بقلم/ عمرو علاء
مسؤول مطابقة والتزام
كيف تتعامل الأنظمة الرقابية في الكويت وبريطانيا والولايات المتحدة مع PEP؟
قد يمر مصطلح “الشخص المعرض سياسيا” أو ما يعرف اختصارا بـ PEP مرور الكرام لدى كثيرين، أو يُفهم على نحو خاطئ باعتباره تصنيفا مرتبطا بالشبهة أو الاشتباه في ارتكاب مخالفات مالية.
إلا أن هذا الفهم لا يعكس حقيقة المفهوم الذي يعد في جوهره أداة وقائية تستخدمها الأنظمة المالية حول العالم لحماية النظام المالي من مخاطر محتملة قد تنشأ نتيجة النفوذ الوظيفي أو السياسي.
الشخص المعرض سياسيا هو أي فرد يتولى أو تولى سابقا منصبا عاما بارزاً، يتيح له التأثير في اتخاذ قرارات حكومية أو تنظيمية أو مالية، مثل الوزراء، وأعضاء المجالس التشريعية، والقضاة، وكبار المسؤولين التنفيذيين في الجهات الحكومية أو المؤسسات المملوكة للدولة، كما يمتد هذا التصنيف وفقا للمعايير الدولية ليشمل أفراد أسرته حتى درجات قرابة محددة حسب قوانين ولوائح كل دولة، بالإضافة إلى الشركاء المقربين، نظرا لاحتمالية استخدام هذه العلاقات كوسيلة غير مباشرة لإدارة الأصول أو إجراء المعاملات.
ولا ينظر إلى الشخص المعرض سياسيا باعتباره متهما بل باعتباره فئة تستدعي مستوى أعلى من العناية الواجبة عند التعامل المالي بسبب ما قد يتيحه موقعه من صلاحيات أو نفوذ يمكن أن يُساء استخدامه في بعض الحالات.
فالقدرة على التأثير في منح العقود أو تسهيل الإجراءات أو الوصول إلى معلومات حساسة قد تجعل هذه الفئة عرضة لمحاولات استغلال من أطراف تسعى لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
في هذا السياق تكمن المخاطر في إمكانية تضارب المصالح أو استخدام النفوذ الوظيفي في تمرير معاملات مالية أو استثمارية خارج الأطر التنظيمية أو حتى إخفاء الأصول عبر أطراف مرتبطة، ومن هنا جاء التركيز الدولي على ضرورة التعامل مع هذه الفئة بحذر مهني دون افتراض مسبق لسوء النية.
في دولة الكويت تلتزم المؤسسات المالية بتطبيق إجراءات العناية الواجبة المعززة عند التعامل مع الأشخاص المعرضين سياسيا، وتشمل هذه الإجراءات التحقق من مصدر الأموال والثروة وفهم طبيعة النشاط الاقتصادي والحصول على موافقات من الإدارة العليا قبل بدء العلاقة المصرفية أو تنفيذ معاملات معينة، كما تخضع الحسابات المرتبطة بهذه الفئة لمراقبة مستمرة، لضمان اتساق الأنشطة المالية مع مصادر الدخل المعلنة.
أما في المملكة المتحدة فيتم التعامل مع PEP ضمن إطار تشريعي صارم يفرض على المؤسسات المالية إجراء تقييم دوري لمخاطر العلاقة، وتحديث بيانات العميل بشكل منتظم، بالإضافة إلى مراقبة المعاملات والتحقق من مصادر الثروة، خاصة في حال شغل الشخص لمنصب سياسي في دولة أجنبية أو منظمة دولية.
وفي الولايات المتحدة، تعتمد الجهات المالية نهجا قائما على تقييم المخاطر، حيث يتم تصنيف العملاء وفقا لدرجة التعرض للمخاطر المحتملة، ويخضع الأشخاص المعرضون سياسيا لإجراءات إضافية تشمل مراجعة خلفياتهم المالية، وتحليل أنماط تعاملاتهم، والتحقق من عدم وجود تضارب بين مصادر الدخل المعلنة وحجم الأنشطة المالية أو الاستثمارات.
وقد تشمل هذه الإجراءات أيضا فحص العلاقات التجارية، والتأكد من عدم وجود تعاملات مع أطراف مدرجة على قوائم العقوبات أو ارتباطات مالية قد تثير تساؤلات رقابية، الهدف من ذلك ليس التضييق على هذه الفئة، بل ضمان أن النفوذ العام لا يتحول إلى مدخل لممارسات مالية قد تضر بسمعة السوق أو استقراره.
ويكمن التحدي في تحقيق التوازن بين احترام الخصوصية وعدم افتراض سوء النية، وبين ضرورة حماية النظام المالي من المخاطر المرتبطة بالنفوذ. فالمؤسسات مطالبة بالتعامل مع الأشخاص المعرضين سياسيا بحذر مهني، دون تمييز أو تعسف مع الالتزام بالمعايير التي تضمن الشفافية والنزاهة.
إن فهم مفهوم الشخص المعرض سياسيا لا يقتصر على العاملين في القطاع المالي، بل يمتد إلى الجمهور والمستثمرين، لما له من دور في تعزيز الثقة في المؤسسات والأسواق. فالرقابة على النفوذ ليست استهدافا، بل وسيلة لحماية المال العام، وصون نزاهة المعاملات، ومنع تضارب المصالح قبل وقوعه.
عزيزي القارئ،
كونك شخصا معرضا سياسيا لا يعني أنك محل شبهة،لكن موقعك قد يجعلك عرضة لمحاولات استغلال لا تدركها، والإجراءات التي قد تبدو مشددة عند التعامل معك هي في حقيقتها حماية لك قبل أن تكون رقابة عليك، فالنفوذ مسؤولية… والشفافية هي خط الدفاع الأول..
” الشفافية ليست عقوبة للنفوذ… بل ضمانة لنزاهته”




