مقالات

كيف تستعد الأسر والشركات للحرب والأزمات الاقتصادية؟

اقتصاد الحرب (4-4)

 

بقلم/ د. محمد الشبشيري
 Elshebshiry@outlook.com

لا تبدأ إدارة الأزمات الاقتصادية عند اندلاع الحرب أو تعطل سلاسل الإمداد، بل قبل ذلك بوقت كافٍ. فالأسر والشركات التي تدخل الأزمة من دون احتياطيات مالية أو بدائل تشغيلية تكون أكثر عرضة للخسائر، حتى إن لم تكن موجودة في منطقة الصراع.

وقد أظهرت الأزمات السابقة أن القدرة على الصمود لا تعتمد على حجم الدخل أو الأرباح وحده، بل تتأثر أيضًا بتوافر السيولة، ومرونة الإنفاق، وتعدد مصادر الإمداد، وسرعة اتخاذ القرار.

ومن هنا، لا يعني الاستعداد الاقتصادي توقع الحرب أو المبالغة في مخاطرها، بل بناء قدرة عملية على التعامل مع الصدمات عند وقوعها.

وعلى مستوى الدولة، تتطلب الاستجابة الفاعلة خطط طوارئ منسقة تحدد مسؤوليات الجهات التنفيذية، وتحافظ على الخدمات الأساسية وسلاسل الإمداد، وتضمن وصول الدعم إلى الفئات الأكثر تضررًا. كما ينبغي للسلطات النقدية الاستعداد لدعم سيولة النظام المالي واستمرارية المدفوعات، مع متابعة التضخم والاستقرار النقدي. ويساعد وضوح هذه الخطط والتواصل بشأنها الأسر والشركات على اتخاذ قرارات أفضل والحد من آثار الأزمة.

أولًا: الشركات وإدارة استمرارية الأعمال

تواجه الشركات في أوقات الحرب مجموعة من المخاطر المتداخلة، تبدأ بارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، وقد تمتد إلى تأخر وصول المواد الخام، وتعطل الموردين، وتراجع الطلب، وتأخر تحصيل المستحقات.

وتكمن المشكلة في احتمال ظهور هذه المخاطر في وقت واحد؛ فقد تواجه الشركة ارتفاعًا في تكاليف الإنتاج، وانخفاضًا في المبيعات، وتأخرًا في التحصيل. وهذا يضغط على تدفقاتها النقدية، حتى إذا ظلت أعمالها مربحة من الناحية المحاسبية.

لذلك، ينبغي أن تتضمن خطة استمرارية الأعمال أربعة عناصر أساسية:

1- تحديد العمليات والخدمات التي لا يمكن إيقافها، وتعيين المسؤوليات وبدائل التشغيل.

2- تنويع الموردين وتجنب الاعتماد على مصدر واحد للمواد أو الخدمات الحيوية.

3- الاحتفاظ بنسخ احتياطية آمنة من بيانات العملاء والموردين والعقود والوثائق المالية.

4- وضع خطة واضحة للتواصل مع الموظفين والعملاء والممولين عند حدوث اضطراب.

تنبيه: تؤكد إرشادات المركز الكندي للأمن السيبراني أهمية تحديد العمليات الحرجة ومصادر الموارد البديلة، ووضع خطط لاستعادة البيانات والخدمات، وتدريب فرق الاستجابة على تنفيذ الخطة.

ثانيًا: اختبار قدرة الشركة على تحمّل الصدمات

لا تكفي خطة الطوارئ النظرية؛ بل ينبغي اختبار قدرة الشركة على الاستمرار من خلال سيناريوهات مالية محددة.

يمكن، على سبيل المثال، إعداد ثلاثة سيناريوهات:

السيناريو الأول: ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والمدخلات بنسبة 10% لمدة ثلاثة أشهر.

السيناريو الثاني: ارتفاع التكاليف بنسبة 25% لمدة ستة أشهر، بالتزامن مع تعطل أحد الموردين الرئيسيين.

السيناريو الثالث: انخفاض الإيرادات بنسبة 30%، بالتزامن مع تأخر تحصيل المستحقات 60 يومًا.

ليس الهدف توقع حدوث هذه السيناريوهات حرفيًا، بل تقدير حجم السيولة المطلوبة، والأنشطة التي يمكن تقليصها، والالتزامات التي يجب الوفاء بها، والبدائل المتاحة قبل الوصول إلى مرحلة التعثر.

ومن أهم المؤشرات التي ينبغي متابعتها مدة كفاية السيولة، وتُحسب على النحو الآتي:

طريقة الحساب: النقد الحر المتاح ÷ متوسط العجز النقدي الشهري.

مثال تطبيقي: إذا كان لدى الشركة 1.2 مليون دولار من النقد الحر، وكان متوسط العجز النقدي الشهري في السيناريو الضاغط 400 ألف دولار، كفتها السيولة ثلاثة أشهر (1.2 مليون ÷ 400 ألف). أما إذا ارتفع العجز إلى 500 ألف دولار شهريًا، فتتراجع المدة إلى 2.4 شهر، أي نحو شهرين و12 يومًا.

ويجب هنا التمييز بين العجز النقدي والمصروفات الشهرية؛ فهذه الطريقة تقيس قدرة الشركة على تمويل الفجوة بين التدفقات النقدية الداخلة والخارجة، لا مجرد تغطية إجمالي نفقاتها.

ثالثًا: كيف تحمي الشركة هامش الربح؟

لا يؤدي ارتفاع تكلفة المدخلات بالضرورة إلى خسارة الشركة؛ إذ يتوقف حجم الأثر على نسبة المدخلات المتأثرة من الإيرادات، وعلى قدرة الشركة على تمرير الزيادة إلى العملاء.

يمكن تقدير الأثر المباشر في هامش الربح على النحو الآتي:

طريقة الحساب: حصة المدخلات المتأثرة من الإيرادات × نسبة ارتفاع تكلفتها × النسبة التي لم تُمرر إلى العملاء.

مثال تطبيقي: إذا كانت المدخلات المتأثرة تمثل 20% من الإيرادات، وارتفعت تكلفتها بنسبة 15%، بلغت الزيادة 3% من الإيرادات. وإذا استطاعت الشركة تمرير نصف هذه الزيادة إلى العملاء، بلغ الأثر المتبقي في الهامش نحو 1.5%، بافتراض ثبات حجم المبيعات وبقية التكاليف.

وتبرز هذه الحسبة أهمية مراجعة العقود والأسعار وشروط التوريد، والبحث عن بدائل أقل تكلفة، وتحسين كفاءة التشغيل، بدلًا من الاعتماد على رفع الأسعار وحده.

وأشار بنك كندا، في تقريره النقدي الصادر في يوليو 2026، إلى أن ارتفاع تكاليف الحرب ينتقل تدريجيًا عبر سلاسل الإمداد إلى المستهلكين. وقدّر التقرير أن ارتفاع أسعار البنزين قد يضيف نحو 1.4 نقطة مئوية إلى التضخم في الربع الثاني من عام 2026، وفق السيناريو الأساسي، وأن تمرير الشركات بعض التكاليف الإضافية قد يضيف نحو 0.4 نقطة مئوية إلى التضخم في الربع الأول من عام 2027.

وتوضح هذه التقديرات أن قرار الشركة تمرير التكلفة إلى المستهلك أو امتصاصها من الأرباح ليس قرارًا محاسبيًا فحسب؛ بل يرتبط أيضًا بقوة الطلب، وشدة المنافسة، والقدرة الشرائية للعملاء.

رابعًا: الأسرة والاحتياطي المالي

تتأثر الأسر بالأزمات الاقتصادية عبر قنوات مختلفة، أبرزها ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والسكن والنقل، أو تراجع الدخل نتيجة فقدان العمل أو انخفاض النشاط الاقتصادي.

لذلك، تتمثل الخطوة الأولى في تحديد النفقات الأساسية الشهرية، مثل السكن والغذاء والمرافق والنقل والالتزامات الضرورية، ثم بناء احتياطي نقدي يتناسب مع مستوى الدخل، واستقرار الوظيفة، والالتزامات العائلية.

إذا بلغت النفقات الأساسية للأسرة 5,000 دولار شهريًا، فسيكون الاحتياطي اللازم كما يأتي:

لتغطية ثلاثة أشهر: 15,000 دولار.

لتغطية ستة أشهر: 30,000 دولار.

ولا يلزم تكوين هذا الاحتياطي دفعة واحدة؛ إذ يمكن ادخار 500 دولار شهريًا للوصول إلى ما يعادل ثلاثة أشهر من النفقات خلال 30 شهرًا، وستة أشهر خلال 60 شهرًا، من دون احتساب أي عوائد أو سحوبات.

والأهم أن يكون الاحتياطي متاحًا عند الحاجة، وألا يعتمد بالكامل على بيع أسهم أو عقارات قد يصعب تسييلها في أثناء الأزمة. كما ينبغي تجنب الاقتراض الاستهلاكي غير الضروري، ومراجعة الالتزامات الشهرية، والحفاظ على تغطية تأمينية مناسبة.

خامسًا: الاستعداد لا يعني تجميد الاقتصاد

من المهم ألا يتحول الاستعداد للأزمات إلى حالة من الخوف، أو إلى توقف عن الاستثمار والإنفاق الضروري. فالإفراط في الاحتفاظ بالنقد قد يؤدي إلى تفويت فرص اقتصادية، كما أن خفض الإنفاق عشوائيًا قد يضر بالإنتاجية وجودة الحياة.

والهدف هو تحقيق التوازن بين السيولة والاستثمار، وبين خفض المخاطر والمحافظة على النشاط الاقتصادي. فالشركة تحتاج إلى الحفاظ على قدرتها على الإنتاج والتوظيف، والأسرة تحتاج إلى مواصلة تلبية احتياجاتها من دون استنزاف مواردها المالية.

وتقدم تجربة ما بعد الحرب العالمية الثانية درسًا مهمًا في هذا السياق:

ارتفع التضخم الأمريكي بعد رفع ضوابط الأسعار في عام 1946، وسجل معدل التضخم السنوي 5.9% في يوليو، قبل أن يتجاوز 15% في النصف الثاني من العام، وفق بعض القياسات.

ثم تطلبت إعادة بناء الاقتصادات الأوروبية برامج تمويل واستثمار واسعة، من أبرزها مشروع مارشال، الذي خصص نحو 13.3 مليار دولار للمساعدات خلال السنوات الأربع التالية لإطلاقه عام 1948.

وتؤكد هذه التجربة أن التعافي لا يتحقق بمجرد انتهاء الحرب؛ بل يتطلب استقرارًا ماليًا، وإعادة بناء القدرات الإنتاجية والبنية الأساسية، واستعادة ثقة الأسواق.

الخلاصة: الاستعداد استثمار في القدرة على الصمود

تكشف الحروب والأزمات الاقتصادية أن الخسائر لا تنتج دائمًا من نقص الموارد، بل قد تنجم أيضًا عن غياب التخطيط المسبق، وضعف السيولة، والاعتماد على مورد واحد، وعدم الاستعداد لتعطل النشاط.

وتتمثل أولويات الاستعداد فيما يأتي:

للشركات: ضمان استمرارية الأعمال، وتنويع الموردين، ومراقبة التدفقات النقدية، واختبار السيناريوهات الضاغطة.

للأسر: بناء احتياطي مالي مناسب، وإدارة الالتزامات الشهرية، وحماية القدرة الشرائية.

وفي النهاية، لا تستطيع الأسرة أو الشركة منع الصدمات الاقتصادية الكبرى، لكنها تستطيع الحد من آثارها إذا انتقلت من رد الفعل إلى التخطيط المسبق. فالقوة الاقتصادية لا تُقاس بما يملكه الفرد أو المشروع في أوقات الرخاء فحسب، بل بقدرته على الاستمرار عندما تشتد الظروف.

وتناولت هذه السلسلة اقتصاد الحرب من أربعة جوانب متكاملة: كيف أعادت الصراعات تشكيل الاقتصاد العالمي، وكيف تتأثر الأسواق والثروات، وكيف وصلت الاضطرابات إلى الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد، وما الذي كان بإمكان الأسر والشركات فعله للاستعداد. ولم تهدف السلسلة إلى إثارة الخوف أو التنبؤ بمكاسب مؤكدة، بل إلى فهم المخاطر وتعزيز القدرة على التعامل معها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى