مقالات

أزمة “السعودي الألماني الصحية” 2026: درس في الحوكمة وفرصة للسوق الكويتي

 

بقلم: محمد عثمان – مدير تدقيق داخلي
CPA, CIA, CMA,CSCA, CRMA, CISA, CRISC, CERM, CFE, PMP, PBA, ISO 31000 Senior Lead Risk Manager

 

مقدمة: ما الذي حدث بالضبط؟
في مايو 2026، هزت استقالة جماعية غير مسبوقة شركة “السعودي الألماني الصحية” – إحدى كبرى شركات الرعاية الصحية المدرجة في السوق السعودي – حيث استقال 6 أعضاء من مجلس الإدارة ولجنة المراجعة في وقت واحد. لكن هذه الاستقالات لم تكن مجرد تغييرات إدارية روتينية، بل جاءت كنتيجة مباشرة لقرار صادم من اللجنة الاستئنافية للفصل في منازعات الأوراق المالية، يقضي بمنع هؤلاء الأعضاء من العمل في أي جهة خاضعة لإشراف هيئة السوق المالية السعودية.

السبب الجوهري؟ مخالفة قواعد الحوكمة والشفافية المالية، وتحديداً التلاعب بالقوائم المالية للشركة خلال الفترة من 2018 إلى 2021، مما أدى إلى تغريم 11 مسؤولاً بمبلغ إجمالي قدره 18 مليون ريال سعودي.

تفاصيل المشكلة بلغة بسيطة: أين كان الخلل؟
لنفهم ما حدث دون تعقيد: تخيل أن شركة ما تعلن عن أرباح كبيرة لجذب المستثمرين، لكن في الواقع، جزء من هذه الأرباح “غير حقيقي” – لأنه ناتج عن إيرادات متوقعة يصعب تحصيلها فعلياً. هذا بالضبط ما حدث في “السعودي الألماني الصحية”.

فقد ثبت أن أعضاء مجلس الإدارة ولجنة المراجعة قاموا بتضخيم إيرادات الشركة بمبلغ يتجاوز 358 مليون ريال سعودي، رغم علمهم المسبق بصعوبة تحصيل هذه المبالغ. النتيجة؟
قوائم مالية غير دقيقة لا تعكس الصورة الحقيقية للشركة.
قرارات استثمارية مبنية على معلومات مضللة.
ثقة المستثمرين في خطر.

هذا النوع من الممارسات يتعارض مع جوهر الحوكمة، الذي يقوم على ثلاثة مبادئ أساسية:

* الشفافية: إظهار الحقائق كما هي دون تزوير أو إخفاء.

* المساءلة: تحمل المسؤولية الكاملة عن القرارات المتخذة.

* الاستقلالية: اتخاذ القرارات لمصلحة الشركة، وليس لمصالح شخصية.

لماذا تهمنا هذه القصة في الكويت؟
السوق الكويتي، مثل نظيره السعودي، يشهد تطوراً مستمراً في متطلبات الحوكمة والامتثال، خاصة مع تشديد هيئة أسواق المال الكويتية على قواعد الإفصاح والتعاملات مع الأطراف ذوي العلاقة. وأزمة “السعودي الألماني” تقدم لنا فرصة ذهبية للتعلم والاستفادة دون دفع ثمن الأخطاء.

أولاً: للمستثمرين الأفراد والمؤسسات
كيف تحمي استثماراتك؟

* تعلم قراءة ما وراء الأرقام: لا تكفي النظر إلى صافي الربح فقط. ابحث عن:

– ملاحظات مراجعي الحسابات.

– تقارير لجنة المراجعة.

– أي تحفظات حول جودة الإيرادات.

* راقب مؤشرات الحوكمة:

– استقلالية أعضاء المجلس.

– تكرار اجتماعات لجنة المراجعة.

– وضوح سياسة التعاملات مع( الأطراف ذوي العلاقة (كلها إشارات مهمة لجودة الإدارة.

* لا تنبهر مع “القصص الجيدة” جداً: إذا بدت نتائج شركة ما أفضل من منافسيها بشكل غير مبرر، اسأل: ما المصدر الحقيقي لهذا التميز؟

ثانياً: للشركات الكويتية المدرجة
كيف تجنب نفس المصير؟

 – دعم استقلالية لجنة المراجعة: التأكد من أن أعضاءها مستقلون فعلياً، ولديهم الصلاحيات والموارد للقيام بدورهم الرقابي دون ضغوط.

– وثق وافصح عن التعاملات مع الأطراف ذوي العلاقة: هذه المنطقة هي الأكثر حساسية في الحوكمة. الوضوح المسبق والموافقات اللازكة تحمي الشركة من مخاطر قانونية وسمعية كبيرة.

– استثمر في تدريب أعضاء المجالس: الحوكمة ليست مجرد لوائح، بل ثقافة. التدريب المستمر على المتطلبات النظامية والمعايير الدولية يرفع من كفاءة الرقابة.

 

 ثالثاً: للجهات الرقابية والمهنيين
كيف نمنع تكرار المشكلة؟

– تعزيز الرقابة الاستباقية: بدلاً من الانتظار حتى وقوع المخالفة، تطوِّير أدوات رقابية ترصد المؤشرات المبكرة لمخاطر التلاعب المالي.

– تشجيع الإبلاغ عن المخالفات: حمايه المبلغين عن المخالفات (Whistleblowers) وتشجيع الثقافة المؤسسية التي ترى في الإبلاغ واجباً وطنياً وليس خيانة.

– تعزيز التعاون الإقليمي: تبادل الخبرات مع دول مجلس التعاون لتوحيد أفضل الممارسات والاستفادة من الدروس المشتركة.

 الخلاصة: الحوكمة ليست رفاهية، بل ضرورة للبقاء
أزمة “السعودي الألماني الصحية” تذكرنا بأن الحوكمة الجيدة هي درع الشركة الأول في وجه المخاطر القانونية والمالية والسمعية. وفي سوق مالي يتسم بالترابط الإقليمي، فإن أي هزة في شركة كبرى في دولة مجاورة تؤثر على ثقة المستثمرين في المنطقة بأكملها.

بالنسبة للكويت، تمثل هذه التجربة دافعاً قوياً لتعزيز مسار الإصلاح المؤسسي الذي تقوده هيئة أسواق المال وبنك الكويت المركزي. فالشركات التي تتبنى الحوكمة كقيمة مؤسسية – وليس كالتزام شكلي – هي التي ستجذب الاستثمارات طويلة الأجل، وتبني سمعة قوية، وتضمن استدامة أعمالها في بيئة تتسم بالشفافية والمنافسة العادلة.

 رسالة أخيرة: الحوكمة الناجحة لا تبدأ من اللوائح، بل من الثقافة
عندما يؤمن كل فرد في المؤسسة – من عضو مجلس الإدارة إلى الموظف التنفيذي – بأن النزاهة والشفافية هما الطريق الوحيد للنمو المستدام، عندئذ فقط نبني:
أسواقاً مالية قوية.
اقتصاداً وطنياً مرناً.
ثقة مجتمعية راسخة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى