مقالات

من الأقدمية إلى الجدارة: تحقيق العدالة بين الموظفين وتمييز المجدّين والمتفانين

 

بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com

  • النجاح يتطلب معايير واضحة، وقياساً موحداً وإدارة لا تستثني أحداً من المساءلة.

  • تقييم الموظف لا يكون بعدد السنوات التي يقضيها خلف المكتب، بل بقدرته على تحويل الوقت إلى نتائج

  • لا يمكن لأي نظام تقييم أن ينجح إذا كان غامضاً أو انتقائياً أو خاضعاً للمزاج.

  • الجدارة امتداداً ناضجاً للخبرة، لا خصماً لها.

  • تعزيز ثقافة الجدارة يسهم في جذب الكفاءات الوطنية والاحتفاظ بها.

  • التحول من الأقدمية إلى الجدارة لا يقتصر على البعد الإداري؛ إنه في جوهره مسألة إنتاجية.

  • أي نظام تقييم جديد لا بد أن يُفهم باعتباره أداة تنفيذ لا إجراءً شكلياً.

  • الموظف الكفء لا يبحث فقط عن الراتب، بل عن بيئة تعرف قيمة ما يقدمه.

  • ضعف إنتاجية القطاع العام تمتد إلى كلفة الدولة، وجودة المخرجات، وثقة الناس في قدرة الجهاز الحكومي على الإنجاز.

 

تقييم ربع سنوي للمديرين العامين.. والبداية بـ«الشؤون»

في القطاع العام في الكويت، لم يعد النقاش حول تقييم الأداء الوظيفي مجرد شأنٍ داخلي يخص إدارة الموارد البشرية، بل صار عنواناً لتحول أوسع يمسّ بنية الدولة نفسها، وطريقة عملها، وكلفة بطئها، وقدرتها على التكيف مع رؤية الكويت 2035. فالتوجه نحو نظام تقييم أكثر انتظاماً، بما في ذلك التقييم الربع سنوي لبعض القيادات والموظفين، يكشف عن محاولة واضحة لإعادة تعريف معنى الكفاءة داخل الجهاز الحكومي، وربط الترقية والمساءلة بالنتائج لا بعدد سنوات الخدمة وحده.  وفي السياق، عقد وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية، د. خالد العجمي في شهر مايو الماضي، سلسلة اجتماعات مع المديرين العامين في الوزارة، لمراجعة مستوى الإنجاز في القطاعات والإدارات التابعة لهم، والوقوف على أبرز الإيجابيات والسلبيات، بما يضمن تعزيز كفاءة العمل وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.  حيث أكد أن الاجتماعات الدورية مع المديرين العامين ستتناول بحث السلبيات والإيجابيات، ورسم الخطط اللازمة لتطوير الأداء، إلى جانب متابعة تنفيذ المبادرات والإجراءات المرتبطة بكل قطاع، بما يضمن أن تكون وظيفة المدير العام مرتبطة بالإنجاز والقدرة على تحسين بيئة العمل كما تناول الاجتماع آليات تطوير الأداء الوظيفي ورفع كفاءة الموارد البشرية، من خلال التدريب المستمر والاستثمار الأمثل في الطاقات الوطنية، إلى جانب متابعة مؤشرات قياس الأداء وتقييم نتائجها بشكل دوري، بما يضمن تحقيق الأهداف الاستراتيجية للوزارة وفق الجداول الزمنية المحددة  . فالقطاع الحكومي الحديث لا يكافئ البطء، ولا ينتظر من لا يتطور، ولا يرحم الهياكل التي تُبقي المناصب رهينة العادة. ولهذا فإن تقييم الأداء الدوري، والربط بين النتائج والترقية، ومحاسبة الإدارة الوسطى قبل الموظفين، كلها أدوات ضرورية إذا أريد للمؤسسات أن تتحول من إدارات تقليدية إلى كيانات فاعلة قادرة على المنافسة.  في هذا الإطار، تصبح ثقافة الجدارة أكثر من نظام موارد بشرية؛ تصبح ثقافة دولة ومجتمع.

 

الأقدمية ليست إنتاجية

على مدى سنوات طويلة، حافظت الأقدمية على موقع شبه مقدس في كثير من المؤسسات العامة. فالترقية كانت في أحيان كثيرة تُفهم بوصفها استحقاقاً زمنياً يتراكم مع الخدمة، لا نتيجة مباشرة للأداء والنتائج. وقد بدا هذا المنطق مستقراً ومريحاً للمؤسسة والموظف على السواء، لكنه يخفي كلفة اقتصادية حقيقية حين يتحول الزمن إلى بديل عن القيمة، والحضور الطويل إلى بديل عن الإنجاز.

في بيئة من هذا النوع، لا يعود السؤال: من أنجز أكثر؟ بل: من بقي أطول؟ ومع مرور الوقت، تبدأ المؤسسة في دفع ثمن صامت لكنه متراكم: بطء القرار، ضعف الحافز لدى المتميزين، انخفاض الشعور بالمساءلة، وتراكم وظائف لا تعكس بالضرورة مستوى الكفاءة الحقيقي. وهنا تصبح الأقدمية عاملاً يضمن الاستقرار الشكلي، لكنه لا يضمن الإنتاجية.  إن التحول من الأقدمية إلى الجدارة ليس حرباً على كبار السن أو أصحاب الخبرة، بل هو إنصاف للخبرة حين تقترن بالفعل لا بالزمن فقط. فالأقدمية التي لا تتحول إلى معرفة أوسع، ومبادرة أكبر، وقدرة أعلى على التأثير، تفقد معناها شيئاً فشيئاً. أما الجدارة، فهي التي تجعل الخبرة حيّة ومثمرة، وتمنح المؤسسة القدرة على أن تُدار بالعقل لا بالعادة.

 

لماذا يكتسب الإصلاح أهمية اقتصادية؟

تأتي أهمية هذا التحول من حقيقة أن الكويت تستهدف، عبر رؤية 2035، بناء دولة أكثر فعالية، وأكثر شفافية، وأعلى إنتاجية، وأكثر قدرة على إدارة مواردها البشرية والمؤسسية بكفاءة. وإذا كانت الرؤية تضع الحكومة الفعالة والحوكمة وتحسين رأس المال البشري ضمن أولوياتها، فإن أي نظام تقييم جديد لا بد أن يُفهم باعتباره أداة تنفيذ لا إجراءً شكلياً.

تذهب بعض المؤشرات الحكومية والتحليلات الاقتصادية المحلية إلى أن إصلاح بيئة العمل في القطاع العام لا ينفصل عن مراجعة هيكل الأجور، وآليات الترقي، وسلوك القيادة الوسطى، ونمط مساءلة المدراء. وقد ظهرت في الكويت خلال الفترة الأخيرة نقاشات متصلة بمراجعة هيكل رواتب القطاع العام وآليات تقييم الموظفين، بما يشير إلى أن التغيير لم يعد افتراضاً نظرياً بل مساراً إصلاحياً يتقدم ببطء لكنه واضح.

 

كيف تبدو الفجوة بين العام والخاص؟

تكمن واحدة من أهم نقاط الضعف في الاقتصاد الكويتي في الفجوة الواسعة بين القطاعين العام والخاص من حيث التوظيف الوطني. فالأرقام المتداولة تشير إلى أن القطاع الحكومي يستوعب نحو 520 ألف موظف، وأن نسبة الكويتيين فيه تتجاوز ثلاثة أرباع القوة العاملة، بينما لا تتجاوز مشاركة المواطنين في القطاع الخاص نحو 4% إلى 5.1% فقط في تقديرات مختلفة.

هذه الفجوة ليست تفصيلاً اجتماعياً عابراً، بل هي جزء من بنية الاقتصاد نفسه. فالقطاع العام هو المجال الذي يحتضن كتلة كبيرة من القوى العاملة الوطنية، وبالتالي فإن أي ضعف في إنتاجيته لا يقتصر أثره على الخدمة أو التنظيم، بل يمتد إلى كلفة الدولة، وجودة المخرجات، وثقة الناس في قدرة الجهاز الحكومي على الإنجاز. أما القطاع الخاص، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الوافدين، فيطرح تحدياً مختلفاً: كيف يمكن رفع مشاركة المواطنين فيه من دون أن يظل القطاع العام هو الملاذ الوحيد الآمن والمضمون؟

التقييم الربع سنوي: من المتابعة المتأخرة إلى الرقابة المبكرة

في هذا السياق، يكتسب التوجه نحو التقييم الربع سنوي قيمة عملية عالية. فالتقييم السنوي المتأخر غالباً ما يأتي بعد أن تكون الأخطاء قد تراكمت، والفرص قد ضاعت، والأداء قد استقر عند مستوى منخفض لا يمكن تغييره بسهولة. أما المراجعة الدورية الأقرب إلى لحظة العمل، فتمكّن المؤسسة من رصد الانحرافات مبكراً، وتصحيح السلوك بسرعة، وربط المدير والموظف معاً بمؤشرات قابلة للقياس.

إذا طُبق هذا النظام بجدية، فإنه لا يغيّر أداء الموظف فقط، بل يفرض على القيادة نفسها قدراً أعلى من الانضباط. فالمدير الذي يعلم أن نتائج فرقته ستُراجع بانتظام لن يكتفي بإدارة الشكل، بل سيضطر إلى إدارة الأثر. والموظف الذي يعلم أن الأداء هو المعيار سيصبح أكثر اهتماماً بالجودة، وأقل اعتماداً على الأقدمية بوصفها درعاً يحميه من التقييم.

 

ما الذي يكسبه الاقتصاد؟

التحول من الأقدمية إلى الجدارة لا يقتصر على البعد الإداري؛ إنه في جوهره مسألة إنتاجية. فالمؤسسة التي تكافئ النتائج تقل فيها الهدرات غير المرئية: تأخر القرارات، الأخطاء التي تكتشف متأخرة، الترقيات غير المرتبطة بالأثر، والوقت الضائع في إدارة الروتين بدلاً من إدارة النتائج. وكل واحدة من هذه العناصر تمثل كلفة على الموازنة، ولو لم تُسجل في بند مستقل.

كما أن تعزيز ثقافة الجدارة يسهم في جذب الكفاءات الوطنية والاحتفاظ بها. فالموظف الكفء لا يبحث فقط عن الراتب، بل عن بيئة تعرف قيمة ما يقدمه. وعندما يرى أن الأداء يفتح الباب أمام التقدم، وأن الجهد لا يضيع في زحام الأقدمية، يصبح القطاع العام أكثر قدرة على المنافسة في سوق العقول والمهارات.

 

 

الخبرة لا تُلغى بل تُعاد موضعتها

من المهم ألا يتحول هذا النقاش إلى صراع بين الأقدمية والجدارة بوصفهما نقيضين مطلقين. فالخبرة الطويلة تبقى مورداً ثميناً، لكن قيمتها الحقيقية تظهر حين تقترن بالقدرة على الإضافة، والتوجيه، والتعلم المستمر. أما حين تتحول الخبرة إلى حصانة كاملة من المساءلة، فإنها تفقد جزءاً من معناها الاقتصادي والإداري.

المؤسسة الرشيدة لا تعادي من أمضى سنوات طويلة في العمل، لكنها ترفض أن يكون الزمن بديلاً عن الأثر. وهي لا تلغي الأقدمية، بل تضعها في حجمها الصحيح: رصيد خبرة، لا تذكرة عبور تلقائية إلى موقع أعلى. وفي هذا الفهم، تصبح الجدارة امتداداً ناضجاً للخبرة، لا خصماً لها.

 

شرط النجاح: العدالة والوضوح

لا يمكن لأي نظام تقييم أن ينجح إذا كان غامضاً أو انتقائياً أو خاضعاً للمزاج. فالتقييم غير الشفاف لا يخلق الجدارة، بل يضيف طبقة جديدة من الشك. لذلك، فإن النجاح الحقيقي لهذا التحول يتطلب معايير واضحة، وقياساً موحداً، وربطاً بين النتائج والتطوير، وإرادة سياسية وإدارية لا تستثني أحداً من المساءلة.

كما أن هذا النظام يجب ألا يُفهم بوصفه أداة عقابية فقط. فالغرض الأعمق هو بناء ثقافة عمل تعرف ما تريد، وتقيس ما تفعل، وتصحح ما يختل، وتكافئ من يضيف قيمة فعلية. ومن دون هذا الربط بين القياس والتطوير، يبقى التقييم إجراءً شكلياً لا أكثر.

 

خاتمة: من إدارة الزمن إلى إدارة القيمة

في النهاية، لا يبدو التوجه الجديد مجرد تعديل إداري في وزارة الشؤون فقط، بل خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تنظيم الدولة حول مفهومي الكفاءة والإنتاجية. وإذا كانت رؤية الكويت 2035 تسعى إلى حكومة أكثر فعالية، فإن نظاماً يقوم على تقييم الأداء وفق الجدارة والنتائج يصبح جزءاً من البنية المطلوبة لتحقيق تلك الرؤية.  يكتسب هذا التحول أهمية مضاعفة. فالمؤسسات الحكومية والخاصة تعمل في بيئة تنافسية تتطلب سرعة القرار، ووضوح المسؤولية، وقياساً دقيقاً للأداء. ولم يعد مقبولاً أن تبقى الترقية رهينة عدد السنوات وحدها، أو أن يُنظر إلى التقييم السنوي باعتباره إجراءً شكلياً لا يغيّر شيئاً. فحين تصبح النتائج هي الأساس، تتغير اللغة داخل المؤسسة: يصبح الموظف مطالباً بالأثر، ويصبح المدير مطالباً بالمتابعة، وتصبح الإدارة كلها مسؤولة عن خلق قيمة حقيقية، لا مجرد تدوير للروتين.  وبالمعنى الاقتصادي المباشر، فإن الدولة التي تكافئ النتائج بدلاً من الزمن فقط، تقل فيها كلفة الجمود، وتزداد فيها فرص الإصلاح، وتتحسن فيها جودة الخدمات، ويصبح الإنفاق العام أكثر ارتباطاً بالعائد الحقيقي. أما في المعنى المؤسسي الأوسع، فإن الكويت التي تضع الجدارة في مركز العمل الرسمي في القطاع العام ستكون أقرب إلى إدارة حديثة تستحق طموحاتها التنموية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى