الخليج

الصناديق السيادية في دول الخليج تملك خبرة عميقة في التعامل مع الاضطرابات الجيوسياسية

 

لا تنساق هذه الصناديق خلف ضجيج العناوين أو تقلبات اللحظة العابرة

تتحرك وفق منظومة صارمة من الضوابط تحكمها ولاياتها الاستثمارية

الصدمات الجيوسياسية لا تقودها إلى انعطافات حادة أو إعادة هيكلة مفاجئة للمحافظ

الصناديق السيادية مُصممة هيكليًا لتحقيق توازن دقيق عبر استراتيجيات استثمار طويلة الأجل

الصناديق السيادية الخليجية  تدير بين  5 و6 تريليونات دولار تمثل  40% من الإجمالي عالميًا

 

تتمتع الصناديق السيادية في دول الخليج بخبرة عميقة في التعامل مع الاضطرابات الجيوسياسية، إذ أثبتت عبر محطات متعددة، من الأزمات المالية وتقلبات أسعار النفط إلى تداعيات الأوبئة العالمية، قدرتها على الحفاظ على مسارها الاستثماري بثبات لافت، وغالبًا بدرجة استقرار تفوق توقعات الأسواق.

ولا تنساق هذه الصناديق خلف ضجيج العناوين أو تقلبات اللحظة العابرة، بل تتحرك وفق منظومة صارمة من الضوابط تحكمها ولاياتها الاستثمارية، واعتبارات المالية العامة، واستراتيجيات إدارة الميزانية العمومية. ومن هذا المنطلق، نادرًا ما تفضي الصدمات الجيوسياسية إلى انعطافات حادة أو إعادة هيكلة مفاجئة للمحافظ، بقدر ما تترك أثرًا تدريجيًا دقيقًا يعيد ضبط إدارة السيولة، ويعيد معايرة وتيرة نشر رأس المال، ويرتّب أولويات اقتناص الفرص الناشئة.

وفي هذا الإطار، يشير رئيس قسم الأبحاث والبيانات في مؤسسة Global SWF، دانيال بريت، إلى أن “الصدمات الجيوسياسية نادرًا ما تدفع الصناديق السيادية إلى إعادة هيكلة مفاجئة لمحافظها”، موضحًا أن ما يتغير أولًا هو “إدارة السيولة، وتوقيت نشر رأس المال، ودرجة الانتقائية، وليس التوزيع الاستراتيجي للأصول بحد ذاته”.

السيولة أولًا

في فترات تصاعد عدم اليقين، تتعرض السيولة لضغوط فورية، لكن دون أن يأتي ذلك على حساب التمركزات الاستثمارية طويلة الأجل. فالصناديق السيادية مُصممة هيكليًا لتحقيق توازن دقيق بين هذين الهدفين، غير أن هذا التوازن يصبح أكثر حذرًا وانضباطًا في أوقات الضغوط. وعادةً ما يُعاد توجيه جزء من رؤوس الأموال نحو أصول أكثر سيولة وطابعًا دفاعيًا، بما يتيح للحكومات الحفاظ على مستويات الإنفاق، لا سيما في حال تراجع الإيرادات الخارجية.

وفي هذا السياق، يوضح مُؤسِّس ورئيس شركة ناصر السعيدي وشركاه، الدكتور ناصر السعيدي، أن اعتبارات إدارة المخاطر تفرض إعادة توجيه الاستثمارات نحو أصول تحوطية وملاذات آمنة، مثل الذهب والمعادن النفيسة والأدوات عالية السيولة، بما يدعم القدرة على تبني سياسات إنفاق مضادة للدورات الاقتصادية، خصوصًا إذا استمر ضعف عوائد الصادرات النفطية لفترة ممتدة.

ومع ذلك، لم يعد مفهوم “الأصل الآمن” ثابتًا كما كان في السابق. فبحسب السعيدي، أدخل “تسييس الأدوات المالية”، عبر العقوبات أو تجميد الأصول، بُعدًا جديدًا من المخاطر السياسية إلى مفهوم السيولة، ما يفرض على المستثمرين السياديين أخذ احتمالات “الحروب الاقتصادية” في الحسبان عند بناء محافظهم.

وتتجلى ملامح هذا التحول بالفعل على أرض الواقع. فرغم محدودية الإفصاح التفصيلي عن التوزيعات، تشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى تنامي الطلب السيادي، مع تقديرات بزيادة انكشاف عدد من الصناديق الخليجية على الذهب إلى ما بين 5% و8% من إجمالي الأصول المُدارة خلال السنوات الأخيرة.

وفي موازاة ذلك، تواصل هذه الصناديق مراجعة هوامش السيولة، وتوزيعات العملات، والالتزامات قصيرة الأجل بشكل مستمر. وبحسب بريت، قد يشهد الاستثمار الخارجي تباطؤًا مؤقتًا في حال تصاعد الضبابية المحيطة بإيرادات الصادرات أو مسارات الشحن، إلا أن الأطر العامة لتوزيع الأصول على المدى الطويل غالبًا ما تبقى مستقرة دون تغيير جوهري.

تفويضات الاستثمار توجه القرارات

يعود قدر كبير من هذا الاتساق إلى البنية المؤسسية التي تقوم عليها منظومة الصناديق السيادية الخليجية، حيث تُحدّد طبيعة التفويضات الاستثمارية ملامح السلوك في مواجهة التقلبات. ووفق تحليل صادر عن Global SWF في 4 مارس ، تعمل هذه الصناديق ضمن ثلاثة مسارات رئيسية: الاستقرار المالي، والادخار طويل الأجل، والتنمية الاستراتيجية—وهي مسارات تتباين في استجابتها للضغوط وتقلبات الأسواق.

فصناديق الاستقرار الثقيلة والقوية ، مثل صندوق الاحتياطي العام الكويتي، تضع السيولة ودعم المالية العامة في صدارة أولوياتها، بما يضمن قدرة الدولة على امتصاص الصدمات. في المقابل، تعتمد صناديق الادخار طويل الأجل، مثل جهاز أبوظبي للاستثمار، وجهاز قطر للاستثمار، على محافظ متنوعة، وتستفيد من اضطرابات السوق لإعادة التوازن واقتناص فرص بأسعار جاذبة. أما الصناديق ذات الطابع الاستراتيجي، وعلى رأسها صندوق الاستثمارات العامة، وشركة مبادلة للاستثمار، والقابضة (ADQ)، فتميل إلى إعادة ضبط وتيرة وتسلسل الاستثمارات المحلية، بدل اللجوء إلى تغييرات جذرية في مكونات المحافظ.

ويؤكد بريت أن هذه الأنماط باتت واضحة، موضحًا أن “صناديق الاستقرار تركّز على السيولة، وصناديق الادخار تحافظ على توزيعاتها وتعيد التوازن عند الحاجة، بينما تعمد الصناديق الاستراتيجية إلى تعديل برامج الاستثمار المحلية”، في نهج يعكس وضوح الأدوار وتكاملها داخل المنظومة الاستثمارية الخليجية.

عدم اليقين المرتبط بالطاقة يعيد تشكيل تدفقات رأس المال السيادي

يرتبط عدم اليقين الجيوسياسي في منطقة الخليج ارتباطًا وثيقًا بأسواق الطاقة، وهو ارتباط ينعكس مباشرة على سلوك الصناديق السيادية وأنماط تحركها الاستثماري. فالتقلبات في هذا السياق لا تُقرأ بمعزل عن معادلة النفط—سعرًا وتدفقًا—بل تُترجم سريعًا إلى قرارات تمس توزيع الأصول وتوقيت نشر رأس المال.

وبحسب تحليل Global SWF، يمكن لأي اضطراب أن يؤثر في الميزانيات السيادية عبر قناتين رئيسيتين: حجم الصادرات وديناميكيات الأسعار. ففي حال تقييد التدفقات الفعلية، قد تتراجع الإيرادات المالية حتى في بيئة أسعار مرتفعة، ما يستدعي تفعيل أدوات الاستقرار. أما إذا تزامن ارتفاع الأسعار مع استقرار تدفقات التصدير، فإن الصورة تختلف جذريًا، وتفتح المجال أمام فوائض مالية قابلة للتوظيف.

وفي هذا الإطار، يوضح بريت أن ارتفاع أسعار النفط لا يترجم تلقائيًا إلى اندفاع فوري نحو الاستثمارات الخارجية، إذ تُفضّل الحكومات أولًا تقييم ما إذا كان هذا الارتفاع مؤقتًا، ومدى استدامة تدفقات التصدير، قبل اتخاذ قرارات تخصيص رأس المال.

وبمجرد اتضاح الرؤية وتحقق الفوائض، تتبع الاستثمارات السيادية مسارًا تدريجيًا ومنظمًا في التوظيف؛ حيث تستوعب الأسواق العامة عالية السيولة الجزء الأكبر في البداية، من السندات السيادية إلى الأسهم المدرجة والبنية التحتية، على أن ينتقل الزخم لاحقًا، وبوتيرة مدروسة، نحو الأسواق الخاصة مع تبلور فرص استثمارية أكثر نضجًا.

ويشير بريت إلى أن فترات التقلب غالبًا ما تخلق بعضًا من أكثر الفرص جاذبية، مستفيدة من قدرة الصناديق السيادية على التحرك برأس مال ضخم ونَفَس طويل في توقيت يميل فيه مستثمرون آخرون إلى تقليص المخاطر.

وقد تجلى هذا النمط بوضوح خلال جائحة كورونا، حين بادرت الصناديق الخليجية بالدخول سريعًا إلى استثمارات رأس المال الجريء وقطاعات مثل التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية، قبل أن تتوسع تدريجيًا نحو البنية التحتية والأسواق الخاصة الأوسع مع نضوج الفرص.

توظيف الفوائض برؤية استراتيجية

يشهد توظيف الفوائض المالية تحوّلًا ملحوظًا في نهجه وأولوياته. فبعدما كانت العوائد الاستثنائية المدفوعة بارتفاع أسعار النفط تُوجَّه تقليديًا نحو الادخار أو إعادة تدويرها في الأسواق العالمية، باتت اليوم تُدار بمنظور أكثر استراتيجية، لا سيما في بيئة قد يعكس فيها ارتفاع الأسعار قيودًا في الإمدادات أكثر من كونه نتاجًا لقوة الطلب.

وفي هذا السياق، يشير الدكتور ناصر السعيدي إلى أن أي زيادة في الإيرادات ينبغي التعامل معها كأداة تحوط في مواجهة مخاطر محتملة قد تطال البنية التحتية الحيوية، بما يشمل منظومات الطاقة، وشبكات الكهرباء، ومرافق تحلية المياه، وهو ما يفرض إعادة ترتيب أولويات توظيف هذه الفوائض.

وعليه، تتجه هذه الموارد بشكل متزايد نحو الداخل، لدعم سياسات صناعية أكثر طموحًا، وتعزيز مرونة البنية التحتية، ورفع الجاهزية لإعادة الإعمار عند الحاجة. كما يُعاد توجيه رأس المال السيادي ليؤدي دورًا تمويليًا طويل الأجل ومنخفض التكلفة للشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في القطاعات غير النفطية، بما يعزز مسارات التنويع الاقتصادي ويقلل الاعتماد على الموارد التقليدية.

التنويع يتجاوز الأصول التقليدية

لطالما شكّل التنويع محورًا أساسيًا في استراتيجيات الاستثمار السيادي، لكنه اليوم يشهد إعادة تعريف دقيقة وواسعة النطاق. فقد سرّعت الحكومات الخليجية بعد الجائحة جهودها للحد من الاعتماد على المحروقات والطاقة، مع لعب الصناديق السيادية دورًا محوريًا في هذا التحول. ويظهر ذلك من خلال التوجه نحو أدوات استثمار محلية التركيز مثل القابضة (ADQ)، وصندوق الاستثمارات العامة، إلى جانب صناديق تركز على الأسواق العالمية مثل جهاز أبوظبي للاستثمار.

لكن التنويع اليوم يتجاوز حدود القطاعات التقليدية. فبحسب الدكتور ناصر السعيدي، “أحد الدروس الأساسية هو أن التنويع غير النفطي يجب أن يقترن بتنويع الشركاء التجاريين ومنافذ التصدير”. ويضيف أن هذا يتطلب استثمارات في البنية التحتية ومنصات التجارة عبر جغرافيات متعددة، خصوصًا في دول الجنوب العالمي، لضمان مستوى عالٍ من المرونة الاقتصادية والاستجابة للصدمات.

وتشمل هذه الاستثمارات شبكات الخدمات اللوجستية، وسلاسل الإمداد البديلة، والبنية التحتية الرقمية. كما تخصص الصناديق السيادية جزءًا كبيرًا من رؤوس أموالها لقطاعات التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، وهي مجالات أقل تعرضًا لتعطلات التجارة الفعلية وقادرة على دعم النمو الاقتصادي المستدام على المدى الطويل.

دور استقرار الأسواق العالمية

مع إدارة الصناديق السيادية الخليجية لما يتراوح بين 5 و6 تريليونات دولار، أي نحو 40% من إجمالي الصناديق السيادية عالميًا وفق بيانات Global SWF، يتضح حجم تأثيرها على الأسواق المالية الدولية.

فأفق الاستثمار طويل الأمد، إلى جانب قدرتها النسبية على الصمود أمام ضغوط السيولة قصيرة الأجل، يتيح لهذه الصناديق تبني سياسات مضادة للدورات الاقتصادية، ونشر رأس المال خلال فترات الضغوط السوقية لدعم الاستقرار.

ويشير الدكتور ناصر السعيدي إلى أن “حجم هذه الصناديق يجعلها تحت الأضواء الدولية، مع وجود نية واضحة لتجنب الانطباع بأنها مصدر عدم استقرار أو إضافي للتقلبات”. وبدل الانسحاب من الأسواق، تميل الصناديق السيادية إلى تعزيز الثقة من خلال الحفاظ على مستويات التعرض، وإرسال إشارات استقرار. ويضيف السعيدي: “إنهم يتصرّفون بصبرٍ وحكمة. فبدلًا من البيع بدافع الذعر، يُرسلون إشارةً مفادها أن التقلبات مؤقتة، وليست تغييرًا هيكليًا في أسلوب استثمارهم”.

وفي الوقت نفسه، يمكن إعادة توجيه رؤوس الأموال داخليًا عند الحاجة لدعم الإنفاق الدفاعي، وسلاسل الإمداد، والسلع الأساسية، من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى انسحاب كبير من الأسواق العالمية، خاصة في ظل حجم الفوائض السابقة وقدرتها على الاستيعاب.

من التفاعل إلى التخطيط الاستراتيجي

عبر الأزمات المختلفة، بدءًا من الأزمة المالية العالمية وحتى جائحة كورونا، يظل النهج ثابتًا: الصناديق السيادية لا تتصرف باندفاع، بل تُجري تعديلات مدروسة بعناية.

ففي أوقات الاضطراب، تبدأ الصناديق السيادية عادة بوضع استثماراتها أولًا في الأسواق التي يمكن بيعها أو تحويلها بسرعة عند الحاجة، أي الأسواق عالية السيولة، لتأمين مرونة مالية. وبعد استقرار الأوضاع وظهور فرص جديدة، تتوسع تدريجيًا نحو الاستثمارات طويلة الأجل في الأسواق الخاصة وقطاع البنية التحتية. وتركّز هذه الصناديق على القطاعات التي يصعب دخولها بسهولة، وتوفر حماية من التضخم، وتتمتع بطلب مستمر وطويل الأجل، مثل شبكات الطاقة، والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية الرقمية.

ويؤكد بريت أن “المستثمرين السياديين أصبحوا أكثر انتقائية واستراتيجية خلال فترات المخاطر الجيوسياسية”، مضيفًا أن “دورهم كمزودين لرأس المال طويل الأجل يكتسب أهمية متزايدة، لا سيما في ظل قيود السيولة التي تواجهها جهات استثمارية أخرى”.

جدير ذكره الصناديق السيادية الخليجية تدير لما يتراوح بين 5 و6 تريليونات دولار، أي نحو 40% من إجمالي الصناديق السيادية عالميًا وفق بيانات Global SWF

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى