جهاز حماية المنافسة: “السوق العادلة ليست خياراً بل واجباً”
بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com
-
أهم ما جاء في دليل جهاز “حماية المنافسة” لضبط سوق توصيل الطلبات.
-
كان التوصيل يكلفنا أكثر من الطلب، اليوم أصبحت الوجبة تصل 2دينار وفي مناطق مجاناً!
-
التوسع صار شامل والمزايا كبرت (بدون رسوم خدمة ونقاط مكافأة!).
-
وجود جهاز حماية المنافسة نقطة قوة لسوق الكويت.
-
جهاز حماية المنافسة يحذّر من الممارسات التي قد تبدو “ذكية تجارياً”، لكنها في الحقيقة تُقوّض أسس الاقتصاد التنافسي
-
الانتقال من «دليل إرشادي» إلى «لائحة قطاعية» لأسواق المنصات الرقمية ومتطلبات خاصة لحوكمة بيانات العملاء.
أقدم لكم اليوم تأملاً في أحد أهم أركان السوق الحرة والعادلة، وهو الذي يحمي المنافسة من أطماع الاحتكار والتواطؤ. في ظل النمو السريع للتجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية في بلادنا، يأتي جهاز حماية المنافسة ليذكّرنا – بل ويحذّر – من الممارسات التي قد تبدو “ذكية تجارياً”، لكنها في الحقيقة تُقوّض أسس الاقتصاد التنافسي الذي نسعى إليه.
أولاً: التواطؤ على الأسعار.. خط أحمر لا يُمس
يُعد تحديد الأسعار – سواء بالرفع أو الخفض أو التثبيت – سواء كان مباشراً أو من خلال شروط خفية، أحد أخطر أشكال الإخلال بالمنافسة. فهو يُجمّد آلية العرض والطلب الطبيعية، ويحرم المستهلك من فوائد السوق الحرة. كذلك، فرض شروط تجارية مقيدة على البيع أو التوزيع أو التوريد، أو أي سلوك يتعارض مع حرية السوق، يُعتبر مخالفة صريحة للقانون. هذه الممارسات ليست مجرد “استراتيجيات تسعير”، بل هي محاولة للتحكم في السوق بدلاً من التنافس فيه.
ثانياً: تقسيم السوق.. تقاسم الكعكة بدلاً من توسيعها
من أبرز المحظورات أيضاً تقسيم الأسواق أو اقتسامها، سواء حسب المناطق الجغرافية، أو حجم المبيعات، أو نوع المنتجات، أو أي معيار آخر يحد من المنافسة. هذا السلوك يُحوّل السوق الواحد إلى “إقطاعيات” يسيطر عليها المتواطئون، مما يُضعف الابتكار ويرفع الأسعار على حساب المستهلك الكويتي.
ثالثاً: التواطؤ في العطاءات والمعلومات الحساسة.. خيانة الشفافية
يحظر القانون صراحة التواطؤ في العطاءات أو العروض، سواء لبيع أو شراء أو توريد المنتجات. ويشمل ذلك تبادل المعلومات التجارية الحساسة مثل الأسعار، العمولات، التكاليف، أو قوائم العملاء. حتى سؤال المنصة لبائعيها عن تعاملاتهم مع المنافسين، أو طلب البائع معلومات عن المنافسين من المنصة، يُعد ممارسة مشبوهة قد تؤدي إلى مخالفة قانونية. الشفافية هنا ليست رفاهية، بل شرط أساسي لسوق نزيه.
الإخلال بالمنافسة: قائمة الممنوعات اليومية
تؤكد المادة 6 من القانون حظر أي اتفاقات أو ممارسات منسقة تُخل بالمنافسة أو تحد منها أو تمنعها. ومن أبرز الأمثلة التي قد تكون شائعة في عالم المنصات الرقمية:
– فرض أسعار أو حد أدنى لإعادة البيع، أو شروط مقيدة لإعادة البيع.
– البيع بأقل من التكلفة الحقيقية أو متوسط التكلفة المتغيرة (لإقصاء المنافسين).
– منع البائعين من تقديم عروض أفضل على منصات أخرى أو قنوات بيع مستقلة.
– إلزام البائعين بعدم التعامل مع منصات منافسة.
– التمييز بين المتاجر بعمولات أو شروط مختلفة دون مبرر موضوعي.
– رفض التعامل مع متاجر دون سبب مشروع.
إساءة استغلال الوضع المهيمن: قوة لا تُسيء استخدامها
تنص المادة 8 على حظر استغلال الوضع المهيمن إذا أدى إلى تقييد المنافسة. وتشمل الأمثلة:
– فرض أسعار أو شروط إعادة بيع غير عادلة.
– عرقلة دخول منافسين جدد أو إخراجهم من السوق.
– فرض التزامات تعجيزية أو غير ضرورية.
– اختلاق عجز أو وفرة مصطنعة في المنتجات.
– التمييز بين العملاء في عقود متشابهة (أسعار، عمولات، أجور توصيل).
– منع التعامل مع منافسين عبر التزامات تعاقدية.
– حجب المنتجات كلياً أو جزئياً.
– رفض التعامل مع عميل دون مبرر قانوني.
هذه الخطوة تضع الكويت في مسار متقارب مع اتجاهات خليجية أوسع لتقنين اقتصاد المنصات الرقمية، لكنها ما زالت أقل تفصيلاً وصلابة من بعض التجارب في السعودية والإمارات. الدليل الإرشاديي موجهاً لقطاع خدمات توصيل الطلبات الاستهلاكية عبر المنصات والتطبيقات الذكية في البلاد، ليشكّل إطاراً تنظيمياً يهدف إلى توجيه جميع أطراف السوق نحو الالتزام بمبادئ المنافسة الحرة والعادلة. وهذا الدليل الإرشادي يعتبر خطوة تنظيمية مهمة في الكويت لضبط سوق توصيل الطلبات عبر التطبيقات الذكية، عبردليل إرشادي أصدره جهاز حماية المنافسة كإطار شبه ملزم لسلوك اللاعبين الكبار في السوق، مع تركيز خاص على حماية المستهلك ومنع الممارسات الاحتكارية.
أولاً: مضمون قواعد جهاز حماية المنافسة في الكويت
- الدليل الإرشادي موجَّه لقطاع خدمات توصيل الطلبات الاستهلاكية عبر المنصات والتطبيقات، ويهدف إلى ضبط العلاقة التعاقدية بين شركات التوصيل من جهة، والمطاعم والمتاجر والعملاء من جهة أخرى، ضمن إطار قانون حماية المنافسة الكويتي.
- جوهر القواعد يدور حول: منع فرض شروط احتكارية على المطاعم (مثل حصرية التعامل أو منع التعاقد مع منصات منافسة)، الحد من إساءة استغلال الوضع المهيمن في السوق، تعزيز الشفافية في العمولات والأسعار، وحماية بيانات المستهلكين من الاستغلال غير العادل.
ثانياً: السياق الكويتي – من «كارتل» التوصيل إلى دليل إرشادي
- شهد سوق التوصيل سابقاً ملاحظات بارزة مع شركات التوصيل الكبرى ، حيث كان من الملاحظ وجود عقود تفرض على المطاعم عدم التعامل مع منافسين، وغرامات ما كشف وجود قوة سوقية مهيمنة لا تزيد عن اثنين أو ثلاث تقريباً.
- الدليل الجديد يأتي استكمالاً لهذا المسار: بدل الاقتصار على معالجة حالات فردية، يتم وضع قواعد عامة لسوق التوصيل، بما يُقلّل من التعاقدات المقيّدة للمنافسة، ويحسّن قدرة المطاعم الصغيرة والمتوسطة على التفاوض، ويمنح جهاز حماية المنافسة مرجعية واضحة عند التحقيق في الشكاوى.
ثالثاً: الأبعاد الاقتصادية والتنظيمية لقواعد التوصيل في الكويت
- اقتصاديًا، سوق التوصيل عبر التطبيقات أصبح جزءًا من البنية الاستهلاكية اليومية، وله أثر مباشر على الأسعار، وهوامش المطاعم، وتنوع الخيارات أمام المستهلك؛ تضييق الممارسات الاحتكارية يمكن أن يفتح المجال لدخول منصات جديدة ويضغط على العمولات والرسوم.
- تنظيميًا، الدليل الإرشادي يمثل «تقنينًا ناعمًا» Soft Regulation: قواعد عامة وتوجيهات، مع ربطها بقانون المنافسة، لكن من دون إنشاء هيئة قطاعية مستقلة لسوق المنصات الرقمية كما في بعض الدول، ما يجعل قوة التطبيق مرتبطة بمدى فاعلية جهاز حماية المنافسة وقدرته على التحقيق وفرض الغرامات.
أوجه التشابه والاختلاف الجوهرية مع دول الخليج العربي.
- التشابه:
- جميع دول الخليج تتبنى قوانين منافسة تحظر الاتفاقات التقييدية، وإساءة استغلال الوضع المهيمن، والتركيز الاقتصادي الضار بالمنافسة، مع قابلية تطبيقها على منصات التوصيل.
- هناك إدراك مشترك بأن اقتصاد المنصات (ومن ضمنه توصيل الطلبات) أصبح قطاعًا استراتيجيًا يحتاج تنظيمًا يحمي المستهلك ويضمن مساحة للاعبين الجدد.
- الاختلاف:
- السعودية والإمارات ذهبتا أبعد في استخدام قانون المنافسة للتعامل مع صفقات الاندماج والاستحواذ في الاقتصاد الرقمي (مثال: منع أو تقييد صفقات استحواذ تؤدي لسيطرة لاعب واحد على السوق).
- الكويت حتى الآن تتحرك أكثر عبر «دليل سلوكي» للممارسات التنافسية في سوق التوصيل، وليس عبر قرارات اندماجية كبرى.
تقييم نقدي لموقع الكويت مقارنة بدول الخليج العربي
- من منظور حماية المنافسة في سوق التوصيل، الدليل الكويتي خطوة متقدمة عن الوضع السابق (الشكاوى والقضايا الفردية)، لكنه يظل أقل تطورًا من أنظمة تتضمن اشتراطات إخطار إلزامية للاندماجات الرقمية ومراجعة هيكل السوق دوريًا كما في السعودية.
- نقطة قوة الكويت هي وجود جهاز حماية المنافسة لديه سوابق مباشرة مع منصات التوصيل، ووعي تراكمي بطبيعة ممارساتها، ما يجعل الدليل الإرشادي أقرب إلى «تقنين خبرة عملية» أكثر من كونه نصًا نظريًا.
دلالات للمستقبل: ما الذي يمكن تطويره؟
- يمكن للكويت أن تنتقل من «دليل إرشادي» إلى «لائحة قطاعية» لأسواق المنصات الرقمية، تتضمن: عتبات واضحة للتركيز الاقتصادي في قطاع التوصيل، قواعد شفافة للعمولات، والحد الأقصى لشروط الحصرية، ومتطلبات خاصة لحوكمة بيانات العملاء.
- كما يمكن الاستفادة من التجربة السعودية في التعامل مع صفقات الاستحواذ في قطاع التوصيل، من خلال إخضاع أي اندماج بين منصات كبرى في السوق المحلي لإخطار مسبق ومراجعة تنافسية صارمة، منعًا لتكرار حالات تركّز شبه احتكاري.
الخاتمة: وبهذا المعنى، ما ورد في قواعد جهاز حماية المنافسة لضبط سوق توصيل الطلبات يمكن قراءته كبداية لتشكّل «قانون منصات كويتي» غير مكتمل بعد، لكنه يتحرك في الاتجاه نفسه الذي تسلكه بقية دول الخليج، مع حاجة واضحة إلى مزيد من التفصيل والربط المنهجي بقانون المنافسة، وحماية البيانات، وقانون التجارة الإلكترونية.
جهاز حماية المنافسة هو حارس للسوق الحرة التي نريدها مزدهرة وعادلة ويعتبر “شرطياً اقتصادياً” يبحث عن المخالفات. في عصر المنصات الرقمية، حيث تتسارع الصفقات وتتعدد اللاعبين، يصبح الالتزام بهذه القواعد ضرورة لضمان بقاء الجميع – من البائع الصغير إلى المستهلك العادي – في سوق تنافسي حقيقي. فالمنافسة العادلة هي الضمانة الأولى للنمو الاقتصادي المستدام في أي بلد.




