مقالات

انهيار بنك سيليكون فالي: دروس استراتيجية في إدارة المخاطر والرقابة المصرفية

 

بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري

 Elshebshiry@outlook.com

 

في صباح يوم الجمعة، 10 مارس 2023، انهار بنك سيليكون فالي (SVB) بشكل دراماتيكي، ليصبح ثاني أكبر انهيار مصرفي في تاريخ الولايات المتحدة بعد واشنطن ميوتشوال في 2008. هذا الانهيار المفاجئ كان نتيجة تداخل عدة عوامل مالية وتنظيمية، مما جعله نموذجًا حياً يسلط الضوء على المخاطر التي يمكن أن تواجهها البنوك في بيئات مالية غير مستقرة.

خلال أقل من 48 ساعة، شهد البنك سحبًا جماعيًا غير مسبوق، حيث سحب المودعون 42 مليار دولار في يوم واحد فقط، وهو ما يعادل ربع إجمالي ودائع البنك البالغة 175 مليار دولار. أعلن البنك الإفلاس سريعًا بعد فشله في تلبية الطلبات المتزايدة للسحب. وعلى الرغم من تدخل الجهات التنظيمية عبر مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية (FDIC) لضمان الودائع المؤمنة، فإن 94% من ودائع البنك كانت غير مؤمنة، مما زاد من تفاقم الذعر في القطاع المصرفي.

هذا الانهيار السريع كشف عن ضعف النظام الرقابي على البنك وسوء إدارته للمخاطر المالية، خاصة مخاطر السيولة والفائدة، مما أثار تساؤلات حول أسباب هذا الإخفاق والدروس المستفادة. في هذا المقال، نسلط الضوء على الإخفاقات المرتبطة بالرقابة المصرفية ودورها في الانهيار، مع إضافة بنود جديدة من الدراسة توضح المزيد من العوامل التي ساهمت في إخفاق البنك، بجانب استعراض ما قامت به السلطات التنظيمية لإعادة الهيكلة.

أولاً: الإخفاقات المرتبطة ببنك سيليكون فالي

1- الإعفاء من معايير السيولة الصارمة لبازل 3

في عام 2019، تم إعفاء البنوك التي تقل أصولها عن 250 مليار دولار، مثل بنك سيليكون فالي، من الالتزام الكامل بمعايير السيولة الصادرة عن اتفاقية بازل 3، مثل:

* نسبة تغطية السيولة (LCR): التي تتطلب الاحتفاظ بأصول سائلة عالية الجودة لتغطية التدفقات النقدية المتوقعة خلال 30 يومًا.

* نسبة صافي التمويل المستقر (NSFR): التي تهدف إلى ضمان التوافق بين الموارد طويلة الأجل والاستخدامات.

هذا الإعفاء أدى إلى فجوة كبيرة بين التزامات البنك قصيرة الأجل وموارده طويلة الأجل. وعلى الرغم من أن بنك سيليكون فالي كان يمتلك أصولًا كبيرة، إلا أن غياب الاحتياطات السائلة اللازمة جعله غير قادر على الوفاء بمطالب السحب المفاجئ من قبل عملائه.

2- الاعتماد المفرط على قطاع تكنولوجيا المعلومات

كانت محفظة البنك مركزة بشكل مفرط على قطاع التكنولوجيا، حيث وجه حوالي 50% من قروضه إلى شركات رأس المال الاستثماري والشركات الناشئة، مما جعله عرضة لصدمات في هذا القطاع المتقلب. ونتيجة لذلك، مع تراجع الشركات التقنية التي تضررت من تزايد معدلات الفائدة والتباطؤ الاقتصادي، كان من الصعب على البنك تنويع مصادر دخلهم وضمان استقرار تدفقات السيولة.

3- غياب التنوع الجغرافي والقطاعي

إلى جانب اعتماده المفرط على قطاع التكنولوجيا، كان البنك يتركز بشكل كبير في منطقة سيليكون فالي. هذا التركيز الجغرافي جعله عرضة لمخاطر أي تراجع في القطاع أو المنطقة. هذا التركيز المفرط في منطقة معينة زاد من تعرضه للصدمات الاقتصادية الناتجة عن الأزمات التي قد تؤثر بشكل غير متناسب على قطاع تكنولوجيا المعلومات في هذه المنطقة.

4- تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع الذعر المصرفي

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في تسريع السحب الجماعي للودائع، حيث نشر العملاء معلومات حول وضع البنك المالي بسرعة غير مسبوقة. هذا التفاعل السريع أدى إلى تفاقم السحب الجماعي، مما عجز البنك عن مواجهته في الوقت المناسب. كانت وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة منصة سريعة لنقل الذعر، مما جعل العملاء يسرعون في سحب أموالهم خوفًا من المزيد من الخسائر.

5- ضعف استراتيجيات التحوط لمخاطر الفائدة

على الرغم من امتلاك البنك محفظة سندات كبيرة، لم يقم بتحوط فعال لمخاطر تغير أسعار الفائدة. عندما رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بشكل سريع في 2022، انخفضت القيمة السوقية لهذه السندات بشكل كبير، مما تسبب في خسائر غير محققة بلغت 17 مليار دولار بنهاية العام. إضافة إلى ذلك، كان البنك غير مستعد للتعامل مع هذا التحول في سياسة الفائدة الذي أثر بشكل كبير على قيمة أصوله.

6- الاعتماد على ولاء العملاء بدلاً من تحسين العوائد على الودائع

اعتمد البنك على خدمات مميزة، مثل الخصومات والإعفاءات من الرسوم، لجذب العملاء بدلاً من رفع أسعار الفائدة على الودائع لتتماشى مع السوق. هذا جعل البنك أقل قدرة على التنافس في الحفاظ على قاعدة عملائه. وبينما كانت البنوك الأخرى ترفع معدلات الفائدة على الودائع في ظل بيئة الفائدة المرتفعة، ظل بنك سيليكون فالي ملتزمًا بسياسة أسعار فائدة منخفضة على الودائع، مما جعله عرضة لفقدان عملائه.

7- ضعف الرقابة الداخلية والإدارة العليا

أظهرت الدراسة أن الإدارة العليا للبنك كانت بطيئة في اتخاذ قرارات تصحيحية عند ظهور إشارات مبكرة للأزمة. كذلك، كانت هناك فجوات في الرقابة الداخلية، مما ساهم في تأخر الاستجابة الفعالة للأزمات. على الرغم من أن هناك إشارات واضحة حول المخاطر المحتملة، لم تتخذ الإدارة الإجراءات اللازمة لتقليل حجم المخاطر التي كان من الممكن أن تؤدي إلى انهيار البنك.

8- عدم التكيف مع بيئة اقتصادية متغيرة

كانت استراتيجيات البنك تعتمد بشكل كبير على بيئة منخفضة الفائدة، لكن ارتفاع أسعار الفائدة المفاجئ في 2022 كشف عن ضعف قدرة البنك على التكيف مع التغيرات الاقتصادية. حيث تسببت هذه التغيرات في اضطراب غير مسبوق في الأسواق، مما جعل البنك غير قادر على الحفاظ على استقرار محفظته.

 

ثانيًا: دور السلطات التنظيمية في إعادة الهيكلة

بعد انهيار بنك سيليكون فالي، اتخذت السلطات التنظيمية خطوات حاسمة لتجنب تفاقم الأزمة وضمان استقرار النظام المالي، أبرزها:

1- وضع البنك تحت إدارة مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية (FDIC)

في يوم الجمعة، 10 مارس 2023، قامت مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية بوضع البنك تحت إدارتها، وهي المرة الأولى التي تتخذ فيها المؤسسة هذا الإجراء داخل يوم العمل بسبب خطورة الموقف.

* أعلنت المؤسسة أنها ستضمن حصول المودعين المؤمَّنة ودائعهم على أموالهم بالكامل بحلول يوم الاثنين، 13 مارس 2023.

* كما وعدت المؤسسة المودعين غير المؤمَّنة ودائعهم بدفع “أرباح مسبقة” لتخفيف الضرر الناجم عن الانهيار، مع منحهم شهادات بالودائع المتبقية لضمان استردادها عند بيع أصول البنك.

2- تطبيق “استثناء المخاطر النظامية”

في 12 مارس 2023، وافقت وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي ومؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية على تطبيق “استثناء المخاطر النظامية”، وهو إجراء استثنائي يهدف إلى حماية النظام المالي بالكامل.

* بموجب هذا الإجراء، تعهدت السلطات بضمان كافة الودائع، بما في ذلك غير المؤمَّنة، لكل من بنك سيليكون فالي وبنك سيغنتشر الذي انهار هو الآخر خلال نفس الفترة.

3- إنشاء برنامج تمويل طارئ

في نفس اليوم، أعلن الاحتياطي الفيدرالي عن برنامج تمويل طارئ يسمى “برنامج التمويل البنكي للأجل” (Bank Term Funding Program)، الذي يسمح للبنوك المتضررة بالاقتراض مقابل السندات الحكومية المحتفظ بها كضمان بقيمتها الاسمية بدلاً من قيمتها السوقية المنخفضة.

* لو كان هذا البرنامج متاحًا قبل يوم 9 مارس، لكان بنك سيليكون فالي قادرًا على مواجهة عمليات السحب الجماعي بشكل أفضل، حيث كان يمتلك سندات طويلة الأجل تأثرت بقيمتها السوقية بسبب ارتفاع أسعار الفائدة.

4- بيع الأصول وإعادة تنظيم العمليات

بحلول مايو 2023، قامت مؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية ببيع أصول بنك سيليكون فالي إلى بنك First Citizens، الذي استحوذ على ودائع بقيمة 56 مليار دولار وأصول بقيمة 72 مليار دولار بخصم قدره 16.5 مليار دولار.

* هذا الإجراء سمح بإعادة بعض الأموال إلى المودعين غير المؤمَّنة ودائعهم وتقليل الخسائر العامة على النظام المالي.

 

ثالثًا: الدروس المستفادة في مجال الرقابة المصرفية

 

1- تعزيز معايير السيولة والرقابة التنظيمية

ضرورة إعادة تطبيق معايير مثل نسبة تغطية السيولة (LCR) ونسبة صافي التمويل المستقر (NSFR) على جميع البنوك، بما فيها تلك التي تتمتع بأصول أقل من 250 مليار دولار. إن إعفاء البنوك مثل بنك سيليكون فالي من هذه المعايير كان أحد الأسباب الأساسية لانكشاف البنك على مخاطر السيولة. تطبيق هذه المعايير بشكل صارم كان من الممكن أن يخفف من حدة الأزمة التي مر بها البنك ويعزز قدرته على الاستجابة للأزمات المالية بشكل أفضل.

2- تنويع المحفظة الائتمانية والجغرافية

يجب على البنوك ضمان تنويع محفظتها الائتمانية والجغرافية لتجنب الاعتماد المفرط على قطاع أو منطقة واحدة. في حالة بنك سيليكون فالي، كان التركيز الكبير على قطاع التكنولوجيا وشركات رأس المال الاستثماري في منطقة سيليكون فالي يشكل مخاطرة عالية. التنويع يمكن أن يساعد في تقليل المخاطر الناتجة عن تقلبات القطاع أو التباطؤ الاقتصادي في منطقة جغرافية محددة.

3- تضمين مخاطر أسعار الفائدة في اختبارات الضغط

من الضروري أن تتضمن اختبارات الضغط التي تجريها البنوك لتقييم قدرتها على تحمل الأزمات المالية، مخاطر أسعار الفائدة بشكل أكثر تحديدًا. هذه المخاطر يجب أن تؤخذ في الحسبان بشكل دقيق أثناء تصميم اختبارات الضغط لتحديد مدى تأثير التقلبات في أسعار الفائدة على المحفظة البنكية. بالنظر إلى حجم المحفظة السندية لبنك سيليكون فالي، فإن عدم التحوط من مخاطر أسعار الفائدة كان قرارًا غير حكيم، وتسبب في خسائر ضخمة نتيجة لتغيير مفاجئ في السياسة النقدية.

4- تحسين استراتيجيات التحوط وإدارة الأصول والخصوم

تحتاج البنوك إلى تعزيز استراتيجياتها في مجال التحوط ضد المخاطر المالية، خصوصًا مخاطر الفائدة والسيولة. يجب أن تتبنى البنوك سياسات أكثر تطورًا فيما يخص التوازن بين الأصول والخصوم لتجنب الانكشاف أمام تقلبات السوق. توفير حماية من تقلبات أسعار الفائدة يساعد في الحفاظ على قيمة الأصول البنكية، وبالتالي حماية البنوك من خسائر غير محققة عندما تشهد السوق تحولات كبيرة.

5- تعزيز استراتيجيات الاستجابة السريعة للأزمات

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي وعمليات السحب الجماعي السريعة، يجب على البنوك أن تكون مستعدة للتفاعل الفوري مع أي أزمة قد تنشأ. الاستجابة السريعة يمكن أن تقلل من تأثير الأزمات على سمعة البنك واستقراره المالي. يجب على البنوك تطوير خطط للطوارئ والإجراءات التي يمكن اتخاذها في حالة حدوث اضطرابات مفاجئة في السوق.

 

الخاتمة

كان انهيار بنك سيليكون فالي لحظة فارقة أظهرت نقاط الضعف في النظام المصرفي الأمريكي، خاصة في ظل بيئة نقدية متقلبة. أكدت الأزمة على ضرورة تحسين الرقابة المصرفية والالتزام بمعايير السيولة، وكذلك أهمية التنويع القطاعي والجغرافي في استراتيجيات البنوك. بالإضافة إلى ذلك، فإن عدم التحوط من المخاطر الفائدة والاعتماد على ولاء العملاء كان من العوامل التي ساهمت في تسريع الانهيار.

أظهرت التدابير التي اتخذتها السلطات التنظيمية أهمية الاستجابة السريعة لضمان استقرار النظام المالي وحماية المودعين. وتقدم هذه الأزمة دروسًا هامة للبنوك والهيئات التنظيمية حول كيفية التعامل مع الأزمات المالية وتطوير سياسات وإجراءات أكثر فاعلية للتصدي لها في المستقبل. إن تعزيز استراتيجيات التحوط، تحسين إدارة الأصول والخصوم، وتفعيل استراتيجيات الاستجابة السريعة للأزمات تعد خطوات أساسية نحو تعزيز استقرار النظام المصرفي وتجنب تكرار مثل هذه الأزمات في المستقبل.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى