البعثات الخارجية من «الشهادة» إلى «الوظيفة»..
كيف نحول إنفاق الكويت على أبنائها إلى استثمار حقيقي في وظائف المستقبل
بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com
-
270 مليون دينار على 2704 طالباً… والسؤال الحقيقي: كم وظيفة ستعود إلى الكويت مقابل هذا الاستثمار؟
-
البعثة ليست تذكرة سفر إلى جامعة مرموقة… بل استثمار يجب أن ينتهي بوظيفة أو مشروع أو قيمة حقيقية.
-
متى نبدأ بتوجيه الطالب؟ إذا انتظرنا حتى الثانوية نكون قد بدأنا متأخرين جداً.
-
1071 طالباً سيخضعون لاختبارات الموهبة في سبتمبر 2026… وقد يكون بينهم مبتكرو الغد.
-
من «وجّهني» إلى «اكتشفني» ثم «طوّرني» ثم «ابتعثني» ثم «طبّقني» وأخيراً «وظّفني»… هذه السلسلة الوطنية الجديدة.
-
الطالب ليس مقعداً في جامعة عالمية… الطالب مشروع رأس مال بشري كامل.
-
يجب أن يبدأ الطالب في المدرسة بالتعامل مع التكنولوجيا باعتباره صانعاً لا مستهلكاً.
-
الاعتماد على المزودين الدوليين للرقائق والحوسبة السحابية والنماذج المتطورة يخلق «نقاط اختناق» يمكن أن تسرّب القيمة إلى خارج المنطقة.
-
مدارس الموهوبين لن تكتفي بالمناهج الرسمية… ستضيف برامج إثرائية تربط الذكاء الاصطناعي والروبوتات والبيانات منذ المتوسط.
-
القطاع الخاص يعرف ما المهارات التي سيحتاجها بعد 5 و10 سنوات… فلماذا يبقى خارج غرفة صناعة البعثات؟
-
مؤشر العائد على الابتعاث: الأداة التي ستكشف هل كنا ننفق أم نستثمر.
-
وزارة التربية والتعليم العالي ومراكز الموهبة والقطاع الخاص… يجب أن تصبح منظومة واحدة لا جزر منفصلة.
كيف نحوّل إنفاق الكويت على أبنائها إلى استثمار حقيقي في وظائف المستقبل؟
عندما أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بتاريخ 29-08-2026قبول 2,704 ألفين وسبعمئة وأربعة طلاب وطالبات في خطة البعثات الخارجية للعام الدراسي 2026/2027 وبشأن تطوير منظومة البعثات الخارجية وربطها باحتياجات سوق العمل الكويتي وأولويات الدولة المستقبلية، لم يكن الرقم مجرد قائمة جديدة من الأسماء المغادرة إلى الجامعات العالمية، بل كان يمكن أن يمثل بداية نقاش أوسع بكثير حول ما تريده الكويت من هؤلاء الطلبة بعد أربع أو خمس أو ست سنوات. السؤال ليس أين سيدرس أبناؤنا، ولا حتى ماذا سيدرسون، بل أين سيكون موقع كل واحد منهم في اقتصاد الكويت عندما يعود. فقد قطعت الوزارة بالفعل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح حين أصبحت خطة الابتعاث أكثر ارتباطاً باحتياجات سوق العمل من خلال مخاطبة الجهات الحكومية والخاصة ودراسة التخصصات المطلوبة والتأكد مما هو متاح داخل الكويت قبل تحديد ما يحتاج إلى الابتعاث الخارجي، واتجهت الخطة إلى تخصصات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والميكاترونيك ودكتور الصيدلة والتخصصات التي تجمع بين الطب والذكاء الاصطناعي. فهذا تحوّلٌ بالغ الأهمية؛ لأنّ الطالب الذي يغادر الكويت في 2026 سيعود في 2030 أو 2031. وهذا تحول مهم، لكن الخطوة التالية يجب أن تكون أكبر من مجرد ربط التخصص بسوق العمل، إذ ينبغي أن نربط الطالب نفسه بسوق العمل منذ وقت مبكر. فهل نختار تخصّصه بناءً على سوق العمل اليوم، أم على سوق العمل الذي سيواجهه عند عودته؟
المشكلة ليست في الشهادة… بل في توافقها مع المستقبل
هل نختار تخصّصه بناءً على سوق العمل اليوم، أم على سوق العمل الذي سيواجهه عند عودته؟
لننظر إلى البعثة باعتبارها استثماراً لا منحة تعليمية فحسب. فإذا افترضنا لأغراض التخطيط أن تكلفة الطالب المبتعث تدور حول ثمانين إلى مئة وعشرين ألف دينار خلال أربع سنوات، فإن ألفين وسبعمئة وأربعة مبتعثين 2,704 يمثلون استثماراً محتملاً ضخماً قد يتجاوز مئات الملايين من الدنانير على مدى دورة تعليمية واحدة. وبمتوسط افتراضي قدره مئة ألف دينار للطالب نتحدث عن مئتين وسبعين مليوناً وأربعمئة ألف دينار. وهنا يجب أن يتغير السؤال جذرياً من كم طالباً ابتعثنا إلى كم قيمة اقتصادية واجتماعية ووظيفية عادت إلى الكويت مقابل هذا الاستثمار، وهل حصل الخريج على وظيفة، وهل يعمل في تخصصه، وكم استغرق من الوقت للحصول على أول وظيفة، وهل اكتسب المهارات التي يحتاجها صاحب العمل الكويتي، وهل أصبح قادراً على الابتكار أو إنشاء مشروع، وهل عاد ليعمل في قطاع تحتاجه الكويت فعلاً. هذه الأسئلة هي التي تنقل مفهوم الابتعاث من الإنفاق على التعليم إلى الاستثمار في رأس المال البشري.
من «ماذا تريد أن تدرس؟» إلى «ماذا ستحتاج الكويت؟»
وهنا تظهر الحلقة الأهم في منظومة الابتعاث: متى نبدأ بتوجيه الطالب؟ فإذا كان التوجيه يبدأ عندما يصل الطالب إلى الثانوية ويسأل عن التخصص والجامعة والدولة، فنحن بدأنا متأخرين. فالطالب المتميز في الرياضيات أو البرمجة أو العلوم أو التصميم أو البحث العلمي أو حل المشكلات لا ينبغي أن نكتشفه عند لحظة تقديم طلب البعثة، بل يجب أن نكتشفه قبل ذلك بسنوات. ومن هنا تأتي أهمية التطور الجديد في وزارة التربية التي بدأت تطبيق نظام مدارس الموهوبين اعتباراً من العام الدراسي 2026/2027، على أن تبدأ المرحلة الأولى في التعليم المتوسط من خلال مدرستين حكوميتين إحداهما للبنين والأخرى للبنات مع التوسع مستقبلاً إلى المرحلة الثانوية. وهذه ليست مجرد إضافة مدرسية جديدة، بل يمكن أن تكون، إذا أحسن تصميمها وربطها ببقية المنظومة، نقطة البداية الحقيقية لخريطة رأس المال البشري الكويتي. الأرقام الحالية تستحق التوقف. فقد أعلنت وزارة التربية أن ألفاً وواحداً وسبعين 1071 طالباً وطالبة سيخضعون لاختبارات الكشف عن الموهبة خلال سبتمبر 2026، فيما تلقت الوزارة خمسمئة واثنين وأربعين 542 طلباً من الكوادر التعليمية والإدارية للعمل في هذه المدارس. والأهم أن الاختبارات لا تستهدف قياس التحصيل الدراسي التقليدي فقط، وإنما تركز على اكتشاف القدرات الكامنة والتفكير العقلي والإبداعي والتحليلي وحل المشكلات قبل استكمال التقييم بالمقابلات الشخصية. هذه فلسفة مختلفة تماماً، فنحن لا نسأل فقط من هو الطالب صاحب أعلى درجة، بل نسأل من هو الطالب الذي يمتلك القدرة على صناعة شيء جديد. وهنا تكمن قيمة المشروع.

الذكاء الاصطناعي ليس تخصصاً… بل مهارة عابرة للتخصصات
الأكثر أهمية أن مدارس الموهوبين لن تعتمد فقط على المناهج الرسمية، وإنما ستضيف إليها برامج إثرائية علمية وتطبيقية تهدف إلى توسيع معارف الطالب وتعميقها وربط المجالات المختلفة ببعضها بما ينمي مهاراته العلمية والتطبيقية والإبداعية. وهذا بالضبط ما تحتاج إليه منظومة الابتعاث. فإذا كان الطالب منذ المرحلة المتوسطة قد أظهر ميلاً استثنائياً إلى الذكاء الاصطناعي أو علوم البيانات أو الروبوتات أو الهندسة أو الطب أو الأمن السيبراني أو الطاقة أو التكنولوجيا المالية أو التكنولوجيا الصحية أو البحث العلمي، فلماذا ننتظر حتى الثانوية ثم نقول له «وجّهني»؟ الأفضل أن تكون الرسالة منذ البداية «اكتشفني» ثم «وجّهني» ثم «طوّرني» ثم «ابتعثني» ثم «طبّقني» وأخيراً «وظّفني». هذه في رأيي يمكن أن تكون السلسلة الوطنية الجديدة لإدارة المواهب الكويتية.
لهذا تأتي الشراكة الاستراتيجية مع مايكروسوفت لتأهيل الكوادر الوطنية بمهارات الذكاء الاصطناعي استعداداً لسوق العمل المستقبلي
وهنا تقع مسؤولية مهمة على الجهات الحكومية المعنية. فلا ينبغي أن تعمل وزارة التربية ووزارة التعليم العالي ومركز صباح الأحمد للموهبة والإبداع ومركز حمد عبدالعزيز الصقر للتقنية والابتكار والجامعات والقطاع الخاص كل جهة منها في مسار منفصل، بل يجب أن تتحول هذه الجهات إلى أجزاء من مسار وطني واحد. وهذه الفكرة ليست بعيدة عن الواقع؛ فقد وقّع مركز صباح الأحمد للموهبة والإبداع ومركز حمد عبدالعزيز الصقر للتقنية والابتكار في يونيو 2026 مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في العلوم والتكنولوجيا والابتكار وتنمية مهارات الشباب بما يشمل البرامج التدريبية والأنشطة العلمية والتقنية والمسابقات ودعم اكتشاف المواهب وصقلها. وهذه الشراكة يمكن أن تكون حجر أساس مهم في بناء المسار الذي تحتاج إليه الكويت. تخيلوا منظومة تبدأ منذ المرحلة المتوسطة: يُكتشف الطالب ثم تُحدد نقاط قوته واهتماماته ثم يحصل على برامج إثرائية ثم يدخل في مسابقات ومشاريع عملية ثم يحصل على إرشاد أكاديمي ومهني ثم عندما يصل إلى مرحلة الابتعاث لا يختار تخصصه من قائمة جامدة فقط وإنما بناءً على ملف قدراته وميوله واحتياجات الدولة ثم تتابعه وزارة التعليم العالي أثناء البعثة ثم يحصل على تدريب صيفي داخل الكويت أو مع شركات عالمية ثم يعود إلى الكويت ومعه ليس فقط شهادة جامعية بل شهادة ومهارة وتجربة ومشروع وشبكة مهنية ومسار وظيفي واضح. وهنا يمكن أن يصبح نظام الابتعاث أكثر ذكاءً بكثير.
القطاع الخاص يجب أن يدخل غرفة صناعة البعثات
وإذا كنا نريد أن تنتهي خطة البعثات إلى سوق العمل فلا يكفي أن نسأل الجهات الحكومية عن احتياجاتها. يجب أن يكون للقطاع الخاص مقعد واضح على الطاولة. فالشركات والبنوك وشركات التكنولوجيا والطاقة والطيران واللوجستيات والصناعة والصحة والاتصالات تعرف بدرجة كبيرة ما المهارات التي ستحتاج إليها خلال خمس أو عشر سنوات. ولذلك يمكن إنشاء مجلس وطني لمهارات المستقبل والابتعاث يضم وزارة التربية ووزارة التعليم العالي وديوان الخدمة المدنية والهيئة العامة للقوى العاملة والجامعات ومركز صباح الأحمد للموهبة والإبداع ومركز حمد عبدالعزيز الصقر للتقنية والابتكار والقطاع النفطي والشركات الكبرى والبنوك وشركات التكنولوجيا ومؤسسات الابتكار وريادة الأعمال، ويكون دوره ليس فقط تحديد التخصصات بل تحديد المهارات والوظائف التي ستحتاج إليها الكويت بعد خمس وعشر وخمس عشرة سنة.
فرصة الـ260 مليار دولار
تقرير Strategy& (شبكة PwC) يقدّر الفرصة الاقتصادية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في دول الخليج بنحو 260 مليار دولار بحلول 2030. لكنّ التقرير يحذر: دول الخليج تعتمد على مزودين دوليين للرقائق والحوسبة السحابية والنماذج المتطورة، ما يخلق «نقاط اختناق» يمكن أن تسرّب القيمة إلى خارج المنطقة. ويحدّد التقرير ثلاثة عوامل تمكين رئيسية: المواهب ورأس المال البشري، والأمن السيبراني، وسيادة البيانات. وهنا يلتقي التقرير بصميم قضية الابتعاث: فبلا كوادر وطنية قادرة على تكييف النماذج وتقييمها، يبقى جزءٌ كبيرٌ من هذه الفرصة مرهوناً بمزودين خارجيين. فإذا كانت الكويت تتحدث عن الاقتصاد المعرفي والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي فإن إدخال هذه المجالات في مرحلة الابتعاث وحدها لا يكفي. يجب أن يبدأ الطالب في المدرسة بالتعامل مع التكنولوجيا باعتباره صانعاً لا مستهلكاً. وهنا تحديداً يمكن لمراكز الموهبة والابتكار أن تلعب دوراً محورياً: مدارس الموهوبين تكتشف ومركز صباح الأحمد يرعى الموهبة والابتكار ومركز حمد الصقر يطوّر المهارات التقنية والتطبيقية ووزارة التعليم العالي تربطها بالتخصص والجامعة العالمية والقطاع الخاص يوفر التدريب والتطبيق ثم يعود الطالب إلى الكويت ليجد وظيفة أو مشروعاً أو فرصة ابتكار تنتظره. هذه هي المنظومة التي يمكن أن تصنع فرقاً حقيقياً.
نجاح المبتعث لا ينبغي أن يقاس عند لحظة استلام الشهادة بل بعد ذلك. لذلك أقترح أن تستحدث وزارة التعليم العالي مؤشر العائد على الابتعاث الذي يقيس نسبة الخريجين الذين حصلوا على وظيفة خلال ستة أشهر ونسبة من يعملون في تخصصاتهم ومتوسط الفترة من التخرج إلى أول وظيفة ونسبة العاملين في القطاعات ذات الأولوية الوطنية ونسبة من أسسوا مشاريع أو شركات ناشئة وعدد براءات الاختراع والابتكارات ومستوى الرواتب والإنتاجية بعد التخرج ومدى رضا أصحاب العمل عن مخرجات الابتعاث ونسبة المهارات المطلوبة التي اكتسبها المبتعث وتكلفة الطالب مقارنة بالعائد الاقتصادي والاجتماعي الذي حققه. عندها فقط نستطيع أن نجيب عن السؤال الصعب: هل كان الابتعاث استثماراً ناجحاً؟
«وجّهني» يمكن أن تصبح أكثر من حملة
حملة «وجّهني» تمثل خطوة مهمة لأنها وسعت مفهوم الإرشاد من مجرد اختيار الجامعة إلى التعريف بالتخصصات وشروط الابتعاث وإجراءاته وربط الخيارات الأكاديمية بالمسارات المهنية. لكن ربما حان الوقت للمرحلة التالية، أن تتحول «وجّهني» من حملة إرشادية إلى نظام ملاحة مهني وطني لا يسأل فقط ماذا أدرس بل ما الذي أجيده وماذا تحتاج الكويت وما التخصص الذي يجمع بين الاثنين وأين أفضل جامعة لهذا التخصص وما المهارات التي يجب أن أكتسبها وأين أتدرب ومن صاحب العمل المحتمل وما المسار الوظيفي المتوقع بعد التخرج. هنا يصبح الإرشاد استثماراً وليس مجرد خدمة.
رحلة الطالب: كما هي، وكما يجب أن تكون
الكويت لديها فرصة كبيرة الآن. فمن جهة هناك توجه واضح لربط البعثات باحتياجات سوق العمل، ومن جهة أخرى بدأت وزارة التربية مشروع مدارس الموهوبين، وهناك مراكز وطنية متخصصة في اكتشاف المواهب والابتكار والتقنية، وهناك جامعات وشركات وقطاع خاص يمكن أن يكون جزءاً من المنظومة. ما ينقصنا هو ربط هذه الحلقات ببعضها. فالطالب لا يجب أن ينتقل من الثانوية إلى البعثة إلى الجامعة إلى الشهادة ثم يبحث عن وظيفة، بل ينبغي أن يكون المسار اكتشافاً ثم إرشاداً ثم مهارات ثم ابتكاراً ثم ابتعاثاً ثم تدريباً ثم تخرجاً ثم وظيفة. وعندها فقط يمكن أن نقول إن الكويت لا ترسل أبناءها إلى الخارج للحصول على شهادة وإنما ترسلهم لاكتساب المعرفة التي تحتاج إليها الكويت.
مؤشر العائد على الابتعاث
إذا كانت الدولة تنظر إلى الابتعاث كاستثمار، فيجب أن تقيس العائد. ولماذا لا يصدر سنوياً تقرير بعنوان «العائد الوطني على الابتعاث» يتضمن:
* عدد المبتعثين وتكلفة الابتعاث
* عدد الخريجين ونسبة التوظيف
* مدة الحصول على أول وظيفة
* نسبة العمل في مجال التخصص وفي القطاع الخاص
* المهارات الأكثر طلباً
* متوسط التطور الوظيفي
* نسبة الخريجين العاملين في القطاعات الاستراتيجية
هنا فقط يمكننا معرفة: هل نجحنا في تحويل الإنفاق على التعليم إلى قيمة اقتصادية؟

لقد نجحت الكويت تاريخياً في الاستثمار في التعليم وكان الابتعاث الخارجي واحداً من أهم الأدوات التي ساهمت في بناء مؤسسات الدولة وكوادرها. لكن الاقتصاد يتغير والوظائف تتغير والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل والمنافسة العالمية لم تعد على النفط وحده بل على العقول والمهارات والابتكار. وإذا كانت الدولة تنظر إلى الابتعاث كاستثمار، فيجب أن تقيس العائد. ولماذا لا يصدر سنوياً تقرير بعنوان «العائد الوطني على الابتعاث». يتضمن ليس فقط عدد المبتعثين بل أن نعرف من نبتعث ولماذا نبتعثه وإلى أين ليدرس ماذا وبأي مهارات وأين سيطبقها وماذا ستكسب الكويت عندما يعود. الكويت لا تحتاج خريجين أكثر بل خريجين في المكان الصحيح. قد تكون أهم خطوة في تطوير منظومة الابتعاث هي أن نتوقف عن النظر إلى الطالب باعتباره مقعداً في جامعة. الطالب هو مشروع رأس مال بشري، وكل طالب موهوب يمكن أن يكون طبيباً استثنائياً أو مهندساً أو عالم بيانات أو مبتكراً أو رائد أعمال أو باحثاً أو قائداً في قطاع جديد لا نعرف حتى اسمه اليوم. ولهذا فإن مدارس الموهوبين ليست مشروعاً تربوياً منفصلاً ومراكز الموهبة والابتكار ليست مراكز تدريب منفصلة والبعثات ليست برنامجاً أكاديمياً منفصلاً والقطاع الخاص ليس مجرد جهة توظيف في نهاية الطريق. كل هذه الحلقات يجب أن تصبح منظومة واحدة.
خريطة وظائف الكويت 2035 وعندما تدخل «رؤية الكويت2035 » إلى قاعة الجامعة
لا يكفي أن نعرف احتياجات سوق العمل اليوم؛ فالطالب الذي يبدأ دراسته في 2026 سيعود في 2030 أو 2031. لذلك يجب أن يكون لدينا نموذج تنبؤي يجيب: ما الوظائف التي ستنمو؟ وما التي ستتراجع؟ ما المهارات التي ستختفي؟ وما التي ستظهر؟
ما القطاعات التي ستحتاج إلى كفاءات وطنية؟ ثم تُبنى خطة البعثات على هذه الخريطة. عندما تتحدث الدولة عن تنويع الاقتصاد وتعزيز موقع الكويت كمركزٍ مالي وتجاري ولوجستي، فإنّ هذه الرؤية لا تتحقق بالمشروعات وحدها؛ المشروعات تحتاج إلى بشر. ويصبح الابتعاث حينها جزءاً من خطة التنمية نفسها.

ميناء مبارك… مثال حي
مشروع ميناء مبارك الكبير يستهدف تعزيز الدور اللوجستي للكويت واستحداث فرص عمل نوعية. لكنّ أين خطة الابتعاث التي تنظر إلى احتياجات هذا المشروع بعد خمس أو عشر سنوات؟ كم مهندساً؟ كم متخصصاً في إدارة الموانئ؟ كم خبيراً في سلاسل الإمداد؟ وكم مديراً كويتياً قادراً على إدارة شبكةٍ لوجستية إقليمية؟ هنا يصبح الابتعاث أداةً مباشرةً لتنفيذ المشروع الوطني.
منصة المبتعث: من بوابة إلكترونية إلى «ملف مهني رقمي»
توجّهت الوزارة إلى إنشاء منصة متكاملة للمبتعثين وتوحيد قنوات التواصل، بما في ذلك البريد الإلكتروني الموحد بالتعاون مع «مايكروسوفت». لكنّ الطموح يجب ألا يتوقف عند المعاملة الإلكترونية. لماذا لا تصبح للطالب هوية تعليمية ومهنية رقمية تبدأ يوم قبوله وترافقه حتى دخوله سوق العمل، تحتوي على درجاته، ومهاراته، وشهاداته، وتدريبه، ومشاريعه، واللغات التي يتقنها، والشهادات المهنية، والوظائف التي تتوافق مع ملفه؟ وعند التخرج، يستطيع القطاع الخاص — وفق الأطر القانونية والخصوصية المناسبة — الوصول إلى المواهب التي يحتاجها. هنا تتحول المنصة إلى جسر بين التعليم وسوق العمل.
ثانوية ← إرشاد ← تخصص ← جامعة ← تدريب ← مهارات ← تخرج ← وظيفة
ربما تكون أفضل صيغة يمكن أن نضعها أمام صانع القرار والطالب وولي الأمر معاً هي: اكتشفني اكتشف موهبتي وقدراتي، وجّهني ساعدني في اختيار المجال الذي يناسبني ويناسب احتياجات بلدي، طوّرني امنحني المهارات والخبرة العملية، ابتعثني أرسلني إلى أفضل مكان في العالم لأتعلم ما تحتاج إليه الكويت، طبّقني اربطني بمشروع أو شركة أو مختبر أو مؤسسة قبل أن أتخرج، وظّفني افتح لي الطريق إلى سوق العمل أو ساعدني على خلق وظيفة جديدة لغيري. عندها فقط تصبح البعثة أكثر من شهادة وتصبح استثماراً وطنياً قابلاً للقياس. فإذا كانت الكويت قد تنفق عشرات الآلاف من الدنانير على تعليم الطالب الواحد فالسؤال ليس كم أنفقنا بل ماذا صنعنا بهذا الاستثمار. والإجابة التي نطمح إليها يجب ألا تكون عاد إلينا بشهادة بل عاد إلينا بقيمة. فالهدف الحقيقي من البعثة ليس أن يعود الطالب إلى الكويت حاملاً شهادة، بل أن يعود حاملاً قيمة — لنفسه، ولأسرته، ولسوق العمل، ولاقتصاد بلده. وهنا فقط يمكن أن نقول إنّ رحلة الابتعاث بدأت فعلاً من سوق العمل… وانتهت إليه.




