العقار

المطور العقاري أمام لائحة البناء 2025 … بين الاشتراطات المحلية والمعايير الدولية للتخطيط العمراني

 

بقلم: الخبيرة العقارية سبيكة محمد البحر

مجموعة سبيكة البحر وعماد الفرج العقاريةأعضاء IVSC

 

تعتمد معظم الأنظمة العمرانية الحديثة عالمياً على أكواد البناء الصادرة عن جهات دولية مختصة، أبرزها International Code Council (ICC)، إضافة إلى معايير منظمة ISO، والتي تضع أطرًا مرجعية لتنظيم السلامة، المواقف، كثافة الاستخدام، وكفاءة استغلال الأراضي.

أصبحت لائحة البناء في الكويت لعام 2025 نقطة تحول في القطاع العقاري، خصوصاً في السكن الاستثماري، والمشاريع متعددة الاستخدام (Mixed Use)، والفنادق، والمناطق الاستثمارية. إلا أن التحدي الحقيقي الذي يواجه المطور العقاري اليوم لا يتعلق فقط بالاشتراطات، بل بمدى مواءمتها مع المعايير الدولية من حيث المرونة وربط الاشتراطات بكفاءة البنية التحتية.

أولاً: القسائم الاستثمارية (500–750 متر)

في القسائم الاستثمارية المتوسطة والصغيرة، تظهر الإشكالية في التوازن بين حجم الأرض والاشتراطات التشغيلية. فاشتراطات المواقف، والخدمات، ومخارج الطوارئ لا تنخفض بشكل متناسب مع صغر المساحة، مما يؤدي إلى تقليص المساحة الاستثمارية الصافية ورفع تكلفة المتر القابل للتأجير.

ثانياً: المواقف والسراديب

في الأنظمة الدولية المعتمدة من ICC، يتم ربط عدد المواقف بكثافة الاستخدام ووجود بدائل نقل عام، إضافة إلى تشجيع الحلول المشتركة للمواقف بين المشاريع. بينما في التطبيق المحلي، تعتمد المشاريع بشكل أكبر على السراديب كمكون أساسي، مما يرفع التكلفة الإنشائية، خصوصاً في المواقع القريبة من البحر بسبب ارتفاع تكاليف العزل والمعالجة الجيوتقنية.

ويتعمق هذا التحدي عند النظر إلى نسبة المواقف المطلوبة لكل وحدة استثمارية أو تجارية، حيث تفرض اللائحة معدلات ثابتة دون مراعاة طبيعة الاستخدام الفعلي أو ساعات الذروة. فالمشروع السكني الاستثماري والمكتبي يخضعان لمعدل حساب مشابه نسبياً، رغم اختلاف نمط الإشغال بينهما زمنياً، وهو ما يؤدي إلى إنشاء مواقف زائدة في بعض الأحيان أو غير كافية في أحيان أخرى. كما أن اشتراطات أبعاد الموقف والممرات الداخلية للسرداب، ومنحدرات الدخول والخروج، تستهلك مساحة إنشائية كبيرة من إجمالي البصمة الأرضية للمبنى، وهي مساحة لا تحقق عائداً مباشراً، بل تُحمَّل كلفتها على باقي المساحات المؤجرة أو المباعة. وفي المشاريع المتعددة الطوابق السردابية، يضاف إلى ذلك ارتفاع تكلفة الحفر العميق والدعم الإنشائي، خصوصاً في الأراضي ذات منسوب المياه الجوفية المرتفع، مما يجعل قرار عدد الأدوار السردابية من أكثر القرارات حساسية على مستوى الجدوى المالية للمشروع بالكامل.

ثالثاً: Mixed Use والفنادق

المشاريع متعددة الاستخدام والفنادق تتطلب عادة مرونة أعلى في إدارة المواقف والخدمات. إلا أن تعدد الاشتراطات يؤدي إلى زيادة المساحات غير المدرة للدخل، مما يضغط على الجدوى الاستثمارية ويقلل من كفاءة الاستخدام الفعلي للأرض.

رابعاً: الأثر الاستثماري

تؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى تقليص المساحة الاستثمارية الصافية، وارتفاع التكلفة لكل متر قابل للتأجير، وانخفاض مرونة التصميم، ما يجعل المطور العقاري أمام تحدٍ مباشر في تحقيق التوازن بين الالتزام التنظيمي والعائد الاستثماري.

خامساً: غياب التدرج الزمني للتطبيق (Phasing)

من العيوب اللافتة في اللائحة أنها طُبّقت دون فترة انتقالية كافية للمشاريع التي كانت قيد الترخيص أو التصميم وقت صدورها. الأنظمة الدولية، وعلى رأسها معايير ICC، تعتمد آلية “Grandfathering” التي تسمح للمشاريع القائمة بالاستمرار وفق الاشتراطات السابقة لحين استكمالها، بينما أدى غياب هذه الآلية محلياً إلى إعادة تصميم مشاريع كاملة أو تجميد بعضها، مما يرفع كلفة الفرصة البديلة على المطور.

سادساً: عدم التمايز بين المناطق الجغرافية

تتعامل اللائحة في كثير من الاشتراطات (كالمواقف والسراديب والعزل) بمعيار شبه موحّد لا يفرّق بدقة كافية بين طبيعة التربة، القرب من الساحل، أو الكثافة المرورية للمنطقة. المعايير الدولية، في المقابل، تربط الاشتراط الهندسي بدراسة جيوتقنية وبيئية خاصة بكل موقع (Site-Specific Code)، وهو ما يجعل التكلفة الإنشائية في الكويت أعلى نسبياً من مشاريع مشابهة في أسواق مجاورة دون مبرر هندسي واضح في جميع الحالات.

سابعاً: ازدواجية الجهات الرقابية

يواجه المطور تحدياً إضافياً يتمثل في تعدد الجهات المعنية بالموافقة (البلدية، الدفاع المدني، الكهرباء والماء، البيئة)، حيث لا تتسق اشتراطات هذه الجهات دوماً مع نصوص اللائحة الجديدة بالتزامن، مما يُنتج فترات انتظار طويلة بين الترخيص الأولي والتنفيذ الفعلي، وهو عبء تمويلي مباشر يُحسب على جدوى المشروع.

ثامناً: أثر اللائحة على نموذج العائد على الاستثمار (ROI)

الحصيلة النهائية لهذه العوامل مجتمعة هي انخفاض في صافي العائد المتوقع للمتر المربع، إذ يضطر المطور لتحميل الزيادة في التكلفة الإنشائية والتشغيلية على سعر البيع أو الإيجار، وهو ما يقلّص قدرته التنافسية أمام أسواق إقليمية (دبي، الرياض) ذات أكواد بناء أكثر مرونة في الربط بين الكثافة والاشتراطات.

تاسعاً: المنطقة الحرة وازدواجية المعايير

تُمثل المنطقة الحرة في الكويت حالة خاصة تستحق الإشارة، إذ تخضع المشاريع داخلها في كثير من الأحيان لأنظمة بناء وتشغيل مختلفة عن تلك المطبقة في باقي مناطق الدولة، بهدف تحفيز الاستثمار الأجنبي والمشاريع اللوجستية والصناعية الخفيفة. هذا الفارق التنظيمي، وإن كان مقصوداً لتحقيق ميزة تنافسية، يخلق في الوقت نفسه نوعاً من ازدواجية المعايير بين المطورين العاملين داخل المنطقة الحرة وخارجها، خصوصاً فيما يتعلق باشتراطات المواقف والارتدادات ونسب البناء. فالمطور الذي يقارن بين جدوى مشروع داخل المنطقة الحرة ومشروع مماثل في منطقة استثمارية تقليدية يجد نفسه أمام معادلتين تنظيميتين مختلفتين تماماً، مما يصعّب من عملية المقارنة الاستثمارية ويزيد من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين الباحثين عن أفضل تخصيص لرأس المال. كما أن غياب التنسيق الكامل بين لائحة البناء 2025 وأنظمة المنطقة الحرة الخاصة قد يؤدي إلى فجوات تنظيمية عند تنفيذ مشاريع مختلطة الاستخدام تمتد على حدود المنطقتين، وهو سيناريو متكرر في بعض المخططات التنموية الكبرى.

خاتمة

تكشف لائحة البناء 2025 أن التحدي الأساسي لم يعد في البناء بحد ذاته، بل في مواءمة الاشتراطات مع المعايير الدولية وكفاءة البنية التحتية. كما تبرز الفجوات في التدرج الزمني للتطبيق، والتمايز الجغرافي، وتنسيق الجهات الرقابية، وازدواجية المعايير بين المنطقة الحرة وباقي المناطق الاستثمارية، باعتبارها عوامل مباشرة في احتساب الجدوى الاستثمارية. ويبقى السؤال المطروح: هل تحتاج منظومة البناء إلى مزيد من المرونة لتتماشى مع اختلاف أحجام المشاريع ومناطقها دون التأثير على الجدوى الاستثمارية؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى