العقار

العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني

        معهد اتحاد العقاريين يصدر دليل الضوابط الشرعية

 

الحلقة الأولى (1)

  • عند حصول العقد لا ينظر للألفاظ التي استعملها العاقدان لكن إلى مقاصدهم الحقيقية   

  • العرف يكون حجة إذا لم يكن مخالفاً لنص أو شرط لأحد المتعاقدين

 

تنشر “الاقتصادية” دليل الضوابط الشرعية لإدارة الأملاك العقارية، والذي أنجزه معهد اتحاد العقاريين للتدريب الأهلي في مبادرة إيجابية وجهد كبير لإثراء السوق المحلي وذلك في إطار تعزيز قيم الإلتزام الشرعي وترسيخ نهج المسؤولية في إدارة القطاع العقاري بما يضمن توافق الممارسات المهنية مع أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها.

وقد حرص معهد اتحاد العقاريين من خلال إعداد هذا الدليل، على استعراض أبرز الضوابط الشرعية والقواعد الفقهية المتعلقة بإدارة الأملاك العقارية. وذلك استناداً إلى ما ورد في الكتاب والسنة وأقوال الفقهاء، مع الاسترشاد بأفضل الممارسات الحديثة في هذا المجال.

ويأتي إصدار هذا الدليل تجسيداً لرسالة المعهد في تثقيف ودعم العاملين في القطاع العقاري من ملاك ومديرين ومطورين ومهنيين، بما يمكنهم من أداء أعمالهم وفق أسس شرعية راسخة، تسهم في تنمية القطاع واستقراره، وتعزز الثقة به محلياً وإقليمياً وفيما يلي التفاصيل :

مبادئ التعاقد في الشريعة الإسلامية

أهم القواعد الشرعية المنظمة للمعاملات

القواعد الشرعية من أهم الإبداعات العقلية التي أنتجتها عقولُ فقهاء الشريعة الإسلامية، وهي كلمات صاغوها بعبارات موجزة جزلة، تحكم المعاملات بصفة عامة. والقواعد الشرعية مستنبطة من مصادر الشريعة الإسلامية، ومنها ما هو عام ومنها ما له صلة وثيقة بالمعاملات المالية، ولقد تمكنت مجامع الفقه الإسلامي المعاصرة والهيئات والمجالس الشرعية والفقهاء المعاصرون من دراسة وتحليل وفهم المعاملات المالية المستجدة المعاصرة وأصدروا لها      الأحكام والفتاوى التي توضح الجائز منها والمنهي عنه شرعاً في ضوء هذه القواعد مما يسر على الناس ضبط معاملاتهم.

وهناك العديد من القواعد الفقهية ذات الصلة بالمعاملات وفي ضوئها تصدر الأحكام والفتاوى في المسائل المالية. وقد تم تجميع هذه القواعد من كتب فقه المعاملات، وسوف نذكر في هذا المبحث مجموعة من القواعد التي تضبط المعاملات عموماً.

القاعدة الأولى: الأصل في المعاملات الإباحة

إن الأصل في المعاملات والعقود الإذن والإباحة، إلا ما جاء نصٌّ صحيح الثبوت صريح الدلالة بمنعه وتحريمه، فيُوقف عنده، بخلاف العبادات التي تَقرَّر: أن الأصل فيها المنع، حتى يجيء نصٌّ من الشارع؛ لئلا يشرع الناس في الدين ما لم يأذن به الله تعالى، فإذا كان الأساس الأول للدين: ألا يُعبد إلا الله، فإن الأساس الثاني: ألا يُعبد إلا بما شرع.

فلا يجوز للناس أن يخترعوا عبادات من عند أنفسهم، ولهذا سمَّي الإسلام هذه العبادات المخترعة (بدعة) في الدين، قال ﷺ: (مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا – أي في ديننا – هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ)  أي مردود عليه.

أما المعاملات فهي من شأن الناس، وإذا وُجدت جماعة في مكان ما فلا بد لهم أن يتعاملوا مع بعضهم بعضاً بائعين ومشتريين، مؤجِّرين ومستأجرين، ومقرضين ومستقرضين، وهنا يأتي الشارع ليُصلح ويهذِّب ويقوِّم هذه المعاملات، فيضع القواعد، ويوضِّح المقاصد، ويبيِّن الشروط، ويجلِّي المنهج، ويُبقي الصحيح الموافق لأهدافه ومنهجه، ويُلغي المخالف.

وحينما جاء الإسلام إلى المجتمع العربي الذي يحيى حياة جاهلية، كان في هذه الحياة معاملات وبيوع وعقود، فألغى منها ما ألغى، وعدِّل منها ما عدِّل، وأبقى ما أبقى، وفقاً لفلسفته ومنهجه في تنظيم الحياة وتسييرها: فحرَّم الربا، وكل ما فيه ظلم أو غَبْن فاحش، وحرَّم الميسر (القمار)، ونهى عن الغرر، وهو لون من الميسر والمقامرة.

وأقرَّ بيع السَّلم ووضع له شروطاً، وقال: (مَن أَسْلَمَ فلْيُسلِمْ في كَيلٍ مَعلومٍ، وَوَزنٍ مَعلومٍ، إلى أَجَلٍ مَعلومٍ)، وحرَّم الغشَّ والخداع في السلعة، أو في الثمن، أو في الكيل والميزان، وحرَّم التطفيف، وضبط المعاملات ضبطاً مُحكماً.

والتفرقة بين العبادات والمعاملات أساسية ومهمَّة، فلا يجوز أن يُقال لعالم: أين الدليل على إباحة وهذا العقد أو هذه المعاملة؟ إذ الدليل ليس على المبيح؛ لأنه جاء على الأصل، وإنما الدليل على المحرِّم. والدليل المحرِّم يجب أن يكون نصًّا لا شبهة فيه من الكتاب أو السنة.

وهذا ما قرَّره ابن تيمية رحمه الله في كتابه «القواعد النورانية الفقهية «، فقال: (تصرُّفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبَّها، لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع. وأما العادات، فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى، وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لا بد أن يكون مأموراً بها، فما لم يثبت أنه مأمور به، كيف يُحكم عليه بأنه محظور؟ و لهذا كان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، وهذه قاعدة عظيمة نافعة وإذا كان كذلك، فنقول: البيع والهبة والإجارة وغيرها من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم – كالأكل والشرب واللباس – فإن الشريعة قد جاءت في هذه العادات بالآداب الحسنة، فحرَّمت منها ما فيه فساد، وأوجبت ما لا بد منه، وكرهت ما لا ينبغي، واستحبَّت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها.

وإذا كان كذلك، فالناس يتبايعون ويستأجرون كيف شاءوا، ما لم تحرِّم الشريعة، كما يأكلون ويشربون كيف شاءوا، ما لم تحرِّم الشريعة، وإن كان بعض ذلك قد يستحب، أو يكون مكروهاً، وما لم تحد الشريعة في ذلك حدًّا، فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي).

القاعدة الثانيةالعبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني

ومن القواعد الحاكمة لفقه المعاملات قاعدة (العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني)، وهي التي يُعبَّر عنها بقاعدة: (الأمورُ بمقاصدِها). «فعند حصول العقد، لا ينظر للألفاظ التي استعملها العاقدان حين العقد، بل ينظر إلى مقاصدهم الحقيقية من الكلام، الذي يُلفظ به حين العقد، لأن المقصود الحقيقي هو المعنيّ وليس اللفظ، ولا الصيغة المستعملة، وما الألفاظ إلا قوالب للمعاني».

مثال ذلك: لو اشترى شخص من (بقَّال) كيلو سكَّر، وقال له خُذ هذه الساعة (أمانة) عندك حتى أحضر لك الثمن، فالساعة لا تكون (أمانة) عند البقَّال، بل يكون حكمها حكم (الرهن)، وللبقَّال أن يبقيها عنده حتى يستوفي دينه، فلو كانت أمانة كما ذكر المشتري، لحقَّ له استرجاعها من البائع بصفتها أمانة في أيِّ وقت يجب على الأمين إعادتها.

«أعمال الشخص وتصرُّفاته من قولية أو فعلية، تختلف نتائجها وأحكامها الشرعية، التي تترتَّب عليها باختلاف مقصود الشخص من تلك الأعمال والتصرُّفات: فمَن قتل غيره بلا مسوِّغ مشروع، إذا كان عامداً فلفعله حكم، وإذا كان مخطئاً فله حكم آخر. ومَن قال لآخر: خذ هذه الدراهم، فإن نوى التبرُّع كان هبة، وإلا كان قرضاً واجب الإعادة.»

والدليل على هذه القاعدة: حديث (إنَّما الأعْمالُ بالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى). وهذه القاعدة قاعدة عظيمة تتَّفق مع الاتجاه العام لحقيقة الإسلام: أنه يعنيه الجوهر لا الشكل، والمخبر لا المظهر، واللبَّ لا القشر، ولهذا كانت عنايته بأعمال القلوب أهم من عنايته بأعمال الجوارح، وجاء في الحديث: (إن اللَّهَ لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُمْ وأَمْوالِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ وأَعْمالِكُمْ).

القاعدة الثالثةتحريم أكل أموال الناس بالباطل

ومن القواعد الحاكمة لفقه المعاملات: تحريم أكل أموال الناس بالباطل، وأساس هذا التحريم آيتان من كتاب الله تعالى، فضلا عن أحاديث مستفيضة من سنة رسول الله ﷺ. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾  والمراد بـ(الأكل): الأخذ والتعاطي والاستيلاء، عبر عنه بالأكل مجازاً.

والمراد الباطل ما لا يحل شرعاً، ولا يفيد مقصوداً؛ لأن الشرع نهى عنه، ومنع منه، وحرم تعاطيه، كالربا والغرر ونحوهما، والباطل ما لا فائدة فيه. وروى الأئمة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول اللّه ﷺ: (وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكونَ ألْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فأقْضِي علَى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فمَن قَضَيْتُ له مِن حَقِّ أخِيهِ شيئًا، فلا يَأْخُذْهُ فإنَّما أقْطَعُ له قِطْعَةً مِنَ النَّارِ – في رواية – فَلْيحمِلْها أو يَذَرْها) . فمعنى: (أكلها بالباطل): أن يستولي عليها بلا مقابل من جهد أو مخاطرة أو معاوضة أو تبرع أو إرث، وإنما يأخذها ظلماً بالمغالبة، أو السرقة، أو الخيانة، أو الربا، أو الاحتكار، أو الميسر (القمار)، أو الرِّشوة، أو الغَبن الفاحش، أو الغشِّ والخداع، أو التطفيف، أو غيره، من كلِّ ما فيه ظلم أو غَرر، أو بيع ما لا يجوز بيعه، أو إجارة ما لا يجوز إجارته.

القاعدة الرابعةلا ضَررَ ولا ضِرارَ

ومن القواعد الحاكمة والمهمَّة هنا: قاعدة (لا ضَررَ ولا ضِرارَ)، وأصلها الحديث النبوي المشهور: (لا ضَررَ ولا ضِرارَ) ، والضرر هو: الأذى أو الفساد يلحق بالشيء أو الشخص.

واختلف العلماء: هل بين اللفظتين (الضَّرر والضرار) فرقٌ أم لا؟ فمنهم من قال: هما بمعنى واحد على وجه التأكيد، والمشهورُ أنَّ بينهما فرقًا، فمنهم من قال الضرر: أن يدخل على غيره ضرراً بما ينتفع هو به، والضرار: أن يدخل على غيره ضرراً بما لا منفعة له به، كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع، وبعضهم فسَّر الضرر: بأن يضرَّ أخاه ابتداء، والضرار بأن يضرَّه جزاء، والحديث يمنع ضرره ابتداءً وجزاءً.

ولا يقتصر الضرار المحرَّم على المسلم، بل يشمل غير المسلم، ما دام مسالماً للمسلمين، لا يقاتلهم، ولا يخرجهم من ديارهم، ولا يظاهر عليهم عدوًّا، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾، بل لا يقتصر تحريم الإيذاء أو العدوان على الناس، بل يشمل الحيوان والطير والحشرات وغيرها وفي الحديث: (دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، ولَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِن خَشَاشِ الأرْضِ). وقاعدة (لا ضَررَ ولا ضِرارَ) قاعدة أساسية كبرى في الفقه الإسلامي، وهي من أركان الشريعة، وتشهد لها نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، وهي أساس لمنع الفعل الضارِّ، وترتيب نتائجه في التعويض المالي والعقوبة.

والمقصود بمنع الضرار: نفي فكرة الثأر المحض، الذي يزيد في الضرر، ولا يفيد سوى توسيع دائرته؛ لأن الإضرار – ولو على سبيل المقابلة – لا يجوز أن يكون هدفاً مقصوداً وطريقاً عامة، وإنما يلجأ إليه اضطراراً، عندما لا يكون غيره من طرق التلافي والقمع أفضل منه وأنفع.

القاعدة الخامسةالتخفيفُ والتيسيرُ لا التشديدُ والتعسيرُ

وهذه إحدى القواعد الكلية الحاكمة لفقه المعاملات، وهي: مراعاة التخفيف والتيسير، لا التشديد والتعسير.

وهي قاعدة مأخوذة من نصوص كثيرة مستفيضة من القرآن الكريم، ومن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أنها مأخوذة من استقراء أحكام شتَّى في أبواب الفقه الإسلامي، راعت فيها الشريعة التخفيف عن المكلَّفين، والتيسير عليهم، فشرعت الرخص، والتخفيفات في أمور شتَّى بمناسبات عدَّة كالمرض والسفر، والخوف والمطر، والضعف والإكراه، والخطأ والنسيان، وغيرها.

أما النصوص من القرآن فقوله تعالى بعد أن رخَّص في الفطر لمَن كان مريض أو على سفر: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾  وقوله تعالى بعد أن رخَّص في التيمم في آية الطهارة: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .

وأما السنة فمثل قوله عليه الصلاة والسلام: (يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا)، وقوله لأبي موسى ومعاذ رضي الله عنهما حين بعثهما إلى اليمن: (يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا).

وإذا كان هذا في شأن فرائض العبادات، فالتيسير في العادات والمعاملات أولي. وقد عبَّر علماء المذاهب عن هذه الوجهة بالقاعدة المشهورة: المشقَّة تجلب التيسير. وهي إحدى القواعد الخمس الشهيرة، وفرَّعوا عليها قواعد وفروعا كثيرة في العبادات والمعاملات. وللتيسير مظاهر ودلائل منها:

قبول الرخص والتخفيفات:

الرخص رحمة من الله بعباده، وهو يحب من عباده أن يقبلوها، ولا يرفضوها، سأل عمر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القصر في السفر في حالة الأمن، فقال: (صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بهَا
علَيْكُم، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ) .

النزول على حكم الضرورات:

ومن مظاهر التيسير: النزول على حكم الضرورة، فإن الضرورات لها أحكامها. والضرورات تعنى المحظورات، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، ومن رفض حكم الضرورة حتى مات فقد أثم.

ومن فروع التيسير: ما قرره الفقهاء في هذا المقام، وهو بمعنى هذه القاعدة، وهو قول الإمام الشافعي: إذا ضاق الأمر اتسع. وليس معنى هذا أن نلوي أعناق النصوص المحكمة، أو نجترئ على القواعد الثابتة، بدعوى التيسير على الناس، ولكن المقصود: أن نضع في اعتبارنا حين نجتهد – منشئين أو مرجِّحين – مصالح الناس وحاجاتهم، التي لم ينزل الله شرعه إلا لتحقيقها على أكمل وجه.

القاعدة السادسةمراعاةُ العاداتِ والأعرافِ فيما لا يخالفُ الشرع

ومن القواعد الحاكمة في فقه المعاملات، التي اتفق عليها الفقهاء بمختلف مذاهبهم: الاحتكام إلى أعراف الناس وعاداتهم، فيما لم يخالف الشرع. ولهذا جعلوا من القواعد الفقهية والشرعية الكلية المجمع عليها قاعدة: (العادةُ مُحَكَّمَة). وقد استدلُّوا على هذه القاعدة بقول ابن مسعود رضي الله عنه: ما رَأى المُسلمونَ حَسنًا؛ فهو عندَ اللهِ حَسنٌ، وما رأَوا سيِّئًا؛ فهو عندَ اللهِ سيِّئٌ) .

وهذه القاعدة (العادةُ مُحَكَّمَة) يرجع إليها في العبادات والمعاملات جميعاً، وليست مقصورة على المعاملات، ولكنها في الواقع أكثر ما يحتاج إليها في العادات والمعاملات، لما للعرف القائم، والعادات السائدة من تأثير على معاملات الناس، وتصرفاتهم الدنيوية إلى حد كبير، بخلاف العبادات، فإن تأثيرها أقل.

ولهذا كان كل من المفتي والقاضي في حاجة إلى معرفة العرف السائد، حتى لا يفتي أو يحكم بما يخالفه، فيقع في الخطأ، وهو لا يدري أو لا يقصد. ولهذا نص المحققون على أن الفتوى تتغير بتغير العرف، كما تتغير بتغير الزمان والمكان.

والعرف يقسم إلى ثلاثة أقسام:

1- العرف العام، هو العرف الجاري منذ عهد الصحابة حتى زماننا، والذي قبله المجتهدون وعملوا به، ولو كان مخالفاً للقياس. مثال ذلك: إذا حلف شخص قائلاً: والله لا أضع قدمي في دار فلان، يحنث، سواء دخل تلك الدار ماشياً أو راكباً، أما لو وضع قدمه في الدار دون أن يدخلها لا يحنث؛ لأن وضع القدم في العرف العام بمعنى الدخول.

2- العرف الخاص، وهو اصطلاح طائفة مخصوصة على شيء كاستعمال علماء النحو (لفظة الرفع) وعلماء الأدب كلمة (النقد).

3- العرف الشرعي، هو عبارة عن الاصطلاحات الشرعية، كالصلاة والزكاة والحج، فباستعمالها في المعنى الشرعي أهمل معناها اللغوي.

أمثلة للقاعدة:

* إذا استعان شخص على شراء مال، وبعد وقوع البيع والشراء طلب المستعان به من المستعين أجرة، فينظر إلى تعامل أهل السوق، فإذا كان معتاداً في مثل هذه الحال أخذ أجرة فللمستعان به أخذ الأجرة المثلية من المستعين، وإلا فلا.

* وكذلك لو أهدى بلحاً أو عنباً في سَلّ لا يرد السل لصاحبه، لجريان العادة بعدم رد السل.

* وكذلك لو استأجر شخص عاملاً ليعمل له في بستانه يومياً، فتعيين وقت العمل من اليوم عائد إلى العرف والعادة في تلك البلدة.

لكن العرف يكون حجة إذا لم يكن مخالفاً لنص أو شرط لأحد المتعاقدين، كما لو استأجر شخص آخر لأن يعمل له من الظهر إلى العصر فقط بأجرة معينة، فليس للمستأجر أن يلزم الأجير العمل من الصباح إلى المساء بداعي أن عرف البلدة كذلك، بل يتبع المدة المعينة بينهما.

وقاعدة «المعروفُ عُرْفاً كالمشروط شَرْطاً» وفي الكتب الفقهية عبارات أخرى بهذا المعنى: (الثابتُ بالعُرفِ كالثابتِ بِدَليلٍ شرعيٍ) و(المعروفُ عُرفاً كالمشروطِ شَرْعاً) و(الثابتُ بالعُرفِ كالثابتِ بالنَّصِ) و(المعروفُ بالعُرف كالمشروطِ باللفظ)، ومن أمثلتها:

* لو اشتغل شخص لآخر شيئاً، ولم يتقاولا على الأجرة، ينظر للعامل: إن كان يشتغل بالأجرة عادة يجبر صاحب العمل على دفع أجرة المثل له عملا بالعرف والعادة، وإلا فلا.

* كذلك لو اشترى رجل سلعة بألف جنية مثلا، فالجنية في مصر ينصرف إلى الجنية المصري، وفي السودان ينصرف إلى الجنية السوداني، وفي لندن ينصرف إلى الجنية الإنكليزي، كما يوجبه عرف كل بلد. وفي كل زمن سينصرف إلى ما هو المعهود فيه.

كذلك لو سكن شخص دارا لآخر معدة للأجرة بدون إذنه، وبدون تأويل ملك، أو تأويل عقد: يلزمه دفع أجرة المثل عرفا، ويكون كأن الساكن شرطها على نفسه حين سكناه للدار.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى