مقالات

قوة سيبيريا 2: هل تحوّل موسكو أنابيب الغاز إلى ذهب جيوسياسي على حساب الصين؟

 

بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com

  • خطوط الغاز ترسم خريطة التحالف الجديد بين الشرق والغرب.

  • عندما تتقاطع الجيوسياسة مع أنابيب الطاقة تأخذ العلاقات الدولية منحنى مختلفاً.

  • 55 مليار دولار استثمارات وعقد لمدة 30 عاماً بين غازبروم الروسية وشركة البترول الوطنية الصينية CNPC.

  • “قوة سيبيريا 2”: من شبه جزيرة يامال في القطب الشمالي الروسي إلى شمال الصين

  • سعر الغاز معركة جيوسياسية وليس مجرد رقم.

  • هل تنجح روسيا في فرض شروطها أم تفرض الصين إرادته

  • لا أصدقاء دائمون في عالم الطاقة وقوة سيبيريا 2 نموذجاً

 

بوتين في بكين: خطوط الغاز ترسم خريطة التحالف الجديد بين الشرق والغرب

عندما تتقاطع الجيوسياسة مع أنابيب الطاقة، تأخذ العلاقات الدولية منحنى مختلفاً. ففي زيارة حملت دلالات تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، حيث التقى الأسبوع الماضي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنظيره الصيني شي جينبينغ في بكين، في لقاء أعاد رسم خريطة التحالفات العالمية ووضع الطاقة في صلب المعادلة الجيوسياسية الجديدة. لكن خلف الصور الرسمية والمصافحات الدبلوماسية، تكمن خريطة أكثر تعقيداً وأبعد أثراً: خريطة خطوط الغاز التي تربط سيبيريا بقلب الصين، وأبرزها مشروع “قوة سيبيريا 2” المقترح، الذي قد يصبح شريان الحياة الاقتصادي لروسيا في مواجهة العقوبات الغربية.

خطوط الغاز كسلاح جيوسياسي

يمتد خط “قوة سيبيريا 1″ من حقول الغاز في شرق سيبيريا مروراً بمناطق نائية وصولاً إلى المراكز الصناعية الصينية في بكين وشنغهاي. بدأ التشغيل التجاري لهذا الخط في ديسمبر 2019، بطاقة نقل تصل إلى 38 مليار متر مكعب سنوياً، ومن المتوقع أن تصل إلى كامل طاقتها البالغة 61 مليار متر مكعب بحلول عام 2025. تتحدث الأرقام عن قصة استثمار إجمالي يزيد عن 55 مليار دولار، وعقد لمدة 30 عاماً بين غازبروم الروسية وشركة البترول الوطنية الصينية CNPC، وإيرادات متوقعة تبلغ 400 مليار دولار لروسيا على مدى العقود الثلاثة.

لكن النجاح النسبي لـ”قوة سيبيريا 1” لم يكن كافياً. فالعقوبات الغربية الخانقة، وفقدان السوق الأوروبية التي كانت تستورد 40 بالمئة من غازها من روسيا، دفعت موسكو إلى البحث عن بدائل استراتيجية، وهنا يأتي دور “قوة سيبيريا 2”.

يمثل الخط المقترح نقلة نوعية في الطموح الروسي الصيني. فبينما يربط “قوة سيبيريا 1” شرق سيبيريا بشمال شرق الصين، يمتد “قوة سيبيريا 2” من شبه جزيرة يامال في القطب الشمالي الروسي، مروراً بمنغوليا، وصولاً إلى شمال الصين. المواصفات طموحة: طاقة مقترحة 50 مليار متر مكعب سنوياً، وطول حوالي 2600 كيلومتر، وتكلفة مقدرة بين 10 و12 مليار دولار. لكن الطموح يصطدم بتحديات جمة. أولاً، التحدي الجيوسياسي المنغولي: تمر الأنبوبة عبر منغوليا، الدولة المحصورة بين العملاقين الروسي والصيني، ورغم أن منغوليا تبدو مستفيدة من رسوم العبور، إلا أن اعتمادها الاقتصادي على الصين يجعلها ورقة في يد بكين أكثر منها شريكاً مستقلاً. ثانياً، التحدي الاقتصادي الصيني: فالصين ليست في وضع المستضعف، إذ تملك خيارات متعددة مثل الغاز المسال من قطر وأستراليا والولايات المتحدة، وخطوط أنابيب من آسيا الوسطى، ومشاريع غاز صخري محلية، مما يمنحها قدرة تفاوضية هائلة. ثالثاً، التحدي المالي الروسي: روسيا تحتاج إلى عائدات الغاز كما لم يحدث من قبل، فميزانية 2024 و2025 تعتمد على سعر نفط لا يقل عن 60 إلى 65 دولاراً للبرميل، لكن العقوبات على التكنولوجيا الغربية تجعل بناء خطوط الأنابيب أكثر تكلفة وأطول زمناً.

زيارة بوتين: ماذا جنت موسكو وبكين؟

من منظور موسكو، لروسيا ثلاثة أهداف استراتيجية من الزيارة. الهدف الأول: توقيع اتفاقيات الغاز، فقد كان بوتين يأمل في توقيع مذكرة تفاهم ملزمة حول “قوة سيبيريا 2” خلال الزيارة، لكن التقارير تشير إلى أن الصين تماطل وتطلب شروطاً مجحفة من حيث السعر والتمويل والعملة. الهدف الثاني: تعزيز التحالف العسكري الاستراتيجي، فرغم أن الصين وروسيا ليستا حليفتين رسميتين بمعاهدة دفاع مشترك، إلا أن التعاون العسكري يتعمق عبر مناورات بحرية وجوية مشتركة، وتبادل تكنولوجيا الدفاع الجوي والصاروخي، وتنسيق في مجلس الأمن والأمم المتحدة. الهدف الثالث: بناء نظام مالي موازٍ، إذ دفعت العقوبات الغربية موسكو وبكين إلى تسريع خططهما لإنشاء نظام مالي مستقل من خلال زيادة استخدام اليوان في التجارة الثنائية وتطوير أنظمة دفع بديلة عن سويفت وإنشاء بنك تنموي روسي صيني.

من منظور بكين، تلعب الصين لعبة طويلة الأمد وتتمتع بمزايا تفاوضية هائلة. الميزة الأولى: الوقت في صالح بكين، فقد وقعت الصين عقود غاز مسال طويلة الأمد مع قطر، ولديها خط أنابيب تركمانستان الصين الذي يوفر 55 مليار متر مكعب سنوياً، ومشاريع الغاز الصخري المحلية تتطور ببطء لكنها مستمرة. الميزة الثانية: التنويع الاستراتيجي، فلا تريد بكين الاعتماد على مصدر واحد، فتأتي حاجتها من روسيا بنسبة 10 إلى 15 بالمئة، ومن آسيا الوسطى بنسبة 20 إلى 25 بالمئة، ومن الغاز المسال بنسبة 40 إلى 45 بالمئة، ومن الإنتاج المحلي بنسبة 20 إلى 25 بالمئة. الميزة الثالثة: استخدام روسيا كورقة ضغط، إذ تدرك الصين أن روسيا بحاجة إليها أكثر مما هي بحاجة لروسيا، ولذلك ترفض دفع أسعار مرتفعة وتطلب نقل التكنولوجيا وتشترط شروطاً بيئية ومالية صارمة.

الخريطة الجيوسياسية الجديدة

أوروبا تبدو الخاسر الأكبر. فقد ضرب فقدان الغاز الروسي أوروبا في الصميم، حيث اضطرت ألمانيا لإعادة تشغيل محطات الفحم، وواجهت إيطاليا أزمة صناعية في شمال البلاد، وعانت دول شرق أوروبا من انقطاعات متكررة. لكن أوروبا تكيفت بسرعة، فارتفعت واردات الغاز المسال من الولايات المتحدة بنسبة 150 بالمئة في 2023، وتسارعت مشاريع الطاقة المتجددة، وتحسنت كفاءة الطاقة بنسبة 15 بالمئة. السؤال الجوهري: هل يمكن لأوروبا الاستغناء عن الغاز الروسي تماماً؟ الإجابة: نعم، لكن بتكلفة.

أما الولايات المتحدة فهي المستفيد الصامت، إذ تحقق مكاسب متعددة: اقتصادياً قفزت صادرات الغاز المسال من صفر في 2015 إلى 11 مليون طن سنوياً في 2024، وجيوسياسياً أصبحت أوروبا أكثر اعتماداً على واشنطن، واستراتيجياً أصبحت روسيا منخرطة في حرب استنزاف في أوكرانيا.

في الشرق الأوسط، تواجه دول الخليج معادلة صعبة بين الفرصة والتحدي. فالفرصة أن أوروبا تبحث عن بدائل للغاز الروسي، أما التحدي فأن روسيا قد تغرق السوق الآسيوية بالغاز الرخيص. قطر تحديداً وقعت عقوداً ضخمة مع ألمانيا وإيطاليا، لكنها تحافظ على علاقات جيدة مع موسكو وبكين.

الاقتصاد السياسي لخطوط الغاز

معركة السعر هي معركة المليارات. سعر الغازهو معركة جيوسياسية وليس مجرد رقم. من منظور روسيا، تبلغ تكلفة الإنتاج في يامال بين 2 و3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وتكلفة النقل عبر “قوة سيبيريا 2” بين دولارين، والسعر المطلوب لتغطية التكاليف وتحقيق ربح هو بين 6 و8 دولارات، والسعر المثالي بين 10 و12 دولاراً. أما من منظور الصين، فسعر الغاز المسال من قطر يتراوح بين 8 و10 دولارات في العقود طويلة الأجل، وسعر الغاز من آسيا الوسطى بين 5 و7 دولارات، والسعر الذي تريد الصين دفعه لروسيا هو بين 4 و6 دولارات. الفجوة تتراوح بين 4 و6 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وعلى حجم 50 مليار متر مكعب سنوياً تصل القيمة إلى فرق يتراوح بين 2 و3 مليارات دولار سنوياً، وعلى مدى 30 عاماً يصل إلى 60 أو 90 مليار دولار. هذا هو جوهر المماطلة الصينية.

أما التكنولوجيا فتمثل عقبة خفية، فبناء خطوط الأنابيب في المناطق القطبية يتطلب أنابيب مقاومة لدرجات حرارة تصل إلى 50 تحت الصفر، ومحطات ضخ متطورة، وتكنولوجيا ضغط عال. وكانت معظم هذه التكنولوجيا تأتي من شركات غربية مثل سيمنز وجي إي وتكنيب، لكن العقوبات قطعت هذا المصدر. الحل الروسي الصيني يتمثل في أن روسيا طورت بدائل محلية ، وأن الصين بدأت تنتج بعض المعدات لكنها تحتاج وقتاً، والنتيجة هي تأخير المشروع 3 إلى 5 سنوات على الأقل.

 

السيناريوهات المستقبلية

السيناريو الأول هو التوقيع المتأخر، باحتمال 50 بالمئة. الزمان بين 2025 و2026، والشروط أن تقبل الصين بسعر يتراوح بين 7 و8 دولارات مع تمويل مشترك، ويكون التشغيل بين 2030 و2032، والأثر أن تحصل روسيا على تنفس مالي وتُعزز الصين أمنها الطاقي.

السيناريو الثاني هو المماطلة المستمرة، باحتمال 30 بالمئة. تمتد المفاوضات حتى 2027، وترفض الصين التنازل فتضطر روسيا لقبول شروط غير مرضية، وتكون النتيجة مشروعاً مصغراً أو مؤجلاً، والأثر أن تبحث روسيا عن بدائل أخرى مثل الهند.

السيناريو الثالث هو الانهيار، باحتمال 20 بالمئة، والسبب قد يكون تغيراً جيوسياسياً كنهاية الحرب في أوكرانيا، فتكون النتيجة عودة روسيا إلى أوروبا وإلغاء المشروع، والأثر خسارة استراتيجية للصين وروسيا.

الدروس المستفادة

بالنسبة لروسيا، الاعتماد على الصين خطر استراتيجي لأن بكين تلعب دور الدائن القوي، والتنويع ضرورة فلا يمكن الاعتماد على سوق واحد، والتكنولوجيا سيادة فقد كشفت العقوبات ضعف الاعتماد على الغرب.

بالنسبة للصين، الصبر قوة لأن الوقت في صالح بكين، والتنويع ذكاء فلا تعتمد على مصدر واحد، والجيوسياسة قبل الاقتصاد أي استخدام الطاقة كأداة نفوذ.

بالنسبة للغرب، العقوبات سلاح ذو حدين فهي تضرب روسيا لكن تدفعها نحو الصين، والطاقة المتجددة أمن قومي لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، والوحدة الأوروبية ضرورة لتنسيق سياسات الطاقة.

الخاتمة: عندما تصبح الأنابيب خطوطاً حمراء

زيارة بوتين لبكين كانت اختباراً حقيقياً لمفهوم “الشراكة بلا حدود” الذي أعلنته روسيا والصين في فبراير 2022 ولم تكن مجرد لقاء دبلوماسي.  والنتيجة حتى الآن هي شراكة غير متكافئة حيث تمسك الصين بكل الأوراق. خط “قوة سيبيريا 2” هو مرآة تعكس التحول الجيوسياسي العالمي من عالم أحادي القطب تسوده الهيمنة الأمريكية إلى عالم متعدد الأقطاب يتميز بصعود الصين وتراجع روسيا وصمود الغرب وليس مجرد أنبوب غاز.  السؤال النهائي: هل ستنجح روسيا في تحويل غازها إلى قوة جيوسياسية، أم ستصبح مجرد مورد للصين؟ الإجابة لن تأتي من موسكو أو بكين، بل من الأسواق، ومن التكنولوجيا، ومن الزمن. وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأقسى: في عالم الطاقة، لا توجد صداقات دائمة، فقط مصالح دائمة.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى