مدى امتداد الحصانة القضائية للصندوق السيادي KIA إلى مكتب الاستثمارKIO
بقلم: د. سعود ناصر الطامي
محكم وموفق لدى مركز الكويت للتحكيم التجاري
* الاقتصادية تنشر البحث القانوني للدكتور سعود الطامي بعنوان: الحصانة السيادية للأموال العامة الكويتية المستثمرة في الخارج…“مكتب الاستثمار الكويتي نموذجاً ” والمنشور في مجلة الحقوق في جامعة الكويت (3)
لمعرفة الحصانة ضد ممارسة الولاية القضائية التابعة لدولة أخرى يجب فهم أن الحصانة السيادية للدولة تدور حول معنى واحدٍّ لهذا المصطلح، الذي مؤداه ” عدم جواز إخضاع الدولة فيما تقوم به من أعمال أو تصرفات لرقابة وإشراف قضاء دولة أجنبية دون رضاها.
وتعتبر ” الحصانة السيادية للدولة ” من المبادئ المسلم بها والراسخة في القانون الدولي العام وهو ما عبرت عنه صراحة “اتفاقية الأمم المتحدة لحصانات الدول وممتلكاتها من الولاية القضائية.
والحصانة السيادية التي تتمتع بها الدولة في هذا الشأن تكون موجهة ضد ممارسة الولاية القضائية التابعة لدولة أخرى، وليست ضد المسئولية القانونية الوطنية والدولية، وبعبارة أخرى، فإن الحصانة السيادية للدولة لا تعنى مطلاقا إعفـاء تصرفها المتمتع بالحصانة من المسئولية الموضوعية القانونية؛ إذ كل ما يترتب على تمسكها بالحصانة هنا هو إعفاؤها من المثول أمام المحاكم الداخلية لإحدى الدول الأجنبية احتراما لسيادتها.
ومع هذا لا يحول ذلك بين المضرور والطعن على مثل هذا التصرف أمام المحاكم الداخلية للدولة المدعى عليها، والتي في حالة فشلها في تعويض وإزالة الضرر الذي أصابه يمكن للمضرور في هذه الحالة اللجوء إلى دولته؛ وذلك لتحــريك دعوى الحماية الدبلوماسية أمام القضاء الدولي أو تسوية النزاع بأي طريقة سلمية أخرى.
ونتصور بأن المضرور، في القضيتين محل الدراسة، كان يرغب، في حال الاعتراف بالحصانة السيادية “مكتب الاستثمار الكويتي- KIO” بالحصول على حكم مع إمكانية التنفيذ على أمواله في دولة الكويت.
هذا التصور وجدنا ملامحه في قضية (2022 Hard- v KIO ) عند إشارة المدعي إلى الصفة القانونية لمكتب الاستثمار الكويتي- لندن KIO، وتم التأكيد عليه في جلسات الاستماع أمام المحكمة في قضية ( KIA V. ALATEEQI 2024 ) عند الاستدلال على عدم خضوع الكيان المستقل عن الدولة
لأحكام اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.
وذات الملامح في جلسات الاستماع بقضية ( KIA V. ALATEEQI 2024 )، حيث دفع محامي المدعي بأن مكتب الاستثمار الكويتي- لندن KIO فشل في إثبات أنه ككيان مستقل محصن من الولاية القضائية للمحاكم الإنجليزية بمقتضى المادتين /2/14أ، /2/14ب.
ومع ذلك فإن هذا التصور يواجه صعوبة في الواقع العملي ذلك أن قانون المرافعات المدنية والتجارية الكويتي (الكتاب الثاني _ التنفيذ)، يمنح صراحة في المادة( أ /216) حصانة مطلقة من التنفيذ على الأموال العامة والخاصة لدولة الكويت كقاعدة عامة.
وينبغي التفرقة هنا بين ” الولاية القضائية ” من جانب، و”الحصانة من الولاية القضائية ” من جانب آخر؛ إذ إن الفكرتين مختلفتان وإن كانتا مترابطتين يشترط حتى تُطْرَح مسألة حصانة الدولة القضائية أمام المحاكم الأجنبية ينبغي أن يتوافر ابتداء شرط الولاية القضائية لدى هـذه المحاكم وفـقـا لقواعد الاختصاص القضائي الداخلي أو الدولي، ففي هــذه الحالة فـقـط يمكن أن نتحدث عن حصانة الدولة القضائية.
ومن التطبيقات القضائية لهذه الحالة حكم المحكمة الفيدرالية العليا في سويسرا الصادر في 19يونيو 1980 الذي رفضت فيه اتخاذ أية إجراءات للتنفيذ الجبري ضد ليبيا لصالح الشركة الأمريكية الليبية للنفط (LIMACO)، على الرغم من وجود أصول وموجودات لدولة ليبيا داخل الإقليم السويسري، وقررت أن ذلك الرفض لم يقم على أساس ما تتمتع به ليبيا من حصانة ضد التنفيذ، ولكن على أساس افتقار المحاكم السويسرية لـ “شرط وجود علاقة محلية كافية” بين النزاع وبين سويسرا كشرط لازم لانعقاد الاختصاص للمحاكم السويسرية، وبأن مجرد وجود أصول المدين لا يعطي سويسرا القدرة على خلق هذه العلاقة، ومِن ثَمّ تقرير الاختصاص.
ويلاحظ أن الأثر المترتب على الاعتراف بتوافر شروط وجود الحصانة السيادية “لمكتب الاستثمار الكويتي-KIO ” هو “الانتفاء المطلق للولاية القضائية للدولة المضيفة للاستثمارات الكويتية”، بمعنى أن أثرها لا يقتصر على أحد أنواع المحاكم_ وعلى فرض تعددها _ بل يمتد لكافة أنواع المحاكم وباختلاف أسمائها لتشمل جهة القضاء العادي والقضاء الإداري، فضلا عن المحاكم الخاصة والاستثنائية وبالإضافة كذلك إلى كافة اللجان ذات الاختصاص القضائي داخل دولة المحكمة.
ولا يقتصر مصطلح ” الحصانة السيادية “لمكتب الاستثمار الكويتي -KIO” من الولاية القضائية على تتمتع المكتب بتلك الحصانة أمام المحاكم الأجنبية على الإعفاء من ممارسة سلطة الفصل في الدعوى فحسب، بل يتسع ليشمل كذلك الإعفاء من ممارسة جميع الاختصاصات الإدارية والتنفيذية الأخرى، كالأوامر القضائية الصادرة بـ (التحقيق والفحص وانتداب الخبراء والتدابير المؤقتة) وغيرها من القرارات التي يمكن أن تشكل بدءا أو شروعا في الإجراءات، ويضاف إلى ذلك الإعفاء من اتخاذ حجوزات تحفظية أو تنفيذية على ممتلكات دولة، وهي التي يمكن أن تصدر عن محكمة أجنبية.
ومِن ثمّ يمكن التمييز بين نـوعين من الحصانة السيادية لمكتب الاستثمار الكويتي- لندن KIO: النوع الأول ضد الإجراءات القضائية، والنوع الثاني الحصانة ضد التنفيذ والتي تستقل تماما عن الأولى بالرغم من الصلة الوثيقة بين النوعين.
الحصانة ضد إجراءات التنفيذ لا تعتبـر أثارا ولا نتيجة للحصانة القضائية ضد الإجراءات، فالحصانة السيادية “ضد الإجراءات” تهدف إلى الحيلولة دون مثول “مكتب الاستثمار الكويتي -KIO” أمام القضاء الوطني لدولة المقر المضيفة للاستثمارات الكويتية منعا لاستدراج أو إجبار دولة الكويت من أن تدخل طرفا في أية نزاعات كان “مكتب الاستثمار الكويتي -KIO” طرفا فيها أمام المحاكم الأجنبية احتراما لسيادة واستقلال دولة الكويت.
أما لحصانة “مكتب الاستثمار الكويتي- KIO” ضد إجراءات التنفيذ تسعى إلى عرقلة “إجراءات التنفيذ الجبري” على الأموال المستثمرة التي هي بحسب الأصل كما انتهينا تندرج ضمن مفهوم المال العام.
وترتيبا على ما سبق، فإن فقد الدولة لحصانتها القضائية ضد الإجراءات بخصوص فعل معين يندرج ضمن فئة الأفعال المستثناة من نطاقها لا يستتبع بطريقة تلقائية فقدها كذلك لحصانتها القضائية ضد التنفيذ، اللهم إلا إذا كانت الممتلكات المراد التنفيذ عليها تدخل هي الأخرى ضمن فئة الممتلكات المستثناة من نطاق الحصانة ضد التنفيذ.




