الكويت

هيئة أسواق المال تعزز الشفافية

غرامات على شركتين مدرجتين بسبب ملاحظات على القوائم المالية والإفصاح

 

بقلم: محمد عثمان – مدير تدقيق داخلي
CPA, CIA, CMA,CSCA, CRMA, CISA, CRISC, CERM, CFE, PMP, PBA, ISO 31000 Senior Lead Risk Manager

 

في إطار جهودها المستمرة لتعزيز الشفافية وحماية حقوق المتعاملين في سوق المال، أصدرت هيئة أسواق المال الكويتية قرارات تأديبية تضمنت توقيع غرامات مالية على شركتين مدرجتين، إلى جانب عدد من أعضاء مجالس إدارتيهما وبعض أعضاء الإدارة التنفيذية.

وجاءت هذه القرارات على خلفية ملاحظات تتعلق بمعالجة بعض البنود المحاسبية، ودقة عرضها والإفصاح عنها في القوائم المالية، بما يؤكد أن القوائم المالية ليست مجرد أرقام محاسبية، وإنما أداة أساسية تعكس المركز المالي والأداء الاقتصادي للشركة، وتوفر للمساهمين والمستثمرين المعلومات اللازمة لاتخاذ قراراتهم الاستثمارية.

كما تعكس هذه الإجراءات أهمية الدور الرقابي لمجالس الإدارة والدور التنفيذي للإدارة التنفيذية في التأكد من سلامة القوائم المالية والالتزام بالمعايير المحاسبية والقواعد واللوائح المنظمة للإفصاح.

 

الشركة الأولى: ملاحظات على تقييم الاستثمارات وكفاية الإفصاح

تعلقت الملاحظات الأولى بشركة مدرجة تعمل  في قطاع النقل واللوجستيات، حيث رصدت الهيئة، عند مراجعتها للقوائم المالية السنوية للشركة، ملاحظات تتعلق بالمعالجة المحاسبية لأحد الاستثمارات ومدى كفاية الإفصاحات المرتبطة به.

فقد قامت الشركة بتعديل قيمة أحد استثماراتها في شركة أخرى بمبلغ يقارب 3.5 مليون دينار كويتي، إلا أن الإفصاحات المصاحبة للقوائم المالية لم تكن – وفقاً لملاحظات الهيئة – كافية لتوضيح طبيعة التعديل وأسبابه وآثاره بصورة تمكن مستخدمي القوائم المالية من فهم المعالجة المحاسبية بصورة واضحة.

كما تضمنت الملاحظات عدم قيام الشركة بإجراء اختبار هبوط القيمة (Impairment Test) للاستثمار، رغم وجود مؤشرات تستدعي تقييم ما إذا كانت القيمة المسجلة للاستثمار لا تزال قابلة للاسترداد.

وتبرز أهمية هذه النقطة في أن اختبار هبوط القيمة لا يمثل مجرد إجراء محاسبي شكلي، بل يهدف إلى التأكد من أن قيمة الأصل المسجلة في القوائم المالية لا تتجاوز قيمته القابلة للاسترداد، متى توافرت المؤشرات التي تستوجب إجراء الاختبار وفقاً للمعايير المحاسبية ذات الصلة.

الإجراءات التنظيمية

وبناءً على الملاحظات التي رصدتها الهيئة، تضمنت القرارات توقيع غرامة مالية على الشركة، بالإضافة إلى غرامات متفاوتة على رئيس مجلس الإدارة ونائبه وعدد من أعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية، وذلك وفقاً لما ورد في القرارات التأديبية وبما يرتبط بالمسؤوليات المنوطة بكل منهم.

الشركة الثانية: ملاحظات على تصنيف الأصول والاعتراف المحاسبي

أما الشركة الثانية، وهي شركة مدرجة تعمل في قطاع المخازن العامة ، فقد تعلقت الملاحظات بعدد من المعالجات المحاسبية المرتبطة بتصنيف بعض الأصول والاعتراف بها في القوائم المالية.

1. إعادة تصنيف مبلغ يقارب 111 مليون دينار

تمثلت إحدى الملاحظات في إعادة تصنيف مبلغ كبير يقارب 111 مليون دينار كويتي من بند الاستثمارات إلى بند “مطالبات مدينة”( مبالغ مستحقة للشركة)

وتكتسب هذه المعالجة أهمية كبيرة نظراً إلى ضرورة وجود أساس محاسبي واضح يدعم طبيعة الحق الذي تم الاعتراف به وتصنيفه كمديونية ، إلى جانب إمكانية قياسه بصورة موثوقة وتحديد قابلية استرداده.

وبعبارة مبسطة، فإن السؤال المحاسبي الأساسي هنا هو:

هل لدى الشركة حق حالي قابل للإثبات والقياس والاسترداد يبرر الاعتراف بالمبلغ كمديونية؟

فمجرد وجود مبلغ تتوقع الشركة تحصيله لا يكفي بالضرورة، بل يجب أن تتوافر متطلبات الاعتراف والتصنيف المحاسبي ذات الصلة وفقاً للمعايير المعتمدة.

2. استمرار إدراج عقارات ضمن العقارات الاستثمارية

تضمنت الملاحظات كذلك استمرار الشركة في إدراج عقارات مستأجرة بقيمة تقارب 65.7 مليون دينار كويتي ضمن بند العقارات الاستثمارية، رغم انتقال العقارات إلى مرحلة التسليم للجهة المؤجرة، وما يرتبط بذلك من مسائل تتعلق باستمرار تحقق شروط الاعتراف والتصنيف المحاسبي.

وتبرز هنا أهمية تحديد طبيعة السيطرة والحقوق المرتبطة بالأصل في تاريخ إعداد القوائم المالية، ومدى استمرار توافر الشروط اللازمة لإبقائه ضمن بند العقارات الاستثمارية.

وبالتالي، فإن القضية لا تتعلق فقط بمكان ظهور الأصل في الميزانية، وإنما بالسؤال الأهم:

هل ما زالت الشركة تستوفي الشروط المحاسبية اللازمة للاعتراف بهذا الأصل وتصنيفه ضمن العقارات الاستثمارية؟

الإجراءات التنظيمية

وبناءً على الملاحظات المشار إليها، تضمنت القرارات توقيع غرامة مالية على الشركة، إلى جانب غرامات على رئيس مجلس الإدارة ونائبه والمدير التنفيذي والمدير المالي وعدد من أعضاء مجلس الإدارة، وفقاً لما ورد في القرارات التأديبية للهيئة.

 

ماذا نتعلم من هذه القرارات؟

تتجاوز أهمية هذه القرارات مجرد توقيع الغرامات المالية؛ فهي تقدم رسالة مهمة إلى مجالس إدارات الشركات المدرجة وإداراتها التنفيذية حول المسؤولية المرتبطة بالقوائم المالية والإفصاحات.

1- القوائم المالية مسؤولية وليست مجرد عمل محاسبي

القوائم المالية تمر عادة بعدة مستويات من الإعداد والمراجعة والاعتماد، وبالتالي فإن مسؤولية التأكد من سلامة المعلومات المالية لا تقع على عاتق الإدارة المالية وحدها.

فمجلس الإدارة والإدارة التنفيذية مطالبان بفهم المعالجات المحاسبية الجوهرية والأحكام والتقديرات ذات الأثر المهم على القوائم المالية قبل اعتمادها.

2- الإفصاح لا يعني مجرد ذكر الرقم

قد يكون الرقم المالي صحيحاً من الناحية الحسابية، ولكن الإفصاح قد يظل غير كافٍ إذا لم يوضح طبيعة البند وأسبابه وأهم الأحكام والتقديرات المرتبطة به وآثاره على القوائم المالية، بالقدر الذي تتطلبه المعايير.

لذلك، فإن السؤال ليس فقط:

“هل الرقم صحيح؟”

بل أيضاً:

“هل يستطيع المستثمر فهم ماذا يعني هذا الرقم ولماذا تغير وكيف يؤثر على الشركة؟”

3- التصنيف المحاسبي قد يكون بنفس أهمية قيمة الأصل

إعادة تصنيف مبلغ من بند إلى آخر ليست مسألة شكلية دائماً.

فالانتقال من استثمار إلى مدين، أو استمرار إدراج أصل ضمن العقارات الاستثمارية، قد يؤثر على فهم المستثمر لطبيعة أصول الشركة وحقوقها ومخاطرها ومركزها المالي.

ولهذا يجب أن يكون لكل تصنيف أساس محاسبي واضح ومدعوم بالأدلة والمستندات.

4- مؤشرات هبوط القيمة تستوجب الانتباه

عندما تظهر مؤشرات تدل على احتمال انخفاض قيمة استثمار أو أصل، يجب على الإدارة تقييم ما إذا كانت المعايير المحاسبية تستوجب إجراء اختبار هبوط القيمة.

وهنا تظهر أهمية وجود رقابة داخلية فعالة على تقييم الاستثمارات والأصول، وعدم الاكتفاء بالقيمة التاريخية أو الدفترية للأصل دون مراجعة مدى قابليته للاسترداد.

 

رسالة مهمة لمجالس الإدارات والإدارة التنفيذية

تؤكد هذه القرارات أن المسؤولية عن جودة المعلومات المالية ليست مسؤولية المدقق الخارجي وحده، ولا الإدارة المالية وحدها.

فالمدقق الخارجي يقدم رأياً مهنياً مستقلاً، بينما تقع على الإدارة مسؤولية إعداد القوائم المالية وفقاً للمعايير المحاسبية المعتمدة، وتقع على مجلس الإدارة مسؤولية الإشراف والاعتماد والرقابة.

ومن هنا تأتي أهمية وجود منظومة متكاملة تشمل:

مجلس الإدارة ← الإدارة التنفيذية ← الإدارة المالية ← الرقابة الداخلية ← إدارة المخاطر ← التدقيق الداخلي ← التدقيق الخارجي

بحيث تعمل هذه الأطراف معاً لضمان أن تكون المعلومات المالية:

دقيقة + مكتملة + قابلة للتحقق + مفهومة + مفصحاً عنها في الوقت المناسب.

 

الخلاصة

تؤكد القرارات التأديبية الأخيرة أهمية أن تعكس القوائم المالية الواقع الاقتصادي للشركة بصورة عادلة وواضحة، وألا ينظر إليها باعتبارها مجرد مجموعة من الأرقام والتصنيفات المحاسبية.

كما تسلط الضوء على ثلاثة محاور رئيسية يجب أن تحظى باهتمام مجالس الإدارات والإدارات التنفيذية:

أولاً: سلامة المعالجة المحاسبية
هل تم الاعتراف بالأصل أو الالتزام وتصنيفه وقياسه وفقاً للمعايير المحاسبية ذات الصلة؟

ثانياً: كفاية الإفصاح
هل توفر الإيضاحات المرافقة للقوائم المالية المعلومات التي يحتاجها المستثمر لفهم البنود الجوهرية والتغيرات والمخاطر المرتبطة بها؟

ثالثاً: فعالية الرقابة
هل توجد إجراءات رقابية كافية لاكتشاف الأخطاء أو المعالجات غير الملائمة قبل اعتماد القوائم المالية ونشرها؟

وفي النهاية، فإن الشفافية المالية لا تبدأ عند نشر القوائم المالية، بل تبدأ من داخل الشركة، من خلال وجود مجلس إدارة فعال، وإدارة تنفيذية مسؤولة، ورقابة داخلية قوية، وإدارة مالية ذات كفاءة، وتدقيق داخلي مستقل وفعال.

فالهدف النهائي ليس فقط تجنب الغرامة، وإنما بناء قوائم مالية تعكس حقيقة الشركة وتدعم ثقة المستثمرين واستدامة السوق.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى