مقالات

علاقة الصندوق السيادي KIA بمكتب الاستثمارKIO

الاقتصادية تنشر البحث القانوني للدكتور سعود الطامي بعنوان: الحصانة السيادية للأموال العامة الكويتية المستثمرة في الخارج…مكتب الاستثمار الكويتي نموذجاً ” والمنشور في مجلة الحقوق في جامعة الكويت (2)

 

بقلم: الدكتور سعود ناصر الطامي

محكم وموفق لدى مركز الكويت للتحكيم التجاري

 

تعرف صناديق الثروة السيادية Funds) Wealth (Sovereign على أنها ترتيبات للاستثمار ذات غرض خاص، تملكها الحكومة والأشخاص القانونية العامة لأغراض اقتصادية، بحيث تحتفظ تلك الصناديق بالأصول أو تتولى توظيفها أو إدارتها لتحقيق أهداف مالية،  مستخدمة  في ذلك استراتيجيات استثمارية تتضمن الاستثمار في الأصول المالية الأجنبية. ونظــرا لوجــود الفــوائض النفطيــة والمــواد البتروليــة الأوليــة فــي دول مجلــس التعـاون الخليجـي، فقـد اسـتغلت صـناديق الثـروة السـيادية الخليجيـة تلـك الفـوائض المالية في استثمارات داخلية وخارجية، مع التركيز أكثر على الاستثمار الخارجي. وبــرزت عــدة دول كمضــيفة لتلــك الاســتثمارات، فــي صــدارتها الولايــات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي.

وبوصفها كيانات اقتصادية تدير فوائض مالية للدولة من أجل الاستثمار، لها أن تؤسس وكلاء عنها في الدولة المضيفة لاستثماراتها، فمن المتصور أن يقع الخلط بين الكيان الأصلي المتمثل في الصندوق السيادي، وبين من يفوضه كوكيل عنه في الخارج لإدارة استثماراته.

هذا التصور وجدنا ملامحه في قضية 2022) Hard- v (KIO عند إشارة المدعي إلى تشبيه KIO بأنه شركة تابعة لشركة أخرى قابضة، والتأكيد على اعتبار KIO كيان قانوني مستقل في جلسات الاستماع أمام المحكمة في قضية .(ALATEEQI V. KIA/ 2024)

ولعل أوجه الاختلاف بين القضيتين:

أن المدعيين في 2022) Hard- v (KIO هم من مواطني المملكة المتحدة وفي علاقة تعاقدية مع KIO، عقد عمل، بينما في 2024) KIA/ V. (ALATEEQI كان المدعي من مواطني دولة الكويت، يشغل رئيس تنفيذي في KIO ويخضع لأحكام القانون الكويتي في التعيين بالوظائف العامة القيادية، قانون الخدمة المدنية وقانون إنشاء الهيئة العامة للاستثمار، مكتسبا للصفة الدبلوماسية كملحق مالي في البعثة الدبلوماسية الكويتية بالمملكة المتحدة.

ولا يفوتنا ذكر أن ورود رسالة من وزارة الخارجية البريطانية للمحكمة أثناء نظرها للقضية2024)  KIA/ V. ALATEEQI (، مفادها اعتراف المملكة المتحدة بالحصانة السيادية لمكتب الاستثمار الكويتي في لندن ما ألزم المحكمة بتطبيق “مبدأ الصوت الواحد” في الشؤون الخارجية.

ولدحض ادعاءات الخصوم بالنسبة لعدم حصانة KIO السيادية في القضيتين محل الدراسة، يتم التطرق للصفة القانونية للصندوق السيادي وعلاقته بمكتب الاستثمار في نقطتين على النحو التالي:

 

أولا: الصفة القانونية للصندوق السيادي الكويتي“KIA-

في قضية 2022) Hard- v (KIO وصفت المحكمة الصندوق السيادي الكويتي” KIA-على أنه الذراع الاستثماري لدولة الكويت، وفي قضية 2024) KIA/ V. (ALATEEQI، أسبغت المحكمة على الصندوق السيادي الكويتي وصف” الخزانة او الكنز الاستثماري لحكومة الكويت في الخارج”.

والواقع أن الوصف في القضيتين لم يكن دقيقا، من الوجهة القانونية، ذلك أن المشرع الكويتي سعى في المحافظة على الأموال المستثمرة الناجمة عن الوفورات النفطية، فأنشأ “الهيئة العامة للاستثمار”، أو كما يشار لها في المؤتمرات الدولية: The Kuwait Investment Authority (KIA).

وعلى غرار الهيئات والمؤسسات ذات الشخصية المعنوية المستقلة منح المشرع الكويتي الصندوق السيادي الكويتي “KIA-بقانون40 الشخصية المعنوية المستقلة، وتلحق بوزير المالية.

يتكون مجلس إدارة الصندوق، وفقا للمادة 8 من قانون إنشاء الهيئة، برئاسة وزير المالية، وعضوية كل من: وزير النفط ووكيل وزارة المالية ومحافظ البنك المركزي، وخمسة أعضاء آخرين من المختصين في مختلف مجالات الاستثمار يعينون بمرسوم لمدة أربع سنوات ويجوز إعادة تعينهم.

والواقع أنه وإن كان يشار للهيئة العامة للاستثمار أو (KIA) بوصف “الصندوق السيادي ” إلا أن هذا الوصف يعبر عن الهيئة كمرفق عام اقتصادي لإدارة أصول الصناديق الرئيسية للثروة السيادية في دولة الكويت، مثل: صندوق الاحتياطي العام 41(GRF)، وصندوق الأجيال القادمة.

 

كما قد يقوم الصندوق السيادي الكويتي “KIA-كمرفق عام اقتصادي بإدارة أية أموال أخرى يكلفها بها وزير المالية بمقتضى المادة الثانية من قانون إنشاء الهيئة العامة للاستثمار رقم 47 لسنة .1982

وعلى هذا النحو لا يملك الصندوق من الأصول المملوكة لدولة الكويت، لكنه مدير لهذه الأصول، ومهمته الرئيسية تكمن في تحقيق عائد استثمار طويل الأجل على الاحتياطيات المالية للدولة.

وإذا كانت الوفورات المالية والأصول التي يديرها الصندوق هي نتاج الإيرادات العامة النفطية، فإن مساهمة “مؤسسة البترول الكويتية” (43) في تمويل الصندوق من الوجهة القانونية هي مساهمة مرفق عام اقتصادي من المال العام.

صفوة القول أن دولة الكويت لجأت إلى إنشاء مرافق عامه اقتصادية، وعهدت بإدارتها إلى هيئات ومؤسسات عامه تتمتع باستقلال إداري معين يمكنها من تحقيق الغرض الذي أنشئت من أجله، وهو إشباع الحاجات العامة الاقتصادية، ومن أمثلتها الهيئة العامة للاستثمار، ومؤسسة البترول الكويتية، وغيرها.

ثانيا: العلاقة بين الصندوق السيادي KIA ومكتب الاستثمار KIO

في جلسات الاستماع بقضية 2024) KIA/ V. (ALATEEQI، كانت حصانة KIO السيادية هي محور الخلاف، وهو ما أكده المدعي مستندا إلى بعض السوابق القضائية أمام المحاكم الإنجليزية، إلا أن الوضع يختلف بالنسبة للصندوق السيادي الكويتي “KIA-الذي اكتسب حصانته السيادية منذ أن تعامل من خلال المكتب في لندن منذ خمسينات القرن الماضي.

تفصيل ذلك يعود إلى الاتفاقيات في فترة ما قبل الدستور الكويتي الصادر في عام 1962، وتحديد ما يتعلق بالعلاقات الكويتية البريطانية والتي بدأت من خلال معاهدة الحماية التي وقعتها الحكومة البريطانية مع حاكم الكويت آنذاك، وفي عام 1952 أصدر أمير دولة الكويت الشيخ عبد الله السالم الصباح قرارا باستثمار عائدات النفط لصالح مواطني دولة الكويت، وأبرمت في عام 1953 معاهدة بين الكويت وبريطانيا من أجل الاستفادة من عائدات النفط الكويتية في الاستثمارات خارج الدولة.

كما تضمن القرار المساهمة في تنمية الاقتصاد البريطاني وتعميق العلاقات السياسية، عن طريق ما سمي آنذاك “بمجلس الاستثمار الكويتي”،the Kuwait Investment Board (“KIB”) الذي يعد في الأوساط الاقتصادية أول وأقدم صندوق سيادي استثماري على مستوى العالم.”

وأصبح المكتب يمارس دوره نيابة عن دولة الكويت سواء بالنسبة لإدارة الأصول والأموال المستثمرة في الخارج، أو في ضمان أرباح لصندوق الاحتياطي العام (GRF)، وصندوق الأجيال القادمة (FGF)، دون أن يشارك KIO في إدارة الأصول المحتفظ بها كل من لصندوق الاحتياطي العام (GRF)، وصندوق الأجيال القادمة .(FGF)

وعندما أنشئت الهيئة العامة للاستثمار KIA عام 1982 رأت بأن تزايد الاستثمارات الكويتية الخارجية يقتضي أن تخصص شركات متخصصة للتعامل مع الاستثمار في أسواق معينة أو فئات الأصول، ففي لندن على سبيل المثال تم تكليف مجلس إدارة KIO بالإشراف على أصول الاستثمارات الكويتية في البنية التحتية لبعض دول العالم.

غاية الأمر أن “مكتب الاستثمار الكويتي”KIO- لم يكن له شخصية مستقلة عن “الصندوق السيادي الكويتي”KIA-، وكل ما في الأمر أن “المكتب” أصبح يقوم على إدارة محافظ استثمارية مملوكة بالكامل بنسبة %100 لدولة الكويت تحت إشراف “الصندوق.”

ولعل في إدارة صندوق الأجيال القادمة (FGF)، ما يؤكد على التلازم

بين “الصندوق”،  و”المكتب” أن الجزء المخصص من أصول (FGF) للاستثمارات الخارجية يعهد به “الصندوق” مباشرة إلى مجلس إدارة KIO كمتخصصين في الاستثمار.

مع الوضع في الاعتبار أنه يضاف إلى صندوق الاحتياطي العام (GRF) صافي الإيرادات الناتجة عن استثمار FGF)) بعد قطع نسبة منها تحدد كل سنة بقانون، وقد جرى العرف على أن تتقدم وزارة المالية باقتراحاتها إلى مجلس الوزراء بما تراه في هذا الشأن، ثم يصدر قانون من البرلمان بتحديد هذه النسبة المئوية.

ولما كان الصندوق السيادي الكويتي“KIA-، كما سبق القول، من المرافق العامة الاقتصادية،  فإن  النظام القانوني الذي يحكم هذه المرافق الاقتصادية، هو نظام مزدوج أو مختلط، ذلك أن الأصل خضوع تلك المرافق لأحكام القانون العام، إلا أن طبيعة نشاطها، وتعاظم دعمها لدور الدولة في النشاط الاقتصادي، اقتضى ابتكار قواعد تتوافق وعلاقاتها التجارية، تخضع للقانون العام والخاص معا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى