين فعلاً ضمن استراتيجيته الحالية — وهي نقطة انطلاق أوفر تكلفة وأسرع تنفيذاً من انتظار مبادرة سيادية كبرى منفصلة.  فبينما تتحرك الرياض وأبوظبي بمنطق «المشروع السيادي الكبير» الذي يجمع شركة طاقة عملاقة أو صندوقاً سيادياً ضخماً مع شريك تقني عالمي في صفقة واحدة معلنة، يظل النموذج الكويتي حتى اليوم أقرب إلى مؤسسات متفرقة تعمل كل منها في مسارها الخاص من دون مظلة استراتيجية موحدة تحدد بوضوح: من يقود ملف التقنيات العميقة في الكويت؟ وهل هو من اختصاص وزارة التربية والتعليم العالي، أم الهيئة العامة للاستثمار، أم القطاع المصرفي الذي يملك فوائض سيولة ضخمة، أم مؤسسة الكويت للتقدم العلمي بحكم تخصصها التاريخي؟

دروس من نجاح آخر: حين توفّرت السوق، جاءت الشركات

المفارقة أن الكويت ليست عاجزة بطبيعتها عن إنتاج شركات ناشئة تقنية ناجحة؛ فقطاع التطبيقات المالية والتجارة الإلكترونية الكويتي شهد خلال العقد الأخير نمواً ملحوظاً، بدعم من جهات مثل الشركة الوطنية لتنمية المشاريع التقنية (National Technology Enterprises Company – NTEC) والحاضنات الجامعية وبعض البنوك المحلية التي أطلقت أذرعاً استثمارية لدعم التقنية المالية. النجاح هنا لم يأتِ من فراغ، بل لأن السوق المحلي والإقليمي وفّر طلباً فورياً وعائداً تجارياً واضحاً خلال سنوات قليلة — وهو بالضبط الشرط الغائب في حالة الحوسبة الكمّية.  هذا يعني أن المشكلة ليست في قدرة رواد الأعمال الكويتيين على الابتكار، بل في طبيعة القطاع نفسه: التقنيات العميقة تحتاج نوعاً مختلفاً تماماً من التمويل، أطول أمداً وأكثر تحملاً للمخاطرة، لا يمكن أن يأتي من صناديق رأس المال الجريء التقليدية التي تبحث عن خروج (Exit) خلال خمس سنوات. ولهذا فإن غياب شركات ناشئة كمّية كويتية ليس فشلاً في ريادة الأعمال المحلية، بل غياب أداة تمويلية مختلفة كلياً لم تُبنَ بعد — وهذا بالضبط ما تحاول رؤية «كويت جديدة 2035» معالجته حين تتحدث عن تنويع الاقتصاد وبناء قطاع خاص فاعل في المعرفة، لكن الخطاب العام لهذه الرؤية لا يزال بعيداً عن ترجمته إلى أدوات تمويل متخصصة بهذا العمق.

الكويت لا تفتقر إلى رواد الأعمال، بل تفتقر إلى الأداة المالية القادرة على انتظار عقد كامل قبل أن ترى عائداً.

بادرة واعدة… حين تكون الأدوات موجودة فعلاً

والمُبشّر أن بعض لبنات هذا الحل ليست افتراضية، بل قائمة بالفعل على أرض الواقع، وإن احتاجت إعادة توجيه نحو التخصصات العميقة تحديداً. ففي أبريل 2026، وقّع مركز حمد عبدالعزيز الصقر للتقنية والابتكار (Hamad Abdulaziz Al-Saqr Center for Technology and Innovation) اتفاقية تفاهم مع جمعية إنجاز الكويت (INJAZ Kuwait)، تتضمن تطوير المركز منصة إلكترونية متكاملة لإدارة التسجيل في الدورات التدريبية، مقابل استفادته من شبكة علاقات الجمعية الواسعة مع الجامعات والمدارس التي بنتها على مدى سنوات طويلة من العمل التدريبي والتطوعي.  ومثال آخر أكثر التصاقاً بجوهر الفجوة التعليمية تحديداً: أعلن مركز صباح الأحمد للموهبة والإبداع (Sabah Al-Ahmad Center for Giftedness and Creativity)، وهو أحد مراكز مؤسسة الكويت للتقدم العلمي (KFAS) نفسها، فتح باب التسجيل في تدريبات مؤهلة لمسابقة وطنية باسم «ستيم ريسنغ» (STEM Racing)، يطبق فيها الطلبة مبادئ الديناميكا الهوائية والميكانيكا والتصنيع في تصميم وبناء سيارات سباق عالية الأداء، باستخدام أدوات هندسية متقدمة كالتصميم بمساعدة الحاسوب وديناميكا الموائع الحسابية والتصنيع بالحاسب الآلي والطباعة ثلاثية الأبعاد. البرنامج موجّه تحديداً لطلبة الصفوف التاسع والحادي عشر في المدارس الحكومية والخاصة ممن يُظهرون شغفاً أو تميزاً علمياً أو هندسياً، ويؤهل الفائزين لتمثيل الكويت في النهائيات العالمية للمسابقة في سنغافورة.

والأبرز من هذا كله، مؤسسياً وحجماً، أن وزارة التربية أعلنت في أغسطس 2026 إطلاق «مشروع مدارس الموهوبين» للعام الدراسي 2026/2027، بوصفه خطوة أولى ضمن خطة توسعية تدريجية. المشروع ينشئ مدرستين مستقلتين متخصصتين (للبنين والبنات) في منطقة غرب عبدالله المبارك التعليمية، تُعنى حصرياً برعاية الطلبة الموهوبين من كل مناطق الكويت التعليمية، عبر ترشيح إلكتروني من خلال منصة «موهوب»، واختبارات كشف عن الموهبة تقيس القدرة العقلية العامة والتفكير الإبداعي والتحليلي وحل المشكلات وفق نماذج عالمية معتمدة، ثم مقابلة شخصية. وتوفر المدرستان مناهج إثرائية ومختبرات وورشاً متخصصة، مع كوادر تعليمية تُختار بمعايير دقيقة تشمل التميز الأكاديمي والخبرة في التعامل مع خصائص الطلبة الموهوبين.

وهذه خطوة تستحق الإشادة بحجمها ومؤسسيتها؛ فهي أول مرة تخصص فيها الكويت مدرستين حكوميتين كاملتين، لا مجرد برنامج أو مسابقة موسمية، لرعاية الموهوبين. لكنها تحمل في تفاصيلها بالذات نقطة تستحق نقاشاً نقدياً بنّاءً: فوزارة التربية تصف فلسفة مناهجها بأنها قائمة على «الإثراء الأفقي» الذي يوسّع معارف الطالب ويعمقها ويربط بين مختلف المجالات الدراسية — لا على التعميق الرأسي في تخصص علمي دقيق واحد. واختبارات الكشف عن الموهبة نفسها مصممة لقياس القدرات العقلية العامة، لا التفوق التخصصي في الفيزياء أو الرياضيات تحديداً. وهذا يعني أن مدارس الموهوبين، كما صُممت حتى الآن، تبني «موهوبين عموماً» أكثر مما تبني «فيزيائيين واعدين» أو «رياضيين موهوبين» تحديداً — وهو الفارق الدقيق بين إثراء أفقي يخدم كل الطلبة، وتعميق رأسي هو تحديداً ما يحتاجه أي طموح مستقبلي في الحوسبة الكمّية أو التقنيات العميقة.

موهوب عموماً ليس بالضرورة فيزيائياً واعداً. والفارق بين الإثراء الأفقي والتعميق الرأسي هو بالضبط ما يحدد إن كانت مدارس الموهوبين قاعدة علمية أم واجهة تعليمية عامة.

هذه المدارس الثلاثة معاً — مركز حمد عبدالعزيز الصقر، ومركز صباح الأحمد، ومدارس الموهوبين الجديدة — تثبت أن الكويت لا تفتقر إلى منصات فعلية للعمل مع الطلبة الموهوبين في المرحلة الثانوية، بل تفتقر إلى ربط هذه المنصات القائمة تحديداً بمسار علمي متصل نحو الفيزياء والرياضيات المتقدمة والتقنيات العميقة، بدل أن تبقى برامج معزولة أو مناهج إثرائية عامة تقيس نجاحها بعدد المشاركين أو المقبولين لا بعمق التخصص العلمي الذي تنتجه.  فلو أُضيف مسار تعميق اختياري داخل مدارس الموهوبين نفسها — مسار متقدم في الفيزياء والرياضيات موازٍ للإثراء الأفقي العام، بالشراكة مع مركز صباح الأحمد ومركز الصقر ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي — فقد تتحول هذه المنظومة الثلاثية الجديدة من واجهة تعليمية واعدة إلى قناة تغذية فعلية لقاعدة الهرم العلمي الذي ناقشناه سابقاً. والأهم أن هذه الأمثلة الثلاثة تثبت أن غياب التنسيق المؤسسي في الكويت ليس غياباً كاملاً للأدوات، بل غياباً لربط الأدوات القائمة فعلاً بهدف استراتيجي محدد يتجاوز الإثراء العام إلى بناء كفاءات في التخصصات العميقة تحديداً.

خارطة طريق كويتية: هرم لا عمودان منفصلان

سد هاتين الفجوتين لن يتحقق بمبادرة إعلامية معزولة أو مؤتمر واحد، بل يحتاج مقاربة متكاملة تربط طرفي الهرم ببعضهما من البداية:

* ربط برامج البعثات الحكومية الكويتية بمسارات علوم أساسية محددة (فيزياء، رياضيات تطبيقية، هندسة كهربائية) بدل الاكتفاء بدعم أي طالب يختار مسمى «حوسبة كمّية» دراسياً من دون تأسيس علمي كافٍ قبله.

* إدراج شرط العودة للتدريس أو البحث في تخصصات الرياضيات والفيزياء والكيمياء ضمن حوافز بعثات وزارة التربية، باعتبارها «تخصصات نادرة» رسمياً، بما يخفف الاعتماد طويل الأجل على استقدام الكوادر غير الكويتية لتغطية العجز الحاد فيها.

* تكليف مؤسسة الكويت للتقدم العلمي بإطلاق برنامج بحثي متخصص في التقنيات العميقة (وليس فقط الذكاء الاصطناعي التطبيقي)، بالشراكة مع جامعة الكويت ومعهد الكويت للأبحاث العلمية — وتحديداً عبر توسيع مساري تكنولوجيا النانو وتكنولوجيا المعلومات القائمين فعلاً داخل المعهد ليشملا مدخلاً بحثياً في الحوسبة الكمّية، بدل تأسيس مسار جديد كلياً من الصفر.

* دراسة تخصيص نافذة تمويل «صبورة» ضمن الصندوق الوطني لرعاية المشاريع الصغيرة والمتوسطة أو عبر شراكة مع الهيئة العامة للاستثمار، موجهة تحديداً للشركات الناشئة في التطبيقات الهجينة القريبة الأجل (التحسين الرياضي، محاكاة المواد) لا الأجهزة نفسها، بما يمنحها فرصة عائد تجاري أقرب من الحوسبة الكمّية الخام.

* إضافة مسار تعميق اختياري في الفيزياء والرياضيات المتقدمة داخل مدارس الموهوبين الجديدة، موازٍ لمنهجها الإثرائي الأفقي العام، بالشراكة مع مركز حمد عبدالعزيز الصقر (Al-Saqr Center) ومركز صباح الأحمد للموهبة والإبداع وبرنامجه «ستيم ريسنغ» (STEM Racing) ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي (KFAS)، تُقاس نتائجه بعدد الطلبة المستمرين فعلياً في مسار علمي دقيق بعد خمس سنوات، لا بعدد المقبولين في مدارس الموهوبين نفسها.

خاتمة: القمة ترتفع… فمن يحمل عبء بنائها؟

القمة السيادية مهما ارتفعت وبرقت إعلامياً، لن تصمد اقتصادياً من دون قاعدة تعليمية تُغذّيها بالكفاءات ووسط تجاري يُشغّلها ويحوّل أبحاثها إلى قيمة اقتصادية فعلية. والكويت، التي تمتلك تاريخياً أدوات هذا البناء أكثر من كثير من جيرانها، أمام فرصة حقيقية لتفادي تكرار خطأ «التخصص القفزي» الذي وقعت فيه سياسات تعليمية أخرى في المنطقة، ولتفادي الاكتفاء باستقدام تقنية جاهزة من دون بناء من يفهمها ويطوّرها محلياً.  فالسؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغل صانع القرار الكويتي اليوم ليس: متى ستمتلك الكويت حاسوباً كمّياً؟ بل: هل يوجد اليوم طالب ثانوية كويتي يحب الفيزياء ويجد من يشجعه على خوض هذا المسار الصعب؟ وهل يوجد رائد أعمال كويتي بفكرة كمّية واعدة يجد من يموّلها قبل أن يضطر للبحث عن هذا التمويل خارج حدود بلده؟ فمن دون إجابة صادقة عن هذين السؤالين، ستبقى كل الحواسيب الكمّية التي يشتريها الخليج — مهما بلغت قوتها الحاسوبية — عاجزة عن حل المعادلة الأصعب: كيف تبني دولة صغيرة اقتصاد معرفة مستداماً، لا واجهة تقنية عابرة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى