مقالات

معدل الاحتراق: الرقم الذي يقرر مصير الشركات الناشئة

 

بقلم/ د. علي عويد رخيص

خبير اقتصادي ومحاسبي

مؤسس ومدير عام – مكتب الواحة لتدقيق الحسابات عضو في نكسيا

 

في عالم الشركات الناشئة، تتصدر قصص التمويلات الضخمة والنمو السريع عناوين الأخبار. لكن الواقع يروي قصة مختلفة. فمعظم الشركات الناشئة لا تفشل بسبب ضعف الفكرة أو غياب الفرصة السوقية، بل بسبب **نفاد السيولة النقدية** قبل الوصول إلى الاستدامة والربحية.

مع ارتفاع تكلفة التمويل وتشدد المستثمرين في عام 2026، تحول التركيز من “معدل النمو” إلى “جودة الإدارة المالية”. وأصبح **معدل الاحتراق (Burn Rate)** أحد أهم المؤشرات التي يركز عليها المستثمرون وصناديق رأس المال الجريء لتقييم قدرة الشركة على البقاء.

ما هو معدل الاحتراق؟

معدل الاحتراق هو سرعة استهلاك الشركة للسيولة النقدية المتاحة خلال فترة زمنية (غالباً شهرياً). يُشبه هذا المؤشر “عداد الوقود” في السيارة؛ فهو لا يخبرك فقط بكمية الوقود المتبقي، بل يوضح أيضاً كم من الوقت تستطيع الاستمرار قبل التوقف.

لذلك، لم يعد المستثمرون يكتفون بسؤال “كم مبيعاتك؟”، بل يركزون على سؤالين أساسيين:

– ما هو معدل الاحتراق الشهري؟

– كم يبلغ المدرج المالي (Runway) المتبقي لك؟

 

أنواع معدل الاحتراق

النوع التعريف
الاحتراق الإجمالي (Gross Burn) إجمالي المصروفات النقدية الشهرية/ معرفة حجم العمليات والتكاليف الكلية
الاحتراق الصافي (Net Burn) المصروفات الإجمالية ناقص الإيرادات/ المؤشر الأهم للمستثمرين
الاحتراق التشغيلي (Operating Burn)

 

الخسائر التشغيلية بعد استبعاد النفقات الرأسمالية/ تقييم كفاءة نموذج الأعمال الأساسي

 

مثال عملي:

إذا كانت مصروفات الشركة **120 ألف دينار** شهرياً، وإيراداتها **40 ألف دينار**، فإن:

– الاحتراق الإجمالي = 120 ألف دينار

– الاحتراق الصافي = 80 ألف دينار

 

 المدرج المالي (Runway): كم تبقى لك من الوقت؟

يُحسب المدرج المالي بقسمة السيولة النقدية المتاحة على معدل الاحتراق الصافي.

 مثال:

سيولة نقدية = **960 ألف دينار**

احتراق صافي = 80 ألف دينار شهرياً

→ المدرج المالي = 12 شهراً

يُعتبر المدرج المالي المثالي بين **18- 24 شهراً**. أما إذا انخفض عن 6 أشهر، فيُعد إشارة خطر تستوجب تدخلاً فورياً.

 

كيف تُدار معدل الاحتراق بذكاء؟

يتبع رواد الأعمال الناجحون ثلاث قواعد أساسية:

1- **السيولة أولاً**: لا تُسرع في التوسع قبل تأمين سيولة كافية.

2- **ربط التمويل بأهداف واضحة**: اجعل كل جولة تمويل مرتبطة بمؤشرات أداء قابلة للقياس (KPIs).

3- **تحسين الكفاءة المستمر**: خفض التكاليف غير الضرورية، استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، العمل عن بعد، والاستعانة بموردين خارجيين (Outsourcing).

 

**نصيحة حديثة:** راقب أيضاً **Burn Multiple**، وهو عدد الدنانير التي تحرقها الشركة مقابل كل دينار إضافي من الإيرادات. كلما انخفض هذا الرقم، زادت جاذبية الشركة للمستثمرين.

 

الواقع في الكويت والخليج

تعيش بيئة الشركات الناشئة في دول الخليج مرحلة تحول نوعي. بعد سنوات التركيز على النمو السريع، أصبح المستثمرون يولون اهتماماً أكبر باستدامة التدفقات النقدية وجودة نموذج الأعمال.

وفي الكويت تحديداً، تواجه الشركات الناشئة تحديات خاصة: حجم السوق المحدود، ارتفاع تكاليف التشغيل، والمنافسة المتزايدة. لذلك أصبحت الإدارة الذكية لمعدل الاحتراق عاملاً حاسماً ليس فقط للبقاء، بل أيضاً لجذب التمويل.

 

### الخاتمة

في بيئة الأعمال الحديثة، لم يعد معدل الاحتراق مجرد رقم محاسبي، بل أصبح **نبض الشركة** وقياساً حقيقياً لكفاءة الإدارة وقدرتها على التوفيق بين الطموح والواقع.

وفقاً لتقارير عالمية، يُعد نفاد السيولة السبب الرئيسي لفشل أكثر من 38% من الشركات الناشئة. لذا، على كل مؤسس ناجح أن يعرف ثلاثة أرقام على رأسه دائماً:

**حجم السيولة المتاحة، معدل الاحتراق الصافي، وعدد الأشهر المتبقية في المدرج المالي.**

فالناجحون ليسوا من يحرقون المال بأسرع طريقة، بل من يعرفون كيف يجعلون **كل دينار يعمل لصالحهم أطول فترة ممكنة**.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى