العقارمقالات

تأثير حرب الشرق الأوسط على عقارات الخليج

 

بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
 Elshebshiry@outlook.com

شهدت أسواق العقارات في دول الخليج خلال السنوات الأخيرة طفرة ملحوظة مدفوعة بعدة عوامل، من أبرزها الاستقرار النسبي، تدفق رؤوس الأموال العالمية، والسياسات الضريبية الجاذبة. غير أن حرب الشرق الأوسط الأخيرة، وتحديداً الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران، أضافت متغيرًا حاسمًا، لم يقتصر تأثيره على المنطقة، بل امتد ليشمل النظام المالي العالمي، خاصة عبر قناة أسعار الفائدة والرهن العقاري. فلم يعد تأثير حرب الشرق الأوسط يقتصر على الثقة أو تدفقات الاستثمار، بل أصبح مرتبطًا بشكل مباشر بتكلفة التمويل العقاري عالميًا، وهو ما يشكل بُعدًا جديدًا وأكثر عمقًا في تحليل السوق.

أولاً: تراجع الثقة وارتفاع المخاطر

لا يزال عامل الثقة هو المحرك الأساسي للأسواق. ومع تصاعد حرب الشرق الأوسط، يرتفع الحذر لدى المستثمرين في مدن رئيسية مثل دبي وأبوظبي والرياض، ما يؤدي إلى تباطؤ في اتخاذ قرارات الشراء. هذا التراجع في الثقة يترجم عادة إلى انخفاض في حجم المعاملات قبل أن ينعكس على الأسعار بشكل مباشر.

ثانيًا: صدمة أسعار الفائدة العالمية وتأثيرها غير المباشر على الخليج

التطور الأهم الذي أضافته حرب الشرق الأوسط هو تأثيرها على أسعار الرهن العقاري عالميًا، وخاصة في الولايات المتحدة. فقد ارتفعت معدلات الرهن العقاري الأمريكية لمدة 30 عامًا إلى نحو 6.57% في مطلع أبريل 2026، وهو أعلى مستوى منذ أشهر، بعد زيادة تقارب 0.5% منذ بداية الحرب. يُعزى هذا الارتفاع إلى عدة عوامل، منها ارتفاع أسعار النفط نتيجة حرب الشرق الأوسط، وزيادة توقعات التضخم، وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية.

ينتقل هذا التأثير إلى الخليج عبر عدة قنوات:

  1. تكلفة التمويل العالمية: ارتفاع الفائدة في الولايات المتحدة يدفع البنوك المركزية عالميًا إلى الحفاظ على مستويات فائدة مرتفعة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وهذا يزيد من تكلفة القروض العقارية وتكلفة تمويل المطورين.
  2. تراجع شهية المستثمرين الدوليين: المستثمر الذي يستطيع تحقيق عائد مرتفع من أدوات مالية آمنة (مثل السندات الأمريكية) قد يقلل من استثماراته في ج، خاصة في الأسواق الخارجية.
  3. ضغط على السيولة العالمية: ارتفاع العوائد في الأسواق الأمريكية يسحب جزءًا من السيولة العالمية، ما قد يقلل من التدفقات نحو الأسواق الناشئة، بما فيها العقارات الخليجية.

ثالثًا: تأثير مزدوج للطاقة (إيجابي وسلبي)

أدت حرب الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط، وهذا له تأثير مزدوج على دول الخليج:

‎* ‎إيجابي: زيادة إيرادات الحكومات، ودعم الإنفاق العام والمشاريع الكبرى، وتعزيز ‏الطلب المحلي على العقارات.‏

‎* ‎سلبي: توقف الإنتاج لبعض الرقت وارتفاع التضخم عالميًا، واستمرار الفائدة ‏المرتفعة، وتراجع القدرة الشرائية للمستثمرين الدوليين.‏

رابعًا: تأثير تدريجي على الأسعار واختلافه بين دول الخليج

أسعار العقارات في الخليج لا تتراجع بسرعة، لكن مع استمرار ارتفاع الفائدة العالمية، وتراجع الثقة، واثار الهجمات الإيرانية وتدبير بعض العقارات ،وتباطؤ التدفقات الأجنبية، قد نشهد تصحيحًا تدريجيًا للأسعار وزيادة في العروض المخفضة. يبقى التأثير غير متساوٍ بين دول الخليج:

 

‎•‎      الإمارات (خصوصًا دبي وأبوظبي): الأكثر تأثرًا بالعوامل العالمية، ‏لكنها الأسرع تعافيًا. فقد سجل سوق العقارات في أبوظبي رقماً قياسياً بلغ 142 ‏مليار درهم عبر 42,814 صفقة في عام 2025، بزيادة قدرها 44% في القيمة ‏مقارنة بالعام السابق. وفي دبي، شهدت أسعار المبيعات السكنية ارتفاعاً بنسبة ‏‏20%، والإيجارات بنسبة 19% في عام 2024. كما ارتفع حجم المعاملات بنسبة ‏‏23% على أساس سنوي في الربع الثاني من عام 2025، ووصلت قيمة المبيعات ‏السكنية إلى 270 مليار درهم.‏

‎• السعودية: مدعومة بالطلب المحلي القوي، ما يخفف التأثير. ومن ‏المتوقع أن يصل حجم السوق إلى 101.62 مليار دولار بحلول عام 2029، مع ‏معدل نمو سنوي مركب بنسبة 8% بدءاً من عام 2024.‏

‎•‎ بقية دول الخليج: تتأثر نفسيًا واستثماريًا أكثر من تأثرها الفعلي ‏بالأسعار.‏

خامسًا: تغير سلوك المستثمرين وسيناريوهات المستقبل

تشير البيانات العالمية إلى تحول واضح في سلوك المستثمرين نحو الانتظار والترقب، وتراجع قرارات الشراء السريعة، وتركيز أكبر على الفرص المخفضة. ومع ذلك، يبحث المستثمرون الكبار عن صفقات بأسعار أقل ويستعدون للدخول في حال ظهور فرص قوية.

لم يعد تحليل السوق مرتبطًا بحرب الشرق الأوسط فقط، بل أيضًا بمسار الفائدة العالمية. ويمكن تلخيص السيناريوهات المحتملة كالتالي:

 

‎• حرب قصيرة + انخفاض الفائدة لاحقًا: في هذا السيناريو، من المتوقع ‏حدوث انتعاش سريع وقوي في العقارات.‏

‎• ‎حرب مستمرة + فائدة مرتفعة: هذا السيناريو قد يؤدي إلى تباطؤ ممتد ‏وضغط على الأسعار.‏

‎• تصعيد كبير + تضخم مرتفع عالميًا: في هذه الحالة، ستكون البيئة ‏صعبة مع تراجع الاستثمارات الأجنبية.‏

الخلاصة

لقد تجاوزت حرب الشرق الأوسط تأثيرها التقليدي على أسواق العقارات في دول الخليج من خلال الثقة أو الجغرافيا، لتضيف عاملًا جديدًا بالغ الأهمية: تكلفة المال عالميًا. فارتفاع معدلات الرهن العقاري في الولايات المتحدة إلى مستويات مرتفعة، إلى جانب استمرار التضخم، يعني أن سوق العقارات في الخليج لم يعد معزولًا، بل أصبح جزءًا من منظومة مالية عالمية مترابطة.

وفي ضوء ذلك، من المتوقع أن نشهد في المدى القريب تباطؤًا في الصفقات، وحذرًا استثماريًا أكبر، وتأثرًا غير مباشر بارتفاع الفائدة العالمية. لكن في المقابل، سيستمر الإنفاق الحكومي في الخليج، وستظل قوة الطلب المحلي في بعض الدول، وستعود الفرص الاستثمارية عند أي تصحيح. كل ذلك يشير إلى أن ما يحدث ليس انهيارًا، بل إعادة تسعير للمخاطر في سوق عالمي مترابط، حيث أصبحت حرب الشرق الأوسط، النفط، الفائدة، والعقار عناصر في معادلة واحدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى