الكاش ملك أم متهم؟ “لماذا تضع الرقابة المالية المؤسسات كثيفة النقد في قفص الاتهام”
بقلم/ عمرو علاء
مسؤول مطابقة والتزام
في عالم المال لطالما رددنا العبارة الشهيرة “Cash is King” (الكاش هو الملك)، لكن في أروقة وحدات التحريات المالية وأقسام الالتزام، يتحول هذا “الملك” إلى “متهم رئيسي” حتى تثبت براءته! إن الأوراق النقدية التي نتبادلها يومياً ليست مجرد وسيلة دفع، بل هي بالنسبة لغاسلي الأموال “عباءة الإخفاء” المثالية، عندما يدخل النقد السائل بكثافة إلى مؤسسة ما، تنطلق صافرات الإنذار في النظام المالي العالمي، فلماذا يُنظر إلى المطاعم، محطات الوقود وتجار التجزئة بعين الريبة؟ ولماذا صُنفت هذه الأنشطة عالمياً بأنها “عالية المخاطر”؟ الإجابة تكمن في خاصية واحدة فريدة للنقد: إنه لا يترك بصمات.

الجريمة التي لا تحمل توقيعاً
السبب الجوهري لتصنيف المؤسسات كثيفة النقد كعالية المخاطر هو”المجهولية”، على عكس التحويلات البنكية التي تترك أثراً رقمياً يوضح من أرسل ومن استقبل.
فإن الكاش صامت، يمكن لمليون دولار أن تنتقل من يد تاجر مخدرات إلى خزينة سوبر ماركت دون أن يسجل النظام البنكي اسم المودع الحقيقي، هذه الضبابية هي البيئة الخصبة التي تبحث عنها الأموال القذرة.
الخلط العظيم و الغسالة المثالية
تخيل مطعماً يبيع بـ 5 آلاف دينار يومياً، من السهل جداً لغاسل الأموال أن يضيف 2000 دينار من أموال غير مشروعة إلى الخزينة ويدعي أنها “مبيعات نقدية” لزبائن وهميين، هنا تكمن الخطورة فالمؤسسات كثيفة النقد توفر الغطاء الشرعي لعملية الدمج يصعب على المدقق التمييز بين الدينار الذي جاء من بيع وجبة حقيقية والدينار الذي جاء من تجارة ممنوعة، كلاهما دخل الخزينة وخرج منها “نظيفاً” ومسجلاً كإيراد تجاري.
العميل المجهول و كابوس “اعرف عميلك“
في البنوك لا يتم فتح حساب إلا بعد إجراءات صارمة للتحقق من الهوية، ولكن في الأنشطة كثيفة النقد الوضع مختلف كلياً.
هل يطلب منك صاحب السوبر ماركت هويتك عندما تشتري بضائع نقداً؟
بالطبع لا، هذه الطبيعة القائمة على العملاء العابرين تخلق فجوة في جدار الحماية المالي، حيث يمكن للمجرمين استغلال هذه الأنشطة لتمرير أموالهم وشراء سلع أو خدمات دون الخضوع لإجراءات العناية الواجبة.
فخ التجزئة و الهروب من الرادار
توفر المؤسسات كثيفة النقد بيئة مثالية لممارسة ما يعرف بـ “التجزئة”، حيث يقوم غاسلو الأموال بتقسيم المبالغ الضخمة إلى دفعات نقدية صغيرة تقل عن “حد الإبلاغ الإلزامي”، ونظراً لأن طبيعة عمل هذه المؤسسات تعتمد أصلاً على تكرار العمليات الصغيرة والمتوسطة، فإن اكتشاف نمط “التجزئة” وسط آلاف العمليات اليومية الشرعية يصبح تحدياً تحليلياً بالغ الصعوبة يتطلب أنظمة مراقبة متطورة.
سرعة الدوران وتشتيت الانتباه
تتميز هذه المؤسسات بسرعة دوران رأس المال بشكل مذهل، الأموال تدخل وتخرج يومياً وبكميات ضخمة مما يجعل تعقب العمليات المشبوهة أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش متحركة، هذا التدفق المستمر والسيولة العالية يمنح المجرمين فرصة ذهبية لتدوير الأموال بسرعة، مما يُعقّد مهام الرقابة ويجعل عملية تتبع مسار المال عملية شاقة ومكلفة جداً.
تكلفة المراقبة: لماذا “تكره” البنوك الكاش؟
تصنيف هذه المؤسسات بأنها عالية المخاطر نابع أيضاً من العبء التشغيلي الذي تفرضه على البنوك، التعامل مع عميل يودع مليون دينار “نقداً” يتطلب جهداً مضاعفاً في العد، الفرز، النقل، والتأمين، ناهيك عن تكلفة أنظمة المراقبة والتحقق من مصادر هذه الأموال، لذلك غالباً ما تلجأ البنوك لسياسة تخفيف المخاطر مع هذه الأنشطة، لأن تكلفة الخطأ فيها قد تعني غرامات مليونية على البنك.
في النهاية لا يعني تصنيف المؤسسات كثيفة النقد بأنها “عالية المخاطر” أن أصحابها مجرمون، بل يعني أنها بيئة هشة قابلة للاستغلال، العالم يتجه اليوم بقوة نحو المدفوعات الرقمية ليس فقط لتسهيل الحياة، بل لأن التكنولوجيا هي الضوء الذي يطرد عتمة الكاش التي يختبئ فيها الفاسدون، إلى أن نصل لمجتمع غير نقدي بالكامل، سيظل السؤال قائماً أمام كل فاتورة كاش “من أين لك هذا”؟
عزيزي القارئ:
إذا كنت تدير نشاطاً تجارياً يعتمد على الكاش، تذكر أنك لست المتهم لكنك “حارس البوابة”.
نصيحتي لك: لا تعتمد على الذاكرة، اعتمد على الورقة والقلم والنظام، وثّق كل دينار يدخل خزيتنك، واحتفظ بسجلات دقيقة للموردين والمبيعات، النظام المحاسبي القوي هو حزام الأمان الذي يحميك من المساءلة القانونية ويمنع الشبهات من الالتصاق بأموالك الحلال.
“النقد السائل إذا غاب التوثيق، حضرت الشبهات”


