البنوك

هل استثمار الإسلامي في التقليدي تعطيل لأموال ضخمة في أصل لا يستطيع الانتفاع الكامل منه؟

 

  •  محاذير ومخاطر تملك البنوك الإٍسلامية لبنوك تقليدية… والمعالجة فتاوى واجتهادات
  • تخفض العائد الفعلي على الاستثمار، وتخلق تكلفة للامتثال الشرعي

  • الأرباح الحالية التي تظهر في القوائم المالية هي محاسبية فقط وليست أرباحًا نقدية أو شرعية

  •  هل تضخم الأرباح المحاسبية خدعة للمساهمين كما هو حال التخفيف من الخسائر المحاسبية؟

  • البنك الإسلامي لا يحق له شرعًا أن يستفيد من أي أرباح مصدرها معاملات ربوية

 

هل عدم قدرة البنك الإسلامي على احتساب الأرباح الناتجة عن البنك التقليدي كأرباح له يجعل الاستثمار عبئًا على البنك الإسلامي؟

بالطبع قد يمثل الاستثمار من بنك إسلامي في بنك تقليدي عبئًا اقتصاديًا وشرعيًا، لكن ليس بالضرورة لأن الأرباح لا تُحتسب مطلقًا، فالمسألة تعتمد على طبيعة الاستثمار ونسبة الملكية وطريقة معالجة العوائد.

مع اعتبار إصرار الكيانات الإسلامية على تملك كيانات تقليدية، واعتبارها عبئاً استثمارياً فعلياً، فإن الأدق اقتصاديًا القول إنها تخفض العائد الفعلي على الاستثمار، وتخلق تكلفة للامتثال الشرعي، وليس أن الأرباح “لا تُحتسب” محاسبيًا بالضرورة.

إذا كان البنك الإسلامي يملك حصة في بنك تقليدي، فهناك عدة حالات:

* إذا كانت أرباح البنك التقليدي ناتجة جزئيًا أو كليًا عن الفوائد الربوية، فلا يجوز للبنك الإسلامي اعتبار هذه الفوائد أرباحًا مشروعة له.

* من الناحية المحاسبية، قد تظهر للمستثمر حصة من أرباح الشركة المستثمر فيها وفق المعالجة المحاسبية المطبقة، لكن هذا لا يعني أن كامل الربح ربح قابل للتوزيع شرعًا لدى البنك الإسلامي

* قد ينتج عن ذلك فرق بين الربح المحاسبي والربح المقبول شرعًا، مع الحاجة إلى معالجة الجزء غير المتوافق مع الشريعة، كالتخلص منه في وجوه البر وفق الضوابط الشرعية.

* وإذا كان الاستثمار استراتيجيًا وطويل الأجل، فقد يصبح البنك الإسلامي أمام تكلفة نتيجة تجميد أموال مستثمرة في أصل لا يستطيع الانتفاع بعوائده بالطريقة نفسها التي ينتفع بها من استثمار إسلامي.

  الملكية المحاسبية والاستفادة الفعلية

في هذا السياق يمكن توضيح قاعدة أساسية تؤكد أن الملكية المحاسبية أمر والاستفادة الفعلية والشرعية أمر آخر، فالبنك الإسلامي تُسجّل لديه أرباح محاسبية فقط بناءً على نتائج البنك التقليدي، ولا تدخل كاش فعلي في حساباته إلا عندما يوزّع البنك التقليدي أرباح نقدية سنوية أو فصلية، وهنا من الناحية الشرعية البنك الإسلامي لا يحق له شرعًا أن يستفيد من أي أرباح مصدرها معاملات ربوية.

فحتى لو أعلن البنك التقليدي أرباحًا أو وزّع نقدًا أو منحًا فإن الأرباح الربوية تُستبعد بالكامل ولا تدخل دخل البنك الإسلامي، فيما المنح تبقى عبارة عن أسهم مجانية تسجل كزيادة في الملكية المحاسبية فقط، لكنها لا تصنف كربح نقدي فعلي للبنك الإسلامي.

إذاً الأرباح الحالية اللي تظهر في القوائم المالية هي محاسبية فقط وليست أرباحًا نقدية أو شرعية، حيث أن الاستفادة الفعلية مؤجلة إلى ما بعد التحوّل الشرعي الكامل أو الاندماج، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل آخر، وهو مدى سلامة تضخم الأرباح في البنك الإسلامي الذي يعكس نمواً محاسبياً وليس حقيقياً حيث يعتبر نموا ًوهمياً؟

 

محاذير ومخاطر

المحاذير والمخاطر الشرعية والمصرفية والقانونية الناتجة عن استحواذ بنك إسلامي على بنك تقليدي تتضمن ما يلي:

اختلاط الأموال والحقوق غير المتوافقة مع الشريعة

– قد يحتوي البنك التقليدي على قروض ربوية، سندات، ودائع بفائدة، مشتقات أو استثمارات في أنشطة غير مشروعة.

– الاستحواذ يثير سؤالًا مهمًا: ما الذي انتقل إلى البنك الإسلامي من هذه الأصول والالتزامات، وكيف تتم معالجته والتخلص منه؟

– معيار AAOIFI رقم (6) يعالج تحديدًا كيفية التعامل مع الأصول والالتزامات السابقة للتحول والأصول غير المباحة.

مخاطر التعامل مع الإيرادات والفوائد المتراكمة

– يجب التمييز بين أصل المال وبين العوائد غير المشروعة الناتجة عن المعاملات الربوية السابقة.

– لذلك لا يكفي تغيير اسم المنتجات أو الإدارة؛ بل يلزم وضع آلية شرعية واضحة لمعالجة الإيرادات غير المتوافقة.

مشكلة القروض التقليدية القائمة

– قد تكون لدى البنك المستحوذ عليه محفظة ضخمة من القروض القائمة على الفائدة.

– استمرار البنك الإسلامي في إدارتها أو تحصيل فوائدها بعد الاستحواذ يخلق إشكالًا شرعيًا، بينما التخلص الفوري منها قد يؤدي إلى خسائر كبيرة أو اضطراب مالي.

– ولهذا فإن التحول يتطلب خطة زمنية ومعالجة تفصيلية للحسابات والعقود القائمة، مع مراعاة عدم الإضرار باستقرار البنك.

مخاطر السمعة والثقة

– عملاء البنك الإسلامي يتوقعون أن تكون عملياته وأصوله متوافقة مع الشريعة.

– إذا لم تكن عملية الاستحواذ والتحول واضحة وشفافة، فقد يؤدي ذلك إلى فقدان ثقة المودعين والمستثمرين، وهو ما قد يتحول إلى خطر سيولة أو حتى خطر نظامي في المؤسسات الكبيرة. وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن ضعف وظيفة الالتزام الشرعي يمكن أن يؤدي إلى مخاطر على الملاءة والسيولة وثقة أصحاب الأموال.

مخاطر الحوكمة الشرعية

– الاستحواذ يجعل البنك الإسلامي مسؤولًا عن عدد كبير من المنتجات والعقود والأنظمة والموظفين الموروثين من البنك التقليدي.

– لذلك يجب أن تكون هناك هيئة شرعية فعالة، ووظيفة التزام شرعي، وتدقيق شرعي داخلي، وهي عناصر تدخل ضمن أطر الحوكمة التي تضعها

مخاطر قانونية وتنظيمية

– البنك التقليدي قد يكون مرخصًا وفق إطار قانوني مختلف، وقد تكون لديه عقود لا يمكن تعديلها بسهولة.

– كما يجب الحصول على موافقات الجهات الرقابية، ومعالجة حقوق المودعين والمساهمين والدائنين والموظفين.

– وقد ظهرت هذه التعقيدات عمليًا في صفقات استحواذ بنوك إسلامية على بنوك تقليدية، ومنها الاستحواذ على بنك تقليدي في البحرين من قبل مؤسسة إسلامية.

 مخاطر مالية واقتصادية

– قد يبدو البنك المستهدف جذابًا من حيث حجم الأصول والعملاء والفروع، لكن محفظته قد تتضمن أصولًا متعثرة أو التزامات مكلفة أو أصولًا يصعب تحويلها إلى صيغة متوافقة مع الشريعة.

– وبالتالي قد يدفع البنك الإسلامي سعرًا مرتفعًا مقابل أصول لا يستطيع الاستفادة منها بالشكل المعتاد.

مخاطر التكامل التشغيلي

– دمج الأنظمة المصرفية، الموظفين، المنتجات، الفروع، السياسات الائتمانية، وإدارة المخاطر قد يكون معقدًا.

– وتزداد المشكلة عندما تختلف فلسفة العمل: البنك التقليدي قائم في جانب كبير منه على الإقراض بالفائدة، بينما البنك الإسلامي يحتاج إلى هياكل تعاقدية مختلفة.

مخاطر السيولة وإدارة الموجودات

– البنك الإسلامي لديه قيود شرعية على بعض أدوات السيولة التقليدية، مثل بعض أدوات الدين أو المعاملات القائمة على الفائدة.

– لذلك قد لا يستطيع استخدام جميع أدوات إدارة السيولة التي كان البنك التقليدي يستخدمها، ما يستلزم إعادة هيكلة جانب مهم من الميزانية. وتؤكد تقارير IFSB أهمية وجود إطار خاص لإدارة السيولة والموجودات السائلة المتوافقة مع الشريعة.

مخاطر عدم تحقق الغرض من الاستحواذ

– إذا كان الهدف هو مجرد زيادة الحجم أو الحصة السوقية، فقد ينتهي الأمر بعملية استحواذ مكلفة دون تحقيق القيمة المتوقعة.

– وتوجد دراسات حديثة تشير إلى أن استقرار البنوك المستحوذة بعد عمليات الاندماج والاستحواذ ليس مضمونًا، بما في ذلك البنوك الإسلامية.

الأضرار والتحديات الشرعية

– اختلاط الأموال نتيجة دخول عوائد وأرباح ربوية محرمة (الفوائد البنكية) ضمن محفظة البنك الإسلامي.

– شبهة الإعانة على الإثم نتيجة تملك بنك يقوم أساساً على الإقراض بفائدة يمثل تعاوناً على ما حرمته الشريعة الإسلامية.

– فقدان الثقة واهتزاز ثقة العملاء والمساهمين بالتزام البنك بمعايير وقواعد الرقابة الشرعية.

التحديات المالية والإدارية

– تناقض طبيعة العقود عبر اختلاف إدارة الأموال، حيث يعتمد البنك الإسلامي على قاعدة المشاركة في الغنم والغرم، بينما يعتمد البنك التقليدي على قاعدة الفائدة الثابتة.

– صعوبة الدمج المحاسبي نتيجة اختلاف الأنظمة المحاسبية والرقابية التي تفرضها هيئات مثل مؤسسة المعايير الدولية بين الصيرفة الإسلامية والتقليدية.

– المخاطر التشغيلية ومواجهة أزمات في إدارة السيولة والمخاطر المترتبة على اختلاف محافظ الأصول والخصوم.

 

 أبرز المآخذ والإشكاليات الشرعية والقانونية والاقتصادية لتملك أو استحواذ البنوك الإسلامية على بنوك تقليدية:

– اختلاط الأموال والمحفظة الربوية، فالبنوك التقليدية تعتمد في صميم عملها على الإقراض والاقتراض بالفائدة الربوية، وامتلاكها يعني انتقال محفظة مالية محملة بالفوائد والسندات الربوية وديون قائمة على الفائدة، مما يتطلب خطة صارمة وفورية لتطهير هذه الأموال وفصل الأنشطة المحرمة.

– إشكالية التكييف الشرعي لعملية التملك- البيع: تملك أسهم بنك تقليدي يحمل طابع التعامل بالأسهم المختلطة أو المحظورة إذا كانت نسبة الديون الربوية أو الاستثمارات غير المباحة تتجاوز الضوابط الشرعية المعمول بها (مثل معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية – أوفيوي).

– خطر السمعة الشرعية: دخول البنك الإسلامي في هيكل ملكية بنك تقليدي قد يثير ريبة العملاء والمساهمين حول مدى التزامه بالمعايير الرقابية الشرعية، ويضعف المصداقية إذا لم يتم فصل الأنشطة بشكل تام أو تحويل البنك المستحوذ بالكامل للعمل الإسلامي.

– تحديات الإدارة والرقابة المزدوجة:  اختلاف الفلسفة الإدارية والرقابية؛ فالبنوك الإسلامية تحكمها ضوابط وهيئات رقابة شرعية مستقلة، بينما البنوك التقليدية تخضع لمعايير وممارسات تمويلية بحتة لا تنظر لحلية النشاط الاقتصادي بذاته بل لجدواه المالية فقط.

الخلاصة

الاستحواذ ليس محظورًا لمجرد أن البنك المستهدف تقليدي، الإشكال الأساسي يتعلق بكيفية التملك، والأصول والالتزامات التي تنتقل، واستمرار المعاملات غير المتوافقة مع الشريعة، وطريقة التخلص منها أو معالجتها، ومدى إمكانية تحويل البنك بصورة حقيقية إلى مؤسسة متوافقة مع الشريعة وفق آليات سليمة من الناحية الشرعية بشكل خاص.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى