مقالات

حصون “المساهمة العامة”: هل يمكن ملاحقة “كبار الملاك” خلف أسوار الشركة المنهارة؟

 

بقلم/ المحامي هشام الفهد

تتربع الشركات المساهمة العامة على قمة الهرم الاقتصادي، فهي ليست مجرد مشاريع تجارية، بل هي مؤسسات وطنية عملاقة، محرك للنمو، ووعاء لمدخرات آلاف الصغار من المستثمرين. ولحماية هذا الصرح، أحاطها المشرّع بسياج منيع من الحوكمة والرقابة، وجعل من مبدأ “المسؤولية المحدودة” للمساهم عقيدة راسخة، حيث لا يُسأل المساهم عن ديون الشركة إلا في حدود قيمة الأسهم التي يمتلكها. هذا المبدأ هو حجر الزاوية الذي يشجع على تدفق رؤوس الأموال ويمنح الثقة للجمهور.

ولكن، التاريخ المالي حافل بقصص شركات مساهمة كبرى انهارت ليس بسبب تقلبات السوق، بل بفعل فاعل. قصص تحوّل فيها “كبار الملاك” أو “المجموعة المسيطرة” إلى ذئاب في ثوب حملان، فاستغلوا نفوذهم في مجلس الإدارة لتوجيه قرارات الشركة لخدمة مصالحهم الخاصة أو شركاتهم الأخرى، وعقدوا صفقات مشبوهة مع “أطراف ذات صلة”، وفرّغوا أصول الشركة من مضمونها، ثم تركوها هيكلاً خاوياً يواجه مصيره المحتوم، بينما يقف آلاف المساهمين والدائنين، ومن ضمنهم البنوك، مكتوفي الأيدي أمام حصن “المسؤولية المحدودة”.

المعضلة القانونية: من المسؤولية المحدودة إلى المسؤولية المخترقة…

هنا تبلغ المعضلة ذروتها وتتعقد خيوطها. فالبنك الدائن لا يواجه فرداً واحداً كما في الشركة ذات المسؤولية المحدودة، بل يواجه كياناً قانونياً ضخماً، ومجلس إدارة، ولجان رقابة، وآلاف المساهمين. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في أروقة القضاء: هل مبدأ المسؤولية المحدودة في الشركات المساهمة هو حصن مطلق لا يمكن اختراقه، حتى مع ثبوت سوء النية والتحايل؟ أم أن للعدالة يداً أطول تستطيع أن تصل إلى الثروات الخاصة لمن تسبب في هذا الانهيار عمداً؟

قانون الشركات الكويتي وموقف محكمة التمييز: موازنة دقيقة بين الاستقرار والردع:

لقد أدرك المشرّع الكويتي خطورة هذه الممارسات، فوضع في قانون الشركات رقم 1 لسنة 2016 نصوصاً تعتبر بمثابة “مخالب قانونية” يمكن استخدامها لتمزيق حجاب المسؤولية المحدودة في حالات استثنائية.

تنص المادة 195 من قانون الشركات على أنه: “لا يجوز للشركة أن تقدم قروضاً من أي نوع لأعضاء مجلس إدارتها أو لرئيسها أو لزوجاتهم أو لأقاربهم حتى الدرجة الثانية… ويعتبر باطلاً كل عقد يتم بالمخالفة لهذه المادة”. هذا النص هو خط الدفاع الأول ضد استغلال النفوذ.

لكن النص الأكثر حسماً وجرأة هو ما ورد في المادة 240، التي تتناول “الأطراف ذات الصلة”، حيث ألزمت المشرّع بضرورة الحصول على موافقة الجمعية العامة للمساهمين على أي صفقة تتجاوز قيمتها 5% من أصول الشركة مع طرف ذي صلة، وهو ما يهدف إلى فرض الشفافية ومنع الصفقات المشبوهة التي تهدف إلى نقل ثروة الشركة إلى جيوب المسيطرين.

وقد توّجت محكمة التمييز الكويتية هذه النصوص بفقه قضائي رصين. ففي حين أكدت في أحكامها على قدسية مبدأ المسؤولية المحدودة كأساس لاستقرار المعاملات، إلا أنها لم تتردد في اختراق هذا المبدأ عندما يثبت لها “الغش وسوء النية” و”استغلال الشخصية الاعتبارية للشركة كأداة للاحتيال”.

في أحد اجتهاداتها البارزة، قضت محكمة التمييز بأن أعضاء مجلس الإدارة وكبار الملاك المسيطرين الذين يثبت تورطهم في إبرام صفقات أضرت بالشركة عمداً لصالح أطراف مرتبطة بهم، لا يمكنهم الاحتماء خلف مبدأ المسؤولية المحدودة. واعتبرت أن أفعالهم هذه تشكل “خطأً جسيماً” يرتب مسؤوليتهم الشخصية والتضامنية عن تعويض الضرر الذي لحق بالشركة ودائنيها. فالمسؤولية هنا لا تنشأ عن صفتهم كمساهمين، بل عن أفعالهم غير المشروعة كمديرين فعليين أو “عقول مدبرة” للشركة.

الدروس المستفادة: استراتيجية البنوك في مواجهة العمالقة

إن هذه النصوص والاجتهادات القضائية تقدم للبنوك والمؤسسات المالية خارطة طريق للتعامل مع هذه المخاطر المعقدة:

– تحليل هيكل الملكية والسيطرة: يجب على البنوك، قبل منح ائتمان ضخم لشركة مساهمة، أن تقوم بتحليل عميق لهيكل الملكية، وتحديد “المجموعة المسيطرة” والأطراف ذات الصلة بها. فمصدر الخطر الحقيقي غالباً ما يكمن هناك.

– مراقبة قرارات مجلس الإدارة: يجب متابعة قرارات مجلس الإدارة والجمعيات العامة، خاصة تلك المتعلقة بالصفقات الكبرى مع الأطراف ذات الصلة. فأي صفقة تفتقر إلى الشفافية أو تثير الشكوك يجب أن تكون بمثابة إنذار مبكر.

– بناء ملف “الخطأ الجسيم”: في حال تعثر الشركة، يجب على الفريق القانوني للبنك أن يبدأ فوراً في بناء ملف متكامل يثبت “الخطأ الجسيم” من جانب الإدارة المسيطرة. هذا الملف يجب أن يتضمن تحليلاً للصفقات المشبوهة، وتقارير الخبراء التي تثبت الضرر، وأي أدلة تشير إلى أن قرارات الإدارة كانت تهدف لخدمة مصالحها الخاصة على حساب الشركة ودائنيها.

– استخدام الأدوات القانونية الصحيحة: المطالبة يجب ألا توجه ضد الشركة المفلسة فقط، بل يجب رفع “دعوى مسؤولية” مباشرة ضد أعضاء مجلس الإدارة وكبار الملاك المتورطين، استناداً إلى خطئهم الشخصي، للمطالبة بتعويض البنك من أموالهم الخاصة.

إن حماية الاقتصاد لا تكتمل إلا بردع الممارسات غير السوية. والنصوص القانونية والاجتهادات القضائية التي تسمح بملاحقة المسيطرين الفعليين خلف حصون شركاتهم، ليست مجرد أداة لاسترداد الديون، بل هي رسالة ردع قوية لكل من تسول له نفسه أن يستغل ثقة السوق وجموع المساهمين لتحقيق ثراء غير مشروع. إنها تأكيد على أن القانون، في نهاية المطاف، قادر على التمييز بين المستثمر الحقيقي والمحتال المتستر

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى