
في الجزء الأول من هذه السلسلة، استعرضنا ما يُطرح فعلاً على المستثمر في اكتتاب شركة سبيس إكس: ثلاث طبقات اقتصادية متباينة في طبيعتها، وتسعير غير مسبوق في تشدّده، وبنية حوكمة تحفظ السيطرة الكاملة للمالك المسيطر، وعملية إعادة هندسة قيمة جرت قبل أربعة أشهر فقط من الطرح. اكتفينا في ذلك الجزء بالوصف، ولم نُصدر حكماً.
في هذا الجزء، نتجاوز الوصف إلى التحليل. نطرح ثلاثة أسئلة: ما الذي حدث للمستثمرين في الطروحات الضخمة السابقة؟ ما هي البنية الهيكلية التي تتكرّر في كل دورة مالية كبرى؟ وما الذي يكشفه هذا النمط عن ما يُهيّأ له في الأسواق اليوم؟
ما حدث في الطروحات الضخمة السابقة
التاريخ ليس صديقاً للمستثمر الذي يكتتب في طروحات تتجاوز قيمتها ستة عشر مليار دولار. السجل الإمبيريقي للعقدين الأخيرين يكشف نمطاً ثابتاً يجدر بالقارئ تأمّله قبل أي قرار.
نستعرض في الجدول التالي أداء أبرز الطروحات الضخمة في تاريخ الأسواق الأمريكية، استناداً إلى بيانات موثّقة من المصادر العامة:
| الشركة | تاريخ الطرح | سعر الطرح | أدنى نقطة | مدة العودة لسعر الطرح | النتيجة طويلة الأجل |
| فيزا | مارس 2008 | 44 دولاراً | تراجع مع الأزمة المالية | تعافٍ بعد ثلاث سنوات | عائد يقارب 18 ضعفاً خلال 17 عاماً |
| فيسبوك | مايو 2012 | 38 دولاراً | 18 دولاراً (سبتمبر 2012، -53%) | 16 شهراً | عائد إيجابي بعد عقد كامل |
| علي بابا | سبتمبر 2014 | 68 دولاراً | 57 دولاراً (سبتمبر 2015) | تعافٍ خلال السنة الثانية | عائد إيجابي في عامه الأول، ضغوط لاحقة |
| أوبر | مايو 2019 | 45 دولاراً | 26 دولاراً (نوفمبر 2019، -42%) | 21 شهراً | لم تُحقّق الربحية إلا في 2024 |
| أرامكو | ديسمبر 2019 | 32 ريالاً | استقرار بفضل قاعدة المشترين المحلّيين | لم يتعرّض لانهيار مماثل | محدودية التداول الأجنبي |
تكشف هذه الأرقام نمطاً واضحاً.
أولاً: من بين خمسة طروحات ضخمة كبرى استعرضناها، طرح واحد فقط — علي بابا — حقّق عائداً إيجابياً للمكتتبين في عامه الأول، وذلك لأسباب جوهرية تتعلّق بالتسعير المعتدل والربحية الفعلية للشركة وقت الطرح.
ثانياً: المكتتبون في فيسبوك انتظروا ستة عشر شهراً ليعود السهم إلى سعر طرحه، وبلغ السهم في أسوأ نقطة قاعاً يبعد ثلاثة وخمسين بالمئة دون سعر الطرح.
ثالثاً: المكتتبون في أوبر انتظروا واحداً وعشرين شهراً ليعود السهم إلى سعر طرحه، وهبط السهم بنسبة اثنين وأربعين بالمئة، وحدث ذلك تحديداً مع انقضاء فترة حظر بيع الأسهم الداخلية.
نقطة جوهرية: في الحالتين، تحقّق القاع في الفترة المتزامنة مع انقضاء فترة الحظر، أي بعد ستة أشهر من الطرح. هذه نقطة فنية يجب أن نعود إليها لاحقاً.
موجة 2020–2021: السابقة الأقرب
لكنّ المقارنة الأكثر صلة بما يجري في 2026 ليست أيّاً من الطروحات الفردية أعلاه، بل موجة الطروحات الضخمة التي شهدتها الأسواق الأمريكية في عامَي 2020 و2021.
في تلك الفترة، طُرحت أكثر من 1,400 شركة في الأسواق العامة الأمريكية، بقيمة إجمالية تقارب 233 مليار دولار. شملت الموجة طروحات بارزة مثل إير بي إن بي، ودوردش، وروبلوكس، وكوينبيس، وريفيان. وكانت تلك الفترة مدفوعة بأكبر تدفّق للسيولة العالمية بعد الأزمة الصحية.
ما حدث بعد ذلك يستحقّ التأمّل:
| المؤشّر | أداء عام 2022 |
| مؤشّر إس آند بي 500 | -19% (الأسوأ منذ 2008) |
| مؤشّر ناسداك المركّب | -33% |
| صندوق رينيسانس للطروحات الجديدة | -57% |
| نسبة الطروحات التي فقدت أكثر من 50% بنهاية 2023 | نحو 75% |
ثلاثة أرباع الشركات التي طُرحت في تلك الموجة فقدت أكثر من نصف قيمتها بنهاية 2023. هذا ليس استثناءً نادراً، بل نتيجة هيكلية لتركّز الطروحات الضخمة في نوافذ زمنية قصيرة.
والآن، تقارَن موجة 2020–2021 بما يُهيّأ له في 2026:
| المعيار | موجة 2020–2021 | موجة 2026 |
| إجمالي القيمة المرفوعة | ~233 مليار دولار | ~215 مليار دولار |
| عدد الشركات | 1,439 شركة | 3 شركات فقط |
| النافذة الزمنية | 24 شهراً | 6 أشهر |
| التركّز | منتشر عبر القطاعات | مركّز في الذكاء الاصطناعي |
النتيجة الواضحة: موجة 2026 تجمع رأس مال مماثل تقريباً، لكنها تركّزه في عدد محدود جداً من الشركات، وفي نافذة زمنية أقصر بأربع مرّات. هذا التركّز هو السمة غير المسبوقة، لا الحجم الإجمالي.
النمط التاريخي: بنية متكرّرة عبر الأجيال
ما يجري اليوم في سبيس إكس ومنظومتها ليس ظاهرة جديدة. البنية الهيكلية التي يقوم عليها هذا الاكتتاب لها سوابق تاريخية موثّقة تتكرّر في كل دورة مالية كبرى.
الجدول التالي يستعرض النموذج عبر العقود:
| الحقبة | الأداة | الآلية |
| 1929 | صناديق غولدمان ساكس للاستثمار | صندوق «أ» يشتري أسهم صندوق «ب» الذي يشتري أسهم صندوق «ج» الذي يشتري أسهم «أ» |
| الثمانينيات | شبكة سندات دريكسل/ميلكن | الشركات تشتري سندات بعضها بعضاً |
| 1989–1990 | الكيريتسو الياباني | البنوك تملك أسهم الشركات، والشركات تملك أسهم البنوك |
| 1999–2000 | تمويل الموردين في قطاع الاتصالات | لوسنت ونورتل تموّلان عملاءهما لشراء معدّاتهما |
| 2001 | كيانات إنرون الخاصة | كيانات تابعة تحمل أسهم الشركة الأم كضمان |
| 2007–2008 | التوريق الائتماني | أدوات الدين المهيكلة تحمل شرائح من أدوات دين أخرى |
| 2022 | شبكة منصّات العملات الرقمية | إف تي إكس، وألاميدا، وسيلزيوس، وبلوك فاي تحمل عملات بعضها بعضاً |
| 2026 | منظومة سبيس إكس وشركاتها المرتبطة | تيسلا وإكس وتيرافاب وإكس إيه آي وإكوستار في شبكة متشابكة |
الآلية متطابقة في الحالات الثماني جميعها. كيانات متعدّدة تحت سيطرة أو نفوذ شخص واحد. استثمارات متبادلة، مشتريات متبادلة، تمويل متبادل. قيمة كل كيان مدعومة بمعاملات الكيانات الأخرى. القيمة المجتمعة تتجاوز مجموع القيم المستقلّة. البنية مستقرّة طالما ترتفع جميع التقييمات. تنهار البنية إذا انكسرت قيمة أي عنصر منها. المؤسّس يستخرج القيمة في القمة عبر حدث سيولة. المكتتبون من الأفراد ومتأخّرو المؤسّسات يتحمّلون التراجع.
كل حالة من حالات هذا الجدول انتهت بانهيار. لا استثناءات.
القاسم المشترك: من يخسر؟
البنى المعروضة في الجدول أعلاه تجمعها سمة هيكلية واحدة، تكشف لمن دقّق فيها لماذا تنتهي جميعها إلى الانهيار.
كل واحدة من هذه البنى تستند إلى ثقة، لا إلى أصول. كل صفقة فيها تستمدّ شرعيتها من الصفقة السابقة. كل تقييم فيها يستند إلى تقييم سبقه. وحين تنكسر الحلقة في نقطة واحدة، ينكسر كل ما يقوم عليها.
والقاسم الأهمّ: المهندسون الأصليون لهذه البنى لا يخسرون. يستخرجون قيمتهم في القمّة، عبر بيع جزئي، أو حدث سيولة، أو إعادة هيكلة محسوبة. الخاسر دائماً هو المتأخّر. المستثمر المؤسّسي الذي اشترى قرب القمة لتغطية مؤشّر معين. المستثمر الفرد الذي صدّق السرد العام. الموظف الذي قبل تعويضه بالأسهم بدلاً من النقد. هؤلاء يحملون ثقل الانهيار.
هذه ليست نظرية. هذا ما حدث في صناديق غولدمان ساكس عام 1929، وفي شبكة دريكسل في الثمانينيات، وفي الكيريتسو الياباني عام 1990، وفي شبكة الاتصالات عام 2000، وفي إنرون عام 2001، وفي التوريق الائتماني عام 2008، وفي منصّات العملات الرقمية عام 2022.
البنية تتكرّر، والأسماء تتغيّر، والنتيجة واحدة.
منظومة سبيس إكس: شبكة لا شركة
لفهم لماذا تنطبق هذه السوابق على الاكتتاب الحالي، يجب أن نرى ما يُطرح فعلاً كشبكة، لا كشركة منفردة.
سبيس إكس مرتبطة بمنظومة من الكيانات التي يسيطر عليها المالك المسيطر نفسه، أو التي يحتفظ فيها بحصص جوهرية، أو التي تربطها بسبيس إكس صفقات تشغيلية متبادلة. هذه المنظومة تشمل:
| الكيان | العلاقة بسبيس إكس |
| تيسلا | تشتري شرائح من تيرافاب، المصنع المشترك بين تيسلا وسبيس إكس وإكس إيه آي |
| إكس (للتواصل الاجتماعي) | تموّل خدماتها عبر بنية إكس إيه آي الحاسوبية، التي تعمل داخل سبيس إكس |
| إكوستار | تحمل ما يقارب 11 مليار دولار من أسهم سبيس إكس، تلقّتها مقابل بيع تردداتها اللاسلكية |
| المالك المسيطر | يحتفظ بقروض شخصية مضمونة بأسهمه في كلٍّ من تيسلا وسبيس إكس |
كل معاملة في هذه الشبكة تولّد إيرادات لكيان ما، وقيمة لكيان آخر، وثقة سوقية في الكيانات جميعها. الشركات تظهر أكبر مما هي عليه فعلياً، لأن المعاملات بينها تُحتسب إيرادات في الميزانيات. الدولار نفسه قد يظهر كإيراد في ثلاث ميزانيات مختلفة قبل أن يكتمل دورانه في الشبكة.
هذا ما يبدو عليه النموذج الكلاسيكي الذي رأيناه في الجدول التاريخي أعلاه. كلّ التفاصيل الفنّية تتغيّر، لكنّ الهيكل يبقى ذاته.
النقطة الجوهرية: نقطة الانهيار الواحدة
أهمّ ما يميّز هذه البنى تاريخياً هو وجود نقطة انهيار واحدة، تنتقل منها العدوى إلى كامل الشبكة.
في سبيس إكس، نقطة الانهيار الواحدة هي سعر تداول سهم الشركة بعد الطرح.
طالما يحافظ السهم على سعره القريب من 1.75 تريليون دولار، تعمل الشبكة. ثروة المالك المسيطر الورقية تبقى سليمة. حصّة إكوستار في سبيس إكس تبقى قابلة للتقييم. المستثمرون الأوائل في إكس إيه آي يحتفظون بأرباحهم الورقية. تيسلا تستفيد من هالة المؤسّس. تستمرّ المعاملات داخل الشبكة في توليد إيرادات.
وإذا انخفض سعر السهم انخفاضاً جوهرياً، تنكسر الشبكة في كل اتجاه في الوقت ذاته. ثروة المالك المسيطر الورقية تتقلّص. القروض المضمونة بأسهمه قد تستدعي الضمانات. حصّة إكوستار في سبيس إكس تتآكل، فتعود إكوستار إلى مرحلة ما قبل الصفقة من ناحية الاستمرارية. المستثمرون الأوائل في إكس إيه آي يخسرون ما حصّلوه من إعادة الهندسة. تيسلا تتأثّر بانعدام الهالة وبضغط المالك المسيطر على بيع أسهمه. تتراجع الإيرادات المتبادلة داخل الشبكة، مما يُظهر الطبيعة الدائرية لها.
هذه ليست مجرّد مخاطر استثمارية. هذه هشاشة هيكلية.
الخاتمة: نموذج معروف، نتيجة معروفة
استعرضنا في هذا الجزء ثلاث وقائع.
الواقعة الأولى: الطروحات الضخمة السابقة قدّمت عوائد سلبية للمكتتبين في عامها الأول في أربع حالات من خمس. والاستثناء الوحيد كان شركة مربحة، بتسعير معتدل، ونموّ إيرادات قوي. سبيس إكس لا تطابق أيّاً من هذه الخصائص.
الواقعة الثانية: موجة الطروحات الضخمة المتزامنة في 2026 لا سابقة لها من حيث التركّز. أقرب مقاربة لها — موجة 2020–2021 — انتهت بسوق هابطة كاملة في 2022.
الواقعة الثالثة: البنية الهيكلية لمنظومة الشركات المرتبطة بسبيس إكس تنتمي إلى عائلة بُنى استثمارية معروفة تاريخياً، انتهت كل واحدة منها إلى انهيار. النموذج موثّق عبر قرن كامل من الأسواق المالية، من 1929 إلى 2022.
لم نُصدر بعد توصية. ولم نقترح أي إجراء. اكتفينا بعرض الوقائع التاريخية.
في الجزء الثالث، نتناول السؤال العملي: ما الذي يعنيه هذا للمستثمر العادي الذي قد يفكّر في المشاركة في هذا الاكتتاب أو في الشراء بعد إدراج السهم؟ وما هي العلامات والمواعيد التي يجب على القارئ متابعتها خلال الأشهر الثمانية عشر القادمة؟
ولماذا حماية رأس المال أهمّ من أيّ فرصة قد يبدو أنّها فرصة العمر.



