مقالات

وين تقط فلوسك

 

بقلم/ ماضي الهاجري

 

في سوق الأسهم هناك سؤال يبدو بسيطا لكنه في الحقيقة أعمق مما نعتقد

أين تضع أموالك؟

فالمال في حد ذاته لا يملك عقلا ولا بصيرة، وإنما العقل الذي يقرر أين يذهب به، فإذا وضعته في المكان الخطأ تحول من أداة لبناء الثروة إلى عبء يجر صاحبه خلفه.

وفي الأسواق لا تكمن المشكلة دائما في قلة المال بل في سوء الاختيار، فقد يملك شخص مبلغا كبيرا ولا يعرف أين يضعه، بينما يستطيع شخص آخر بمبلغ أقل أن يبني لنفسه طريقا أفضل لأنه يعرف قيمة ما يشتريه.

السهم ليس مجرد رقم يتحرك على شاشة، وليس شمعة خضراء أو حمراء، ولا مجرد اسم يتداوله الناس في المجالس

السهم في حقيقته حصة في شركة

وحين تشتري سهما فأنت لا تشتري رقما وإنما تشتري جزءا من قصة شركة ومستقبلها وأرباحها وأصولها وإدارتها وقدرتها على الاستمرار.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس أي سهم سيرتفع غدا، بل أي شركة تستحق أن أضع جزءا من مالي معها لسنوات؟

وهنا تبدأ الفلسفة الحقيقية للاستثمار

فالإنسان بطبيعته يريد الشيء الذي يرتفع بسرعة، ويريد الربح قبل أن يفكر في المخاطرة، ويرى السهم الصاعد فرصة والسهم الهابط مصيبة.

لكن السوق لا يفكر بعاطفة الإنسان

السوق لا يعرف من أنت! ولا كم تملك! ولا كم تحتاج من المال!

السوق يعرف شيئا واحدا فقط

القيمة

والسعر قد يبتعد عن القيمة فترة من الزمن، لكنه في النهاية يعود ليطرح السؤال نفسه،

ماذا تملك فعلا؟

لذلك ليس كل سهم مرتفع غاليا، وليس كل سهم منخفض رخيصا!

 

فالسهم الرخيص قد يصبح أرخص إذا كانت الشركة لا تنمو، والسهم المرتفع قد يصبح أكثر ارتفاعا إذا كانت الشركة تنمو وتحقق أرباحا وتبني قيمة حقيقية.

وهنا يقع الفرق بين من يطارد السعر ومن يبحث عن القيمة

المضارب يسأل متى يصعد

والمستثمر يسأل ماذا أملك

والأذكى منهما يسأل متى أغير قناعتي

لأن الاستثمار ليس زواجا أبديا مع السهم، وليس عيبا أن تغير رأيك عندما تتغير الحقائق، وأحيانا يكون أفضل قرار استثماري هو ألا تفعل شيئا

فالانتظار في السوق ليس فراغا وإنما موقف

والامتناع عن شراء سهم لا تعرف قيمته قد يكون استثمارا أفضل من شراء سهم لا تعرف لماذا اشتريته

لا تضع أموالك حيث يضع الناس أموالهم فقط

ضعها حيث تستطيع أن تشرح لنفسك لماذا وضعتها هناك

فقد يربح الجميع في موجة صاعدة لكن الفرق الحقيقي يظهر عندما يتغير اتجاه السوق

عندها لا يبقى معك إلا فهمك

ولا تحميك الضجة ولا التوصيات ولا أسماء المشاهير

وفي النهاية تذكر أن المال لا يكبر بمجرد أن تضعه في السوق، بل يكبر عندما تضعه في المكان الصحيح ثم تمنحه الوقت وتحسن إدارة المخاطر

لذلك قبل أن تسأل وين تقط فلوسك؟!

اسأل سؤالا أعمق، ما الذي يستحق أن أضع فيه جزءا من عمري الذي تحول إلى مال؟!

فكل دينار تملكه هو في الأصل جزء من وقتك

والوقت هو الشيء الوحيد الذي لا تستطيع استعادته

ولهذا فإن الاستثمار في جوهره ليس بحثا عن المال فقط، بل بحث عن المكان الذي يستحق أن تضع فيه وقتك وثقتك ومالك.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى