اقتصاد(K) : نموٌّ يصعد وفجوةٌ تتسع
بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
لم يعد السؤال الاقتصادي الأهم هو: هل نما الاقتصاد؟ بل أصبح السؤال: من استفاد من هذا النمو، ومن دفع تكلفته؟
قد يرتفع الناتج المحلي وسوق الأسهم وأرباح الشركات في الوقت نفسه الذي تشعر فيه أسر كثيرة بأن راتبها لا يكفي كما كان. هنا يظهر مفهوم اقتصاد : K يتحرك جزء من الاقتصاد إلى أعلى، بينما يتحرك جزء آخر إلى أسفل، فيتسع الفرق بين الفائزين والمتضررين.
يشبه الرسم الحرف K؛ فالخط الصاعد يمثل أصحاب الأصول والمهارات والقطاعات المزدهرة، والخط الهابط يمثل الأسر التي تواجه ارتفاع الأسعار أو الديون أو ضعف نمو الأجور.
نموذج مبسط لفهم الفكرة
لنفترض أن اقتصادًا يضم مجموعتين متساويتين في الحجم. فقد زاد دخل أعلى 20% من الأسر خلال سنة بنسبة 12%، فأصبحت أكثر قدرة على الاستثمار والإنفاق وشراء الأصول. وفي المقابل، انخفض دخل بقية الأسر بنسبة 1% بالقيمة الحقيقية، فتراجعت قوتها الشرائية واضطرت إلى تقليص الادخار.
في هذه الحالة قد يبدو متوسط الدخل مستقرًا أو مرتفعًا، لأن زيادة دخل المجموعة الأولى كبيرة، لكن الأسرة العادية قد لا تشعر بتحسن. والسبب أن المتوسط يخفي الفروق بين المجموعات.
مثال رقمي أصغر
إذا ارتفع دخل خمسة أشخاص من 10,000 إلى 12,000 ريال، بينما انخفض دخل خمسة أشخاص من 5,000 إلى 4,800 ريال، فإن متوسط الدخل يرتفع من 7,500 إلى 8,400 ريال، أي بنحو 12%. لكن نصف المجتمع خسر 200 ريال شهريًا. لذلك لا يكفي سؤال «كم ارتفع المتوسط؟»، بل يجب السؤال «كيف توزعت الزيادة؟».
الولايات المتحدة: إنفاق قوي، لكنه غير متساوٍ
تقدم الولايات المتحدة مثالًا مهمًا على التعافي غير المتوازن. فقد خلص تحليل لبنك الاحتياطي الفدرالي في بوسطن، استنادًا إلى بيانات بطاقات الائتمان، إلى أن نمو الإنفاق الحقيقي منذ عام 2022 كان مدفوعًا بدرجة كبيرة بالمستهلكين ذوي الدخول المرتفعة، بينما كان نمو إنفاق ذوي الدخول المنخفضة أضعف. كما وجد أن ديون بطاقات الائتمان لدى ذوي الدخول المنخفضة أصبحت أعلى من مستواها في عام 2019، في حين ظلت ديون ذوي الدخول المرتفعة دون مستوى ما قبل الجائحة.
ويعني ذلك أن الاقتصاد قد يستمر في النمو لأن الأسر الميسورة تواصل شراء السيارات والسفر والخدمات، بينما تقلل أسر أخرى مشترياتها أو تستخدم بطاقات الائتمان لتغطية الضروريات.
أما معدل الادخار الشخصي، فقد بلغ 2.6% في أبريل 2026 وفق مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي. وهذا الرقم يعني أن الادخار الشخصي يعادل 2.6% من الدخل الشخصي المتاح في ذلك الشهر، وليس أنه نسبة ثابتة لكل الأسر أو دليل منفرد على وضع الفقراء.
مثال على أثر التضخم
إذا كانت أسرة تنفق 6,000 ريال شهريًا، وارتفعت أسعار سلتها الأساسية بنسبة 8%، فإن التكلفة الجديدة تصبح:
6,000 × 1.08 = 6,480 ريالًا.
إذا بقي دخل الأسرة عند 6,500 ريال، فلن يتبقى لها سوى 20 ريالًا بدلًا من 500 ريال قبل ارتفاع الأسعار. أما الأسرة التي تملك أسهمًا أو عقارًا، فقد تحصل في الوقت نفسه على دخل أو مكاسب من ارتفاع الأصول. هكذا يتسع الفرق حتى لو كان معدل النمو العام موجبًا.
أوروبا: أزمة الطاقة رفعت تكلفة المعيشة
أظهرت أزمة الطاقة الأوروبية أن التضخم لا يؤثر في الجميع بالطريقة نفسها. فقد ارتفعت أسعار الغاز والكهرباء بالجملة إلى مستويات تاريخية خلال أزمة 2021–2023، ثم تراجعت في عام 2023. ومع ذلك، ظلت أسعار الغاز المنزلية في عام 2023 تقارب ضعف مستواها قبل الأزمة، وفق المفوضية الأوروبية.
كما ارتفعت فاتورة واردات الطاقة في الاتحاد الأوروبي من مستوياتها السابقة إلى 604 مليارات يورو في عام 2022، قبل أن تنخفض إلى 427 مليار يورو في عام 2024.
الأثر الاجتماعي واضح: الأسرة محدودة الدخل تنفق نسبة كبيرة من ميزانيتها على السكن والطاقة والغذاء، ولذلك لا تستطيع تأجيل هذه النفقات. أما الأسرة الأعلى دخلًا، فقد تمتص الصدمة من مدخراتها أو من دخلها الاستثماري.
نموذج ميزانية قبل الأزمة وبعدها
قبل ارتفاع الأسعار، كان دخل الأسرة الشهري يبلغ 2,500 يورو. وكانت تنفق 150 يورو على الطاقة، و450 يورو على الغذاء، و1,500 يورو على السكن والنقل وبقية المصروفات، فيتبقى لها 400 يورو للادخار أو النفقات الطارئة.
بعد ارتفاع الأسعار، بقي الدخل عند 2,500 يورو، لكن نفقات الطاقة تضاعفت إلى 300 يورو، أي بزيادة 100%. وارتفعت نفقات الغذاء إلى 500 يورو، بزيادة تقارب 11%، بينما زادت نفقات السكن والنقل وبقية المصروفات إلى 1,550 يورو، بزيادة 3%. وبذلك انخفض المبلغ المتبقي من 400 إلى 150 يورو، أي تراجع بنحو 62.5%.
هذا المثال توضيحي، لكنه يبين كيف يمكن أن يبقى الدخل الاسمي ثابتًا بينما تنخفض القدرة على الادخار بأكثر من النصف.
آسيا: فجوة بين الاقتصاد الرقمي والعمل غير الرسمي
في بعض الاقتصادات الآسيوية، يظهر اقتصاد K من خلال التباين بين قطاعات التكنولوجيا والقطاعات التقليدية. فالشركات العاملة في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية قد تحقق نموًا سريعًا، بينما تظل أجور قطاعات واسعة أكثر بطئًا.
وفي الهند، يذكر البنك الدولي أن معدل العمل غير الرسمي بين البالغين بلغ 88.8% في عام 2022. لا يعني هذا الرقم أن كل عامل غير رسمي فقير، لكنه يوضح أن نسبة كبيرة من العاملين لا تعمل ضمن ترتيبات رسمية توفر بالضرورة حماية اجتماعية أو دخلًا مستقرًا.
مثال على عاملين يستفيدان من التكنولوجيا بدرجات مختلفة
فمثلًا، قد يعمل مبرمج لدى شركة تقنية في قطاع رقمي رسمي بدخل شهري افتراضي يبلغ 3,000 دولار، مع تأمين وادخار وإمكانية العمل عن بعد. وفي الوقت نفسه، قد يعمل عامل توصيل مستقل عبر منصة رقمية بدخل شهري يبلغ 450 دولارًا، لكنه يواجه دخلًا متذبذبًا وحماية اجتماعية محدودة. فكلاهما مرتبط بالتكنولوجيا، لكنهما لا يستفيدان منها بالدرجة نفسها؛ فقد ترفع التكنولوجيا دخل صاحب المهارة العالية، بينما تجعل دخل العامل الآخر أكثر ارتباطًا بعدد الطلبات وساعات العمل.
العالم العربي: تفاوت بين الدول وداخل الدولة
لا توجد تجربة عربية واحدة؛ فالأوضاع تختلف بين دولة وأخرى. لكن يمكن ملاحظة نمطين عامين. في بعض دول الخليج، ساعدت عائدات الطاقة والاستثمار في دعم قطاعات مثل الطاقة والعقارات والخدمات المالية. وفي دول أخرى، أدى التضخم أو تراجع سعر العملة إلى الضغط على الطبقة الوسطى.
مثال حسابي على تراجع القوة الشرائية
إذا كان راتب موظف 10,000 من العملة المحلية، وارتفعت الأسعار 25% خلال سنة، بينما زاد راتبه 5% فقط، يصبح راتبه الاسمي 10,500، لكن قوته الشرائية الحقيقية تقارب:
10,500 ÷ 1.25 = 8,400 بأسعار السنة السابقة تقريبًا.
أي أن الراتب ارتفع اسميًا 5%، لكنه انخفض فعليًا بنحو 16%. هذه هي النقطة الأساسية: الزيادة في الراتب لا تكفي إذا كانت الأسعار ترتفع أسرع منه.
ما الذي يدفع اقتصاد K؟
ينشأ اقتصاد K عادةً من تداخل عدة عوامل. عندما ترتفع أسعار الأسهم والعقارات، يستفيد من يملكها قبل غيره. وعندما تتقدم التكنولوجيا، ترتفع أجور أصحاب المهارات النادرة أسرع من أجور الأعمال القابلة للاستبدال. وعندما ترتفع الفائدة، يتحمل المقترضون تكلفة أكبر، بينما قد يستفيد أصحاب المدخرات أو الأصول المالية.
كما تؤثر العولمة في توزيع المكاسب؛ فالشركات ورأس المال والعمال ذوو المهارات العالمية يستطيعون الوصول إلى أسواق أوسع، في حين قد يواجه العامل المحلي منافسة أقوى أو نموًا أبطأ في الأجر.
كيف نعرف أن الاقتصاد يسير في شكل K؟
لا يكفي استخدام الناتج المحلي أو مؤشر سوق الأسهم وحدهما. ولتحديد ما إذا كان الاقتصاد يسير في شكل K، ينبغي متابعة عدة مؤشرات معًا. فنمو الناتج المحلي يقيس حجم النشاط الاقتصادي ويساعدنا على معرفة ما إذا كان الاقتصاد الكلي يتوسع. أما الأجور الحقيقية، أي الأجور بعد خصم أثر التضخم، فتجيب عن سؤال: هل يستطيع العامل شراء المزيد؟
ويكشف معدل الادخار مقدار الهامش المالي المتبقي لدى الأسر، بينما توضح ديون بطاقات الائتمان ما إذا كان الاستهلاك يُموَّل من الدخل أم من الاقتراض. كما يبين توزيع الثروة من يملك الأسهم والعقارات ويستفيد من ارتفاع أسعار الأصول. وأخيرًا، تكشف البطالة ونوعية الوظائف ما إذا كانت الوظائف الجديدة مستقرة ورسمية أم مؤقتة ومنخفضة الحماية.
هل أصبح اقتصاد K هو الوضع الطبيعي؟
ليس بالضرورة. اقتصاد K ليس قدرًا محتومًا، لكنه يصبح أكثر احتمالًا عندما تتسع ملكية الأصول، ويضعف نمو الأجور الحقيقية، وتتركز فرص التكنولوجيا في فئة محدودة، وتكون شبكات الحماية الاجتماعية ضعيفة.
ولتقليل هذا الانقسام، تحتاج السياسات إلى الجمع بين استقرار الأسعار، وتحسين التعليم والتدريب، وتوسيع الوصول إلى السكن والتمويل، وحماية العمال في الاقتصاد غير الرسمي، وربط نمو الإنتاجية بنمو الأجور لا بأرباح رأس المال وحدها.
الخلاصة
قد ينمو الاقتصاد، وترتفع أرباح الشركات، وتصعد الأسواق المالية، بينما تشعر أسر كثيرة بأنها تتراجع. لذلك فإن السؤال الصحيح ليس فقط: كم نما الاقتصاد؟ بل أيضًا: من حصل على ثمار النمو، ومن تحمل ارتفاع تكلفته؟
اقتصاد K يصف اقتصادًا يتحرك في مسارين متباعدين: مسار صاعد تقوده الأصول والتكنولوجيا والمهارات العالية، ومسار هابط تضغط عليه الأسعار والديون وضعف الدخل الحقيقي. وكلما اتسعت المسافة بين المسارين، أصبح النمو أكثر هشاشة؛ لأن اقتصادًا يعتمد على إنفاق فئة صغيرة بينما تعاني قاعدة واسعة من المجتمع قد يبدو قويًا في المتوسط، لكنه يظل معرضًا للصدمات.



