الذكاء الاصطناعي: “ثورة” تقود الإنتاجية أم “تسونامي” يهدد الأمان الوظيفي؟
بقلم: تـامــــــر عبدالعزيز
أمين سر – مدير إدارة الموارد البشرية.
في مطلع عام 2026، لم يعد السؤال في أروقة المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة في الكويت هو “هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟”، بل أصبح “كيف ننجو ونزدهر في ظله؟”. فبينما يرى فيه المسؤولون “مفتاح السحر” لرفع كفاءة الجهاز الإداري، ينظر إليه آلاف الموظفين بعين الحذر، متسائلين عن مصير مكاتبهم في ظل خوارزميات لا تنام ولا تطلب إجازة دورية.
لغة الأرقام: كويت 2026 في قلب التحول
تشير أحدث التقارير الصادرة عن مؤشر جاهزية الحكومة للذكاء الاصطناعي لعام 2025/2026 إلى قفزة نوعية لدولة الكويت، حيث تستثمر الدولة بقوةفي البنية التحتية الرقمية ضمن “رؤية 2035”. وبحسب تقرير حديث لمؤسسة “جارتنر للأبحاث”،فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيقوم بأتمتة 30% من المهام الإدارية الروتينية في الشرق الأوسط بحلول نهاية هذا العام.
محلياً، تشير بيانات الهيئة العامة للقوى العاملة وديوان الخدمة المدنية إلى أن القطاع المصرفي والاتصالات في الكويت حقق زيادة في الإنتاجية بنسبة 22% بعد إدخال أنظمة “المساعد الذكي” في العمليات التشغيلية.
الميزة: الإدارة بالذكاء.. عندما يتحرر الإبداع
يرى خبراء الإدارة في الكويت أن الذكاء الاصطناعي هو “أفضل صديق” للمسؤول الناجح. فالأمر لا يتعلق بالاستغناء عن البشر، بل بتحريرهم من ” نمط ” الروتين”.
دعم اتخاذ القرار: لم يعد المدير بحاجة لانتظار تقارير ورقية تستغرق أياماً؛ فالأنظمة الذكية تحلل “البيانات الضخمة” في ثوانٍ لتقديم توقعات دقيقة حول نمو السوق أو احتياجات الموظفين.
تجربة الموظف: يساهم الذكاء الاصطناعي في تخصيص مسارات التدريب لكل موظف بناءً على نقاط ضعفه وقوتهمما يعزز من مفهوم” التعلم المستمر”.
التهديد: فجوة المهارات و”الاستبدال الناعم”
على الجانب الآخر، لا يمكن تجاهل القلق الوظيفي. فالمقالات والتقارير الاقتصادية تشير إلى أن الوظائف مثل (مدخلي البيانات المحاسبين المبتدئين، منسقي المواعيد) تواجه ما يُعرف بـ “الاستبدال الناعم”.
تقول مصادر في جمعية الموارد البشرية: “الخطر لا يكمن في الآلة نفسها، بل في الفجوة الرقمية. الموظف الذي لا يطور مهاراته في (هندسة الأوامر) وتحليل البيانات سيجد نفسه خارج المنافسة في غضون عامين”.
التحدي الأخلاقي: “بصمة الموظف” في عصر الخوارزميات.
تطرح القضية بعداً قانونياً وأخلاقياً يخص الخصوصية في الكويت. هل يحق للمسؤول مراقبة إنتاجية الموظف عبر برامج الذكاء الاصطناعي؟ يشير قانونيون إلى الحاجة الماسة لتشريعات كويتية جديدة تنظم “أخلاقيات الذكاء الاصطناعي” في بيئة العمل، لضمان عدم تحول التكنولوجيا إلى أداة ضغط نفسي.
الخاتمة: الرهان على المرونة لا الجمود
إن سوق العمل المعاصر يمر اليوم بـ منعطف تاريخي؛ فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد “تقنية عابرة” أو تهديداً يتربص بالوظائف، بل بات يمثل تحولاً جذرياً في فلسفة العمل ذاتها. في هذا المشهد المتغير، يبرز المسؤول القائد كمن يطوع هذه الأدوات لتعزيز كفاءة فريقه، بينما يظل الموظف الناجح هو من يمتلك الذكاء المهني لتحويل الآلة من “منافس” محتمل إلى “شريك استراتيجي” يحرره من قيود الروتين نحو آفاق الإبداع. في نهاية المطاف، لن تُلغى الوظائف بفعل التقنية، بل سيحتفظ بها أولئك الذين امتلكوا المرونة لإعادة ابتكار أدوارهم.





