الفيدرالي النحيف
بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، اعتادت الأسواق والمستثمرون على دور متضخم للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. فلم يعد البنك المركزي مجرد مؤسسة تقليدية تحدد أسعار الفائدة وتراقب معدلات التضخم، بل تحول إلى لاعب رئيسي في إدارة الأزمات وموجّه مباشر للأسواق. وقد تجسد هذا التحول في التوسع الكبير لميزانيته العمومية، التي ارتفعت من أقل من تريليون دولار قبل الأزمة إلى أكثر من تريليوني دولار بنهاية عام 2009، بعد شراء نحو 1.25 تريليون دولار من الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، وإضافة أكثر من تريليون دولار من الأصول الأخرى، ثم إطلاق جولة ثانية من التيسير الكمي بقيمة تقارب 500 مليار دولار.
غير أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، يبدو عازماً على تغيير هذا النهج جذرياً، مقدماً ما يمكن وصفه بمفهوم الفيدرالي النحيف The Lean Fed أي بنك مركزي أقل حضوراً في المشهد العام وأكثر تركيزاً وانضباطاً حول مهمته التقليدية المتمثلة في الحفاظ على استقرار الأسعار، بدلاً من لعب دور المطمئن الدائم للأسواق والأسر والشركات.
العودة إلى أسلوب التسعينيات والغموض الاستراتيجي
في أول اجتماع للسياسة النقدية برئاسته، أبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير عند نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75%. لكن اللافت لم يكن القرار نفسه، بل البيان المقتضب الصادر عنه، والذي أعاد إلى الأذهان أسلوب التسعينيات، حين كان رئيس الفيدرالي الأسبق آلان غرينسبان يفضل الغموض الاستراتيجي على الإفصاح التفصيلي والإرشادات المستقبلية المطولة.
وجاء المؤتمر الصحفي لوارش ليعزز هذا الانطباع؛ إذ ركز بشكل شبه كامل على مكافحة التضخم، متجنباً تقديم إشارات واضحة حول الظروف الدقيقة التي قد تدفع البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة مستقبلاً. وفي الوقت ذاته، أظهرت التوقعات المحدثة لأعضاء الاحتياطي الفيدرالي أن تسعة من أصل ثمانية عشر مسؤولاً يتوقعون رفع أسعار الفائدة مرة واحدة على الأقل خلال عام 2026، كما اختفت من البيان الرسمي أي عبارات يمكن تفسيرها على أنها انحياز مسبق نحو التيسير النقدي. ويشير ذلك إلى أن الفيدرالي النحيف قد لا يكون بنكاً مركزياً أكثر تساهلاً، بل ربما يكون أقل كلاماً وأكثر تشدداً في رسائله تجاه التضخم.
عقدان من التضخم المؤسسي
لقد شهد العقدان الماضيان تحولاً جذرياً في دور الاحتياطي الفيدرالي. ففي أعقاب الأزمة المالية العالمية، ثم خلال فترة النمو الاقتصادي الضعيف، ولاحقاً أثناء جائحة كوفيد-19، توسعت صلاحيات البنك المركزي واستخداماته للأدوات غير التقليدية، بما في ذلك برامج شراء السندات الضخمة والتيسير الكمي وتوفير السيولة الطارئة للأسواق المالية.
كما أصبح التواصل المكثف مع الأسواق جزءاً لا يتجزأ من السياسة النقدية، من خلال المؤتمرات الصحفية المنتظمة والمطولة، والتوقعات المستقبلية التفصيلية لأسعار الفائدة، والظهور الإعلامي المتكرر لرؤساء الفيدرالي وأعضائه.
لكن وارش يرى أن هذا التوسع جعل البنك المركزي يتحمل أعباء تتجاوز نطاق اختصاصه الأصلي، وأن الإفراط في التواصل قد ينعكس سلباً، إذ يدفع الأسواق إلى الاعتماد المفرط على تصريحات المسؤولين وقراءة ما بين السطور، بدلاً من التركيز على المؤشرات الاقتصادية الأساسية. ومن هذا المنطلق، يسعى وارش إلى إعادة تعريف العلاقة بين البنك المركزي والأسواق، بحيث تصبح البيانات الاقتصادية الخام هي المحرك الرئيسي لتوقعات المستثمرين.
العصر الرقمي: تحديث الأدوات لا العودة للماضي
ومع ذلك، لا يبدو أن وارش يدعو إلى عودة تقليدية كاملة إلى الماضي. فهو يدرك ديناميكيات العصر الرقمي، ولذلك يدفع بقوة نحو تحديث أدوات التحليل الاقتصادي، منتقداً أساليب جمع البيانات التقليدية باعتبارها متأخرة وغالباً ما تقرأ المشهد من مرآة الرؤية الخلفية. في المقابل، يؤيد وارش استخدام البيانات الفورية والبديلة لفهم التحولات الاقتصادية بصورة أسرع وأكثر دقة.
في هذا السياق، يزداد الاعتماد على البيانات غير التقليدية أهميةً، لأن الفيدرالي لا يحتاج فقط إلى تواصل أقل مع الأسواق، بل إلى رؤية أسرع وأدق للاقتصاد وهو يتحرك. فحين تتأخر الإحصاءات الرسمية، تصبح بيانات الرواتب، ومعاملات البطاقات، والمؤشرات الفورية للأسعار، ومصادر البيانات الإدارية والرقمية، أدوات أساسية تساعد صناع السياسة على التقاط التحولات مبكراً وفهم ما يحدث في السوق قبل أن يظهر بوضوح في الأرقام التقليدية.
ولتحقيق هذه الرؤية المتوازنة بين النحافة التنظيمية والتطور التقني، أعلن وارش تشكيل خمس مجموعات عمل متخصصة. تُعنى الأولى بمراجعة استراتيجية التواصل بهدف صياغة خطاب مقتضب وتقليل الزخم الإعلامي الزائد للمسؤولين. بينما تركز المجموعة الثانية على الميزانية العمومية لإدارة حجم أصول الفيدرالي وتقليص تداخله مع الأسواق. وتتولى المجموعة الثالثة إعادة النظر في إطار استهداف التضخم ومراجعة نسب ومستهدفات الأسعار على المدى الطويل، في حين تدرس المجموعة الرابعة الإنتاجية الاقتصادية ومحركات النمو الحقيقية في الاقتصاد الحديث. وأخيراً، تعمل المجموعة الخامسة على ملف البيانات الحديثة لدمج المؤشرات الفورية والبديلة مباشرة في عملية صنع القرار النقدي.
اختبار السوق الأول: الغموض وسرعة رد الفعل
لقد جاء اختبار النهج الجديد سريعاً، إذ استجابت الأسواق بصورة ملحوظة بعد اجتماع يونيو؛ فارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية ، وتراجعت مؤشرات الأسهم الرئيسية، بينما زادت رهانات المستثمرين على احتمال استمرار السياسة النقدية المقيدة لفترة أطول. وهو ما يعزز التساؤل الجوهري: هل الغموض المدروس الذي يفضله وارش يساعد على تهدئة الأسواق أم يدفعها إلى المبالغة في تفسير الرسائل الضمنية؟
إن فكرة الفيدرالي النحيف لا تعني بالضرورة بنكاً مركزياً ضعيفاً أو أقل استقلالية، بل تعكس محاولة جادة لإعادة ضبط دوره والعودة إلى المبادئ الأساسية للسياسة النقدية. غير أن نجاح هذه التجربة سيعتمد بالكامل على قدرة الاحتياطي الفيدرالي على تحقيق توازن دقيق بين الانضباط المؤسسي والشفافية، وبين التركيز الصارم على استقرار الأسعار وتلبية حاجة الأسواق الحديثة إلى الوضوح والتوجيه.
خاتمة
ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان كيفن وارش أكثر تشدداً من أسلافه، بل ما إذا كان العالم المالي المعاصر، الذي يتفاعل في أجزاء من الثانية عبر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مع كل كلمة تصدر عن صناع القرار، قادراً على التكيف مع بنك مركزي يتحدث أقل، ويشرح أقل، ويطلب من الأسواق أن تعتمد مجدداً على قراءة البيانات الصلبة بدلاً من فك شفرات خطابات المسؤولين.
فإذا نجح هذا النموذج، فقد يعيد رسم حدود دور البنك المركزي الأمريكي لعقود مقبلة، ويؤسس لمرحلة جديدة يصبح فيها الاحتياطي الفيدرالي أقل تدخلاً وأكثر انضباطاً في أداء مهامه الأساسية. أما إذا أثبتت التجربة أن الأسواق الحديثة لا تستطيع التعايش مع هذا القدر من الغموض، فقد يكون الفيدرالي النحيف مجرد محطة عابرة ومؤقتة في مسار طويل وحتمي من توسع دور البنوك المركزية في إدارة الاقتصاد العالمي



