مقالات

لعبة العروش الجديدة: حلف الناتو يراقب قاع البحر.. والصين ترسم المستقبل

 

بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com

  • لا ترسم القوى العظمى خرائطها اليوم على الورق، بل على سطح القمر وفي قاع المحيط.

  • مشهد عابر في فيلم رسوم متحركة للأطفال يكشف أعظم صراع جيوسياسي في العصر الحالي

  • التراب والأحجار والمياه ليست مجرد مادة، بل هي هوية وسيادة ومستقبل.

  • عدة سفن بحثية تجوب المحيطات في شبكات منظمة تغطي مناطق ذات أهمية استراتيجية عالية.

  • من يسيطر على هذه المعادن، يسيطر على القرن الحادي والعشرين.

  • أمريكا تريد المعادن في المحيط لتأمين سلاسل التوريد الخاصة بها وكسر الهيمنة الصينية على المعادن.

  • خريطة العالم القادم تُرسم على طاولات مؤتمرات دولية، على يد أشخاص لا يدركون الفارق بين ميكروب عتيق وحبة بطاطس معدنية.

  • السؤال الأخلاقي: هل يحق لنا تدمير نظام بيئي متكامل عمره أقدم من البشرية نفسها مقابل هواتف أذكى قليلاً؟

  • الكتل السوداء ليست سوى رواسب معدنية تكونت على مدى ملايين السنين وتحتوي على كنوز لا تقدر بثمن.

  • القمر تخضع سيادته لمعاهدات دولية تُحرّم التملك الفردي، بينما يظل قاع المحيطات ساحةً مفتوحةً، وحدودًا سائبةً في لعبة استعمارية جديدة.

  • في إبريل 2026 ذهبت أمريكا إلى القمر بحثاً عن المعادن، بينما كانت تغوص الصين إلى أعماق المحيطات لنفس الهدف.

  • المنجنيز والنيكل والنحاس… معادن أرضية النادرة تعتبرالدماغ والقلب لكل تقنيات المستقبل.

 

التنين في الأعماق والنسرعلى القمر: من يملك معادن المستقبل؟

 البداية من فيلم كارتون

لم يكن أحد ليتخيل أن مشهداً عابراً في فيلم رسوم متحركة للأطفال سيكشف عن أعظم صراع جيوسياسي في عصرنا. في عام 2019، أطلقت استوديوهات “دريم ووركس” DreamWorks فيلم Abominable (المُخيف)، الذي يحكي قصة أطفال ينقذون مخلوق yeti “اليتي” الأسطوري. في خلفية أحد المشاهد، ظهرت خريطة آسيا مرسوماً عليها “خطوط التسعة” – تلك العلامات التي تضع بها الصين مطالبتها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي.  النتيجة؟ حظر الفيلم في فيتنام وماليزيا والفلبين. لم تكن الخريطة ضرورية للحبكة، لكنها كافية لتعيد إلى الأذهان حقيقة مؤلمة: التراب والأحجار والمياه ليست مجرد مادة، بل هي هوية وسيادة ومستقبل. وما حدث مع فيلم كارتون هو مجرد غيض من فيض. فاليوم، ترسم القوى العظمى خرائطها ليس على الورق، بل على سطح القمر وفي قاع المحيط.

عندما ينظر التنين إلى الأسفل

في أبريل الماضي، كانت أنظار العالم مشدودة إلى مهمة “أرتيميس” الأمريكية التي أعادت البشر إلى سطح القمر بعد نصف قرن. صور البث المباشر، رواد الفضاء وبدلاتهم البيضاء، العلم الأمريكي يرفرف في مشهد هوليوودي بامتياز. لكن بعيداً عن الأضواء، كانت الصين منهمكة في مهمة مختلفة تماماً، لكنها لا تقل أهمية: غزو قاع المحيط.

عدة سفن بحثية متقدمة ومزودة بأحدث التكنولوجيا الصينية مثل أجهزة سونار متطورة وهيدروفونات (ميكروفونات تحت الماء) حساسة، تجوب المحيط الهادئ والمحيط الهندي والمحيط المتجمد الشمالي. على الورق، هذه بعثات علمية لرسم خرائط قاع البحر. لكن خبراء غربيين رصدوا شيئاً مريباً: هذه السفن لا تتحرك بشكل عشوائي، بل في شبكات منظمة تغطي مناطق ذات أهمية استراتيجية عالية. تخيل للحظة غواصة صينية تتحرك في ظلام المحيط، على عمق آلاف الأمتار، حيث لا موجات رادار تخترق الماء ولا أقمار صناعية ترى ما تحت الأمواج. الخريطة الوحيدة التي تعتمد عليها هي تلك التي رسمتها بنفسها سراً. هذا هو الفارق بين من يملك المعلومات ومن لا يملكها.

 حجر بحجم حبة البطاطس يقلب الموازين

ما الذي تبحث عنه الصين وأمريكا بهذا الجنون هناك وفي الأعالي؟  الإجابة تكمن في صخرة متواضعة بحجم حبة البطاطس، تسمى علمياً “العقيدات متعددة الفلزات” (Polymetallic nodules). هذه الكتل السوداء ليست سوى رواسب معدنية تكونت على مدى ملايين السنين بمعدل ميليمتر واحد كل مليون سنة. لكنها تحتوي على كنوز لا تقدر بثمن: المنجنيز والنيكل والنحاس، والأهم من ذلك كله، المعادن الأرضية النادرة.  هذه المعادن هي الدماغ والقلب لكل تقنيات المستقبل: الهواتف الذكية، بطاريات السيارات الكهربائية، أنظمة التوجيه الصاروخي، أشعة الليزر، وحتى أجهزة الرنين المغناطيسي في المستشفيات. من يسيطر على هذه المعادن، يسيطر على القرن الحادي والعشرين.  أمريكا تريد هذه المعادن لتأمين سلاسل التوريد الخاصة بها وكسر الهيمنة الصينية (التي تسيطر حالياً على 80% من تكرير المعادن الأرضية النادرة عالمياً). والصين تريدها لتأكيد سيطرتها والانتقال من “مصنع العالم” إلى “مُموّن العالم” بلا منافس.

مفارقة القمر والأعماق

وهنا تكمن المفارقة الأعمق. تذهب أمريكا إلى القمر – ذلك الجرم البعيد الذي لا هواء فيه ولا ماء ولا حياة – بحثاً عن المعادن. بينما تغوص الصين إلى أعماق محيطاتها – تلك الأعماق التي لا نعرف عنها شيئاً تقريباً – لنفس الهدف.  لكن المفارقة العجيبة، أننا نعرف عن سطح القمر أكثر مما نعرف عن قاع محيطات كوكبنا. فحتى الآن، تم استكشاف أقل من 0.001% من قيعان البحار. وفي تلك الظلمات، اكتشف العلماء عالماً مذهلاً لا يصدقه العقل.

ما هي قصة ذلك الميكروب

عمق 5 كيلومترات تحت سطح المحيط، حيث لا ضوء ولا أكسجين وضغط هائل يسحق كل شيء، تعيش كائنات مجهرية لا تتكاثر لعشرات بل مئات الآلاف من السنين. نعم، أنت تقرأ صحيحاً. خلية واحدة تعيش 100 ألف عام! تتنفس الحديد والكبريت وثاني أكسيد الكربون، وتستمد طاقتها من كميات أقل بعشرة آلاف مرة مما نعتقده ضرورياً لأي شكل من أشكال الحياة.  هذه الكائنات هي “الإنتراستريال” – سكان باطن الأرض. إنها تذوب الحدود بين الحي والجماد، بين الصخرة والخلية. وهي تخبرنا بصمت: أنتم تريدون استخراج تلك العقيدات المعدنية التي تستغرق ملايين السنين لتتشكل، لكن السؤال الأخلاقي: هل يحق لنا تدمير نظام بيئي متكامل عمره أقدم من البشرية نفسها مقابل هواتف أذكى قليلاً؟

من يفرض القانون؟

هنا تتداخل القصص. “سلطة قاع البحر” الدولية (ISA) ISA Council تحاول منذ عقد وضع إطار قانوني للتعدين في المياه الدولية. لكن أمريكا – التي لم تصادق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار – تتجه إلى التعدين بشكل منفرد. وفي عهد ترامب، تم التوقيع على أمر تنفيذي لتسريع منح تراخيص التعدين في أعماق المحيطات على مساحة تصل إلى 105 ملايين فدان.  الصين، من جهتها، تتبع استراتيجية مختلفة: إنها ترسم الخرائط أولاً، وتجمع البيانات، وتُجري الأبحاث، ثم ستأتي لاحقاً بمطالبها “العلمية” و”الحقوق التاريخية”. إنها تعيد سيناريو بحر الصين الجنوبي نفسه، لكن تحت الماء هذه المرة. 40 دولة تطالب الآن بتعليق التعدين في الأعماق خوفاً من كارثة بيئية. العلماء يحذرون أن التعدين في القاع قد يسبب ضرراً أكبر بـ 25 مرة من التعدين البري، وأن أعمدة الرواسب الناتجة عن “جرارات” بحجم منزل قد تقتل العوالق الحيوانية وتنهار السلسلة الغذائية بأكملها.  ونظراً لأهمية التعدين في قاع البحر، حيث توجد بعض المعادن اللازمة لبناء مصادر طاقة نظيفة وموثوقة، فإننا لسنا متأكدين من التأثير المباشر الذي قد يحدثه هذا التعدين على النظام البيئي للمحيطات والحياة البحرية. لذلك، من الأفضل السماح لعلماء الأحياء البحرية، وعلماء البيئة البحرية، وغيرهم من خبراء التعدين تحت الماء بتقييم التأثير والعواقب السلبية التي قد تترتب على الحياة البحرية، وتأثيراتها على الشبكة الغذائية والسلسلة الغذائية، وكيف ستتأثر حياة البشر، بما في ذلك النظام البيئي البحري.  وانطلاقاً من ذلك، أعتقد أن الدول مثل الصين والولايات المتحدة، أو أي دولة ترغب في القيام بالتعدين في قاع البحر، يمكنها إجراء دراسات الجدوى ونمذجة بعض هذه العواقب، وإطلاع من يعيشون في وما حول القارات والبلدان المطلة على المحيطات على الجوانب السيئة والجيدة قبل أن يتم أي عمليات تعدين ذات معنى.

خاتمة: من يملك المستقبل وهل هو حلم القمر أم جشع الأرض؟

إن ما يربط مهمة «أرتميس» القمرية بالبعثات الصينية إلى قيعان المحيطات يتجاوز التكنولوجيا ليلامس فلسفة موحدة؛ نظرة تختزل الفضاء والبحار إلى مناجم موارد، مُهمشةً قيمتها كمساحات للدهشة الوجودية والاستكشاف الروحي.  غير أن الفارق الجوهري يكمن في الإطار القانوني؛ فالقمر تخضع سيادته لمعاهدات دولية تُحرّم التملك الفردي، بينما يظل قاع المحيطات ساحةً مفتوحةً، وحدودًا سائبةً في لعبة استعمارية جديدة.  قبل أن نندفع لغزو القمر أو نهب أعماق المحيطات، جدير بنا أن نقف إجلالاً أمام حكمة الله عز وجل في خلق كائن دقيق عاش مئة ألف عام في ظلام دامس، ينتظر بصبر أن تنقضي حمى الجشع البشري. أو أن نسأل أنفسنا سؤالاً عميقاً: أي إرث نريد أن نخلفه؟ أحلاماً منقوشة على صخر القمر، أم جروحاً غائرة في وجدان محيطاتنا؟  وتتمثل المفارقة المروعة في إنفاقنا مليارات الدولارات شطر القمر بحثاً عن معادن نادرة، بينما ترقد تحت أقدامنا كنوز أرضية لا تقدر بثمن، غير أننا نفتقر إلى الحكمة لاستخراجها دون أن نوقع بأنفسنا في الهاوية. لعل القصة الحقيقية لا تتعلق بسباق الوصول إلى القمر، ولا بدقة خرائط المحيطات، بل بالسؤال الجوهري: بعد كل الحروب التي خضناها، وكل الأنهار التي لوّثناها، هل نضجنا بما يكفي لنلمس ثروات الكون دون أن نحطمها؟ أم أن جشعنا أقدم من حضارتنا، وسنزرع في القمر والمحيطات ما حصدناه في أرضنا: خرابًا يرتدي ثوب التقدم؟ لقد حُظر فيلم “أبومينابل” بسبب خريطة، لكن الخريطة الحقيقية التي ستتشكل عليها ملامح العالم القادم تُرسم اليوم في مختبرات معزولة، وغرف قيادة للغواصات لا نراها، وعلى طاولات مؤتمرات أممية دولية، حيث يجلس أشخاص قد لا يدركون الفارق بين ميكروب عتيق وحبة بطاطس معدنية.  إن المغزى لا يكمن في من يربح سباق القمر أو الأعماق، بل في نوع العالم الذي نرتضي العيش فيه: هل نسير في درب الاستغلال الجشع لكل ما هو مجهول، أم في درب التواضع والتأمل أمام أسرار الكون؟ لعلّنا نحتاج للعودة إلى البساطة، وإدراك أن أعظم الاكتشافات لا تكون دائماً في السماء، بل في الأعماق، وفي داخلنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى