ظننتُ أنني أفعل خيراً حتى فهمتُ الحقيقة

“الأحداث والشخصيات الواردة في هذه القصة خيالية، وأي تطابق مع الواقع هو مجرد تشابه غير مقصود”
قصة أشرف
لم يكن أشرف يوماً شخصاً سيئ النية، بل على العكس كان معروفاً بين أصدقائه بأنه أول من يبادر للمساعدة، إذا رأى محتاجاً ساعده وإذا وصلته رسالة استغاثة لم يتجاهلها، كان يؤمن أن الخير لا يجب أن يتأخر.
وفي إحدى الليالي وصلته رسالة عبر هاتفه:
“حملة تبرعات عاجلة لإغاثة أسر متضررة… المساعدة الآن قد تنقذ حياة”
كانت الصور مؤثرة، أطفال وعائلات تبحث عن مأوى و نداءات استغاثة، لم يفكر كثيراً وحوّل مبلغاً مالياً فوراً.
ثم شارك الرسالة مع أصدقائه و قال لهم بثقة:
“الناس محتاجة دعونا لا نتأخر”
وخلال أيام قليلة جمعوا مبالغ كبيرة، كان أشرف يشعر بالفخر وكان يعتقد أنه فعل شيئاً يستحق الاحترام، لكنه لم يكن يعلم أن القصة لم تكن كما تبدو.
الصدمة
بعد أسابيع قليلة انتشر خبر في وسائل الإعلام الجهة التي كانت تجمع التبرعات ليست جهة مرخصة والأموال التي تم جمعها وصلت إلى جهة مرتبطة بتمويل أنشطة إرهابية.
تجمّد أشرف في مكانه، قرأ الخبر مرة، ثم مرة أخرى، شعر بشيء ثقيل في صدره، لم يكن يصدق أن المال الذي جمعه بنية المساعدة قد يكون وصل إلى المكان الخطأ.
جلس صامتاً لم يكن يفكر في المال بل في الفكرة التي تؤلمه أكثر
هل كنت جزءاً من شيء لم أفهمه؟
أخطر الأخطاء هي تلك التي نرتكبها بنيةٍ طيبة.
الندم
لم ينم أشرف تلك الليلة ظل يفكر في الرسائل التي أرسلها لأصدقائه وفي الثقة التي جعلتهم يحولون المال دون سؤال، قال لنفسه بصوت خافت كنت أريد أن أفعل الخير لكني لم أتحقق وفي تلك اللحظة أدرك شيئاً مهماً وهي أن النية الطيبة وحدها لا تكفي.
التحقيق
لم يمرّ الأمر بصمت بعد أسابيع من انتشار القضية تلقّى أشرف اتصالاً رسمياً يطلب حضوره إلى جهة التحقيق، دخل الغرفة وقلبه مثقل بأسئلة لم يجد لها إجابة جلس أمام المحقق، وعلى الطاولة ملفّ سميك يحمل اسمه، فتح المحقق الملف بهدوء ثم قال:
– “هل تعلم أين ذهبت الأموال التي ساهمت في جمعها؟”
لم يجب أشرف لم يكن يعرف لكنه بدأ يخاف أن يعرف.
– أدار المحقق شاشة الحاسوب نحوه.
ظهرت صور لأسلحة، وتقارير أمنية، وأسماء لجماعة إرهابية ثم قال بصوت ثابت:
“الأموال التي جُمعت عبر تلك الحملة استُخدمت لشراء أسلحة وقد قُتل بها أبرياء”
في تلك اللحظة شعر أشرف أن الأرض تنشق تحت قدميه لم يكن يتخيل أن المال الذي جمعه بنية المساعدة قد يتحول إلى رصاص، لم يكن يتخيل أن رسالة أرسلها لأصدقائه قد تصبح جزءاً من مأساة.
الحكم
رغم أن التحقيق أثبت أن أشرف لم يكن جزءاً من التنظيم، إلا أن مشاركته في تحويل الأموال دون التحقق أدخلته في دائرة المساءلة استندت المحكمة إلى قوانين مكافحة الإرهاب التي تجرّم تسهيل وصول الأموال إلى جهات إرهابية حتى دون قصد إذا ثبت الإهمال وعدم التحقق و صدر الحكم سنوات من الحبس، وغرامة مالية كبيرة.
لكن العقوبة الأثقل لم تكن الحكم بل الفكرة التي بقيت تطارده أن المال الذي مرّ عبر يديه تحول في مكان ما إلى سلاح وقتل به
رسالة من أشرف
بعد تلك التجربة، كتب أشرف رسالة قصيرة ونشرها بين أصدقائه:
أصدقائي الاعزاء في البدايه أود أن اعتذرلكم عن ما حدث، اليوم تعلمت درساً قاسياً
الخير الحقيقي لا يخاف من التحقق وقبل أن تحول أي مبلغ تأكد من الجهة.
الدولة اليوم تشدد قوانين مكافحة الإرهاب لأن المال الذي يصل إلى الأيدي الخطأ قد يتحول إلى خطر حقيقي.
المرسوم الجديد الذي شدد العقوبات على الجرائم المرتبطة بالإرهاب، ومنها:
* إنشاء تنظيم إرهابي قد تصل عقوبته إلى 10 سنوات حبس وغرامات كبيرة.
* عدم الإبلاغ عن جريمة إرهابية قد يعرض الشخص إلى الحبس والغرامة.
* التدريب أو المشاركة في أعمال إرهابية قد تصل عقوبتها إلى السجن لسنوات طويلة.
وختم رسالته بجملة بسيطة:
“لم أكن أظن أن سؤالاً واحداً قد يحميني من كل هذا الندم”
الدرس
الإرهاب لا يبدأ دائماً بسلاح أحياناً يبدأ بتحويل مالي صغير لم يُسأل عنه، ولهذا فإن التبرع عمل إنساني لكن التحقق منه مسؤولية.



