مقالات

اقتصاد الأرقام وواقع الناس

 

بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
 Elshebshiry@outlook.com

تتسع الفجوة يومًا بعد يوم بين الواقع الاقتصادي الذي يعيشه الناس، وبين القرارات التي تتخذها الحكومات والنخب الاقتصادية باسم “الإصلاح” و”العقلانية”. هذه الفجوة ليست مجرد في وجهات النظر، بل هي تباين حاد بين لغة النماذج الرياضية والمؤشرات الكلية التي تتحدث عن الناتج المحلي الإجمالي واستقرار الأسواق، وبين تجربة المواطن اليومية التي تتسم بتآكل الدخل الحقيقي، وتزايد الهشاشة الاقتصادية، وتحول القلق المعيشي إلى شعور عام لا يحتاج إلى إحصاءات لإثباته. إن هذا الانفصال يطرح تساؤلات جوهرية حول أولويات السياسة الاقتصادية الحديثة.

إن جوهر المشكلة لا يكمن في جهل صانعي القرار بالواقع، بل في تبني رؤية ترى الاقتصاد من أعلى، من منظور الاستقرار المالي والأسواق، وتتجاهل زاوية حياة الناس. في هذا المنظور، لا تُعد الأرقام غاية في ذاتها، بل أدوات تُستخدم لتبرير خيارات سياسية محددة. فعندما ترتفع الأسعار، يُطمئننا الخطاب السائد بأن التضخم “انتقالي” أو “ناتج عن عوامل خارجية”. وحين تتراجع الأجور الحقيقية، يُطلب من العمال “الصبر” أو “رفع كفاءتهم”. وحين تتسع الفجوة الطبقية بشكل مقلق، يُشار إلى أن النمو الكلي ما زال إيجابيًا. المشكلة ليست في وجود الأرقام، بل في الانتقائية التي تختار بها السياسات ما تراه وما تقرر تجاهله من هذه الأرقام.

الاقتصاديون وأولويات السوق

يُجسّد لاري سمرز، أحد أكثر الاقتصاديين نفوذًا في العقود الأخيرة، هذا النمط من التفكير بوضوح. فمسيرته المهنية التي تنقلت بين وزارة الخزانة، والبيت الأبيض، وجامعة هارفارد، جعلت منه نموذجًا لـ “اقتصادي السلطة ” الذي يتبنى أيديولوجية تمنح الأولوية المطلقة لاستقرار الأسواق والانضباط المالي، حتى عندما يكون الثمن الاجتماعي باهظًا. لقد كان سمرز من الداعمين لتحرير القطاع المالي قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008، كما عُرف بدعوته المتكررة لتشديد السياسات النقدية وضبط العجز الحكومي. في كل هذه المحطات المفصلية، ظل همّ الأسواق حاضرًا بقوة، بينما تراجعت اعتبارات العمل، والأجور، والأمان الوظيفي إلى الهامش. إن النقد هنا لا يستهدف شخصًا بعينه، بل يكشف عن مدرسة فكرية مهيمنة ترى الاقتصاد من منظور النخب المالية وتُهمّش واقع الأغلبية الساحقة من الناس.

من يدفع الثمن؟

في الآونة الأخيرة، راهنت الحكومات في الغرب والجنوب على موجات استثمار ضخمة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وعلى تشديد مالي بدعوى مكافحة التضخم وضبط الديون. وقد تم تسويق هذه السياسات بلغة “الكفاءة” و”الانضباط المالي”. لكن في الواقع، لم يشعر المواطن العادي إلا بارتفاع الإيجارات، وتآكل القوة الشرائية، وتزايد عدم اليقين الوظيفي. تتجلى الفجوة بوضوح حين ننظر إلى من يتحمل كلفة هذه القرارات:

* السياسة النقدية (رفع الفائدة): بينما يهدف رفع أسعار الفائدة إلى ترويض التضخم وإرضاء الأسواق المالية، فإن تأثيره يكون مدمرًا على المشروعات الصغيرة والأسر المثقلة بالديون. ففي الولايات المتحدة، أدى الرفع غير المسبوق للفائدة منذ عام 2022 إلى ارتفاع حاد في أقساط الرهن العقاري، مما أبعد شريحة واسعة من الشباب عن حلم امتلاك مسكن، كما زاد من تكلفة الاقتراض للشركات الصغيرة، مما أبطأ نموها أو دفعها نحو الإفلاس.

* التقشف المالي: التقشف لا يمس أصحاب الثروات الكبيرة بنفس الدرجة التي يمس بها أصحاب الدخول الثابتة. ففي أوروبا، أدت القواعد المالية الصارمة إلى تقليص الإنفاق على الصحة والتعليم والخدمات العامة، مما أضر بالبنية التحتية الاجتماعية على المدى الطويل، بينما استمر دعم البنوك والشركات الكبرى عند أول تهديد للاستقرار المالي، في ازدواجية واضحة للمعايير.

* إصلاحات الجنوب العالمي: برامج “الإصلاح” المرتبطة بالمؤسسات الدولية غالبًا ما تشترط خفض الدعم وتحرير الأسعار وتقليص الأجور العامة، دون توفير شبكات حماية كافية. النتيجة تكون غالبًا ارتفاعًا كارثيًا في كلفة الغذاء والطاقة، واتساع الفقر، واحتجاجات اجتماعية تُوصَف لاحقًا بأنها “مخاطر سياسية” بدل الاعتراف بأنها رد فعل منطقي على سياسات تجاهلت الواقع المعيشي.

* اقتصاد التكنولوجيا: في مجال الذكاء الاصطناعي، تُضَخ مليارات الدولارات في مراكز البيانات، بينما يعمل مئات الآلاف حول العالم في وظائف هشة لتغذية هذه الأنظمة بالبيانات، بأجور متدنية ودون حماية اجتماعية. الأرباح تُسجَّل في دفاتر الشركات العملاقة، بينما يُترك العمال يواجهون عدم الاستقرار الوظيفي وتآكل الدخل، في مثال صارخ على اقتصاد يُكافئ رأس المال ويهمّش العمل.

دروس من التجربة

إن الخطاب الاقتصادي السائد يميل إلى تطبيع هذه الفجوة، مُروّجًا لفكرة أن “السوق ستصحح نفسها”، وأن الخاسرين اليوم سيستفيدون غدًا. لكن التجربة المتراكمة تقول عكس ذلك: الخسائر غالبًا ما تُصبح دائمة، بينما تتراكم المكاسب في القمة. إن الإخفاقات المتكررة للسياسات التي تتبنى هذا المنظور، والمتمثلة في تجربة اقتصاديين نافذين مثل لاري سمرز، تُقدّم خريطة واضحة للإصلاح. يمكن تلخيص الدروس المستفادة في خمس نقاط رئيسية:

* أولوية الواقع المعيشي: يجب أن تتجاوز السياسة الاقتصادية التركيز الأحادي على مؤشرات النمو الكلي والناتج المحلي الإجمالي. يجب أن تكون الأولوية القصوى لواقع الناس المعيشي، ومستوى دخلهم الحقيقي، وجودة الخدمات العامة المقدمة لهم. إن الاقتصاد الذي لا ينعكس إيجاباً على حياة الأفراد هو اقتصاد قاصر عن تحقيق الغاية المرجوة، مهما كانت أرقامه الكلية “إيجابية”.

* مساءلة أولويات الاقتصاديين: يجب مساءلة النماذج الاقتصادية التي تضع الانضباط المالي واستقرار الأسواق فوق الاعتبارات الاجتماعية. هذا يتطلب تحولاً في الأطر الفكرية للمؤسسات الأكاديمية والمالية، بحيث يتم إدماج مفاهيم العدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية كأهداف أساسية، وليس كملحقات ثانوية للنمو.

* توزيع عادل للتكاليف: لا يمكن أن يستمر تحميل الفئات الأضعف العبء الأكبر من تكاليف الإصلاح والأزمات. يجب تصميم السياسات المالية، بما في ذلك الضرائب والإنفاق، لضمان أن تتحمل الفئات الأكثر ثراءً والشركات الكبرى حصتها العادلة من التضحيات، بدلاً من تحميلها على أصحاب الدخول الثابتة والفئات الفقيرة.

* رفض وهم التصحيح الذاتي: يجب التوقف عن ترويج فكرة أن “السوق ستصحح نفسها” وأن “الخسائر مؤقتة”. هذا الوهم يبرر التقاعس عن التدخل السياسي الفعال. يجب الاعتراف بأن الخسائر الاجتماعية غالبًا ما تُصبح دائمة، وتؤدي إلى تفاقم عدم المساواة، مما يستدعي تدخلات حكومية استباقية وموجهة لحماية الفئات المتضررة.

* اقتصاد متمحور حول الإنسان: يجب التحول نحو علم اقتصاد أذكى، وأكثر عدالة، وأكثر مساءلة، يضع رفاه الإنسان والكوكب الذي يعيش عليه في صميم قراراته. هذا يعني الابتعاد عن النماذج التي تُقدّم الوجاهة والربح والمعادلات الأنيقة على حساب البشر والطبيعة، والتوجه نحو اقتصاد يهدف إلى تحقيق الاستقرار الاجتماعي والبيئي إلى جانب الاستقرار المالي.

إن الإخفاقات المتكررة للسياسات التي تتبنى هذا المنظور تُقدّم خريطة واضحة للإصلاح. المطلوب هو تحول جذري يتجاوز علم الاقتصاد كونه تخصصًا يُقدّم الوجاهة والربح والمعادلات الأنيقة على حساب البشر والطبيعة.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى