مقالات

مجموعة العمل المالي ( الفاتف) شريك استراتيجي وليست عصا رقابية

 

بقلم/ أحمد ممدوح المرسي 

  أخصائي امتثال معتمد من الجمعية الدولية للامتثال

 

إن الدول التي تتعامل مع التقييم المتبادل بروح الشراكة لا بروح الدفاع، تدرك أن الهدف ليس الإدراج في قوائم أو الخروج منها فحسب، بل بناء نظام مستدام قادر على الصمود، وجاذب للاستثمار، ومتوافق مع المعايير الدولية. وهنا تتجلى الرسالة الأهم:
الفاتف ليست عصا تُرفع، بل بوصلة تُوجّه… ومن يحسن قراءة الاتجاه، يصل قبل غيره.

تُعد مجموعة العمل المالي (FATF)  جهة دولية حكومية تأسست في العام 1989 م بهدف وضع معايير دولية لمكافحة غسل الأموال، ثم توسّع نطاق عملها لاحقًا ليشمل مكافحة تمويل الإرهاب ودعم الأشخاص والكيانات المدرجين على قوائم الإرهاب، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل. وتضم المجموعة في عضويتها اليوم نحو 40 عضوًا من الدول والجهات الدولية، من بينها اقتصادات كبرى ومنظمات إقليمية، بما يعكس طبيعتها التوافقية ودورها التنسيقي على المستوى العالمي.

ولا تعمل مجموعة العمل المالي كجهة رقابية تنفيذية أو سلطة عقابية، بل كمنصة دولية لصياغة المعايير، وتبادل الخبرات، وتعزيز التعاون بين الدول والقطاعات المختلفة. ومن هذا المنطلق، فإن FATF تُعد شريكًا استراتيجيًا للدول والمؤسسات، تسعى إلى دعم الأنظمة الوطنية والمؤسسية، وبناء قدراتها على مواجهة المخاطر المالية، بدلًا من ممارسة دور رقابي مباشر أو فرض جزاءات.

منهجية مجموعة العمل المالي

وضعت مجموعة العمل المالي منهجية دولية متكاملة لمواجهة مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار أسلحة الدمار الشامل، تقوم على إصدار (40) توصية تُعد الإطار المرجعي العالمي في هذا المجال، إلى جانب ما يُعرف بـ النتائج المباشرة التي تقيس مدى فاعلية التطبيق العملي لهذه التوصيات على أرض الواقع، وليس الاكتفاء بوجود النصوص والتشريعات فقط، وإلى جانب ذلك، تصدر المجموعة بشكل دوري إرشادات وتوجيهات تفسيرية موجّهة للدول والمؤسسات والقطاعات المختلفة، بهدف دعم تطوير السياسات والإجراءات، وتعزيز الفهم العملي للنهج القائم على المخاطر، بما يساعد على التطبيق المتوازن دون إفراط أو قصور.

التقييم المتبادل للدول من قبل المجموعة

تعتمد مجموعة العمل المالي آلية التقييم المتبادل للدول، وهي عملية فنية شاملة تهدف إلى التأكد من مدى التزام الدول بتطبيق التوصيات، وفاعلية أنظمتها الوطنية في إدارة المخاطر، وتعاون الجهات الرقابية والتنفيذية، وقدرتها على منع إساءة استخدام الأنظمة المالية والمؤسسية. ولا يهدف هذا التقييم إلى العقاب، بقدر ما يسعى إلى تحديد مواطن القوة ونقاط التحسين ودعم الإصلاحات المطلوبة.

وهنا تكمن أهمية التقييم المتبادل الذي تجريه المجموعة في كونه أداة موضوعية لقياس مدى فاعلية الأنظمة وليس مجرد وجودها. فالتقييم لا يكتفي بسؤال: هل توجد قوانين ولوائح؟ وهل تعمل الدول على تطوير تشريعاتها وأنظمتها في مجالات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب؟

ولكن السؤال الأهم هل يوجد تطبيق فعلي لتلك التشريعات والأنظمة على الممارسات المالية والاقتصادية؟ وهل تُدار المخاطر بكفاءة؟ وهل تحقق الإجراءات المطبقة نتائج ملموسة؟

وعليه فإنه يترتب على نتائج هذا التقييم تصنيف الدول ضمن قوائم مختلفة، فعلى سبيل المثال، يُطلق مصطلح القائمة السوداء على الدول عالية المخاطر التي تعاني قصورًا جسيمًا في أنظمتها لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع ضعف أو غياب الالتزام الجاد بالإصلاح، وهو التصنيف الأشد تأثيرًا على سمعة الدولة وتعاملاتها المالية.

وفي المقابل، تُستخدم تسمية القائمة الرمادية للدلالة على الدول الخاضعة لما يُعرف بالرقابة المعززة، وهي دول توجد لديها ملاحظات أو نقاط ضعف استراتيجية، لكنها أعلنت التزامها بمعالجتها وتعمل وفق خطة إصلاح واضحة وتخضع لمتابعة دورية. هذا التصنيف لا يعني الإدانة، بل يعكس وضعًا انتقاليًا وإرادة إصلاح.

وهنا يتبادر إلى ذهن البعض سؤال هام حول كيفية التعامل مع الدول الخاضعة للرقابة المعززة؟

كثيرًا ما يُساء تفسير خضوع بعض الدول لما يُعرف بالرقابة المعززة، ويُختزل هذا الوضع في توصيفات غير دقيقة، من قبيل إدراج الدولة في “قوائم سلبية” أو اعتبارها موضع شبهة دائمة. غير أن هذا الفهم لا يعكس حقيقة طبيعة هذا التصنيف والغاية منه.

وهذه النظرة محدودة للغاية، فالرقابة المعززة لا تعني أن الدولة مصنّفة كدولة عالية المخاطر، ولا تضعها في موضع الاتهام، بل تؤكد أن الدولة تعترف بوجود تحديات محددة في أنظمتها، وفي الوقت ذاته أبدت التزامًا سياسيًا ومؤسسيًا واضحًا بمعالجتها وفق خطة عمل متفق عليها. وهو ما يميّز هذا الوضع عن الحالات التي تفتقر فيها الدول إلى الإرادة أو القدرة على الإصلاح، فهذا التصنيف يحمل رسالة إيجابية ضمنية للمجتمع الدولي مفادها أن الدولة اختارت الشفافية، وفتحت أنظمتها للتقييم، وتسير في مسار واضح لتعزيز الحوكمة والامتثال. وهو مسار يتطلب وقتًا وجهدًا، لكنه في المقابل يُفضي إلى نتائج مستدامة تعزز الثقة، وتحسّن البيئة الاستثمارية، وتدعم سلامة المؤسسات.

مجموعة العمل المالي …. قصة نفوذ بلا غرامات

وهنا يجب الإجابة على سؤال هام حول شكل الجزاءات التي تطبقها المجموعة على الدول؟

والإجابة باختصار أن المجموعة لا تفرض جزاءات أو عقوبات وغرامات مالية أو قانونية على الدول، إذ يقتصر دورها على إصدار التوصيات والتوجيهات الفنية التي ترشد الدول إلى أفضل الممارسات في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح. غير أن غياب العقوبة المباشرة لا يعني غياب الأثر.

فالتقييم المتبادل يكتسب أهمية جوهرية لأنه يشكّل مرآة شفافة لمدى متانة الأنظمة المالية والتشريعية للدول، ويؤثر بصورة غير مباشرة في تصنيف المخاطر السيادية، وبناء الثقة لدى الشركاء الدوليين، والمؤسسات المالية، والمستثمرين، وحتى وكالات التصنيف الائتماني. ومن هنا، يصبح الالتزام الفعلي بالتوصيات عاملًا حاسمًا في تعزيز السلامة المالية والاقتصادية للدولة، لا مجرد امتثال شكلي لتفادي الانتقادات.

وعليه، فإن النظر إلى مجموعة العمل المالي باعتبارها “جهة رقابية عقابية” يُفقد التقييم المتبادل قيمته الحقيقية. فالمجموعة في جوهرها شريك استراتيجي داعم؛ تفتح للدول مسارًا واضحًا للإصلاح، وتساعدها على تحديد فجوات المخاطر، وترتيب الأولويات وفق نهج قائم على المخاطر، بما يحقق التوازن بين حماية النظام المالي وعدم إعاقة النشاط الاقتصادي المشروع.

كيف يفكّر مسؤؤلي الامتثال والمخاطر عند التعامل مع مجموعة الــ FATF؟

يتكرر هذا السؤال داخل كثير من المؤسسات: هل الامتثال لمتطلبات مجموعة العمل المالي عبء إضافي أم ضرورة لا مفر منها؟

والإجابة تبدأ من إدراك أن التعامل مع مجموعة العمل المالي (FATF) لا يقوم على حفظ التوصيات، بل على فهم المنهجية التي تقف خلفها. فالفاتف لم تُنشأ لتفرض نصوصًا جامدة، وإنما لتدفع الدول والمؤسسات نحو بناء أنظمة واقعية، مرنة، وقادرة على إدارة المخاطر بدل إنكارها.

وهنا يبرز تساؤل آخر: هل يكفي سعي مسؤولي الامتثال والمخاطر فب المؤسسات بتحقيق الالتزام الشكلي بالتوصيات؟

الواقع أن التقييمات الدولية لا تنظر إلى عدد السياسات المكتوبة بقدر ما تنظر إلى ما إذا كانت هذه السياسات تُترجم إلى إجراءات فعلية، ومسؤوليات واضحة، ونتائج قابلة للقياس، لذلك فإن نجاح مسؤولي الامتثال والمخاطر ينتج من تحويل النصوص الدولية إلى ممارسات يومية مفهومة داخل المؤسسة، لا أن تُترك حبيسة الأدراج، والدور أساسي في ترجمة كافة تلك التوصيات لسياسات معتمدة من مجالس الإدارات وإجراءات ملموسة في سيبل تطبيق تلك السياسات مع إمكانية توفير مؤشرات قياس لنتائج الامتثال في المؤسسة.

وقد يسأل البعض: هل تطبيق توصيات FATF يعني تجاهل القوانين المحلية؟

على العكس تمامًا، فالتقييم الدولي يقوم أساسًا على مدى مواءمة التوصيات مع الإطار التشريعي الوطني بالدول، لذلك فإن  الامتثال الفعال يبدأ من قراءة دقيقة للتعليمات الصادرة عن الجهات الرقابية المحلية، ثم ربطها بتوصيات FATF، لا التعامل مع كل منهما بمعزل عن الآخر، فبجانب المتابعة المستمرة للتوصيات وتحديثاتها يجب على مسؤول الامتثال توفير قنوات إطلاع على كافة التشريعات والقوانين واللوائح التي تصدر عن السلطات الوطنية فيما يتعلق بنشاط المؤسسة للتأكد من الالتزام بها خاصة أن العديد من القوانين المحلية لها صفة الإلزامية وواجبة التطبيق وليست إرشادية كما هو الحال في تعليمات مجموعة العمل المالي.

ومن الأسئلة الشائعة أيضًا: لماذا كل هذا التركيز على التحديث والمتابعة المستمرة؟

لأن FATF جهة متحركة وليست ثابتة. تصدر إرشادات، وتحـدّث توصيات، وتنشر أوراقاً تفسيرية بشكل دوري. ومسؤول الامتثال يجب ألا يكتفي بالاطلاع عليها وإهمالها حيث أنها تُحدث بشكل دوري، خاصة وأن المجموعة تصدر إرشادات دورية قيمة تساعد في فهم المنهجية وترجمة التوصيات ، كما أن السلطات المحلية بالدول تعمل على تطوير أنظمتها من خلال إصدار التشريعات ذات الصلة.

ثم نصل إلى جوهر العمل: ما الذي يبحث عنه المقيمون فعلًا؟

الجواب باختصار : الأدلة. ما لم تكن موثقة، لا تُحتسب. لذلك فإن بناء سجلات واضحة، ونماذج معتمدة، وتقارير متابعة، ليس ترفًا إداريًا، بل خط الدفاع الأول أمام أي تقييم متبادل.

خلاصة القول، إن مجموعة العمل المالي ليست عائقًا أمام العمل المؤسسي، بل إطارًا داعمًا لتنظيمه وحمايته. فهي لا تُغلق الطريق، وإنما تضع إشاراته، بما يضمن استمرار الحركة بثقة، ويمنع التصادم قبل وقوعه، وتؤكد على الحرص المؤسسي لتجنب شبهات غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ومن هذا المنطلق، فإن التفاعل الإيجابي مع متطلبات FATF والتعامل معها كداعم وشريك استراتيجي يُعد فرصة لتعزيز الحوكمة والامتثال، وبناء أنظمة أكثر كفاءة واستدامة، بدلًا من النظر إليه كعبء رقابي أو ضغط خارجي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى