هوية… أم نفط… أم غضب سياسي؟ الوجه الخفي لحركات الانفصال في كيبيك وألبرتا
بقلم/ د. عدنان البدر
باحث ومستشار استراتيجي في سياسة الموارد البشرية وبيئة العمل ورئيس ومؤسس الجمعية الكندية الكويتية للصداقة والأعمال
ckbafa@gmail.com
-
ألبرتا، قلب قطاع الهيدروكربونات الكندي، تنتج أكثر من ثلثي النفط الكندي وتضخ أكثر من 4.1 ملايين برميل من النفط يوميًا.
-
خروج مئات الشركات من مونتريال إلى أقاليم أخرى، واتساع فجوة البطالة بين مونتريال وتورونتو.
-
في 2023-2024 جمعت ألبرتا نحو 19.2-16.8 مليار دولار كندي من إيرادات الإتاوات على النفط والغاز (royalties).
-
«وصمة» عدم اليقين أثّرت على قرارات الاستثمار في قطاعات حساسة مثل التمويل والمقارّ الرئيسية للشركات الكبرى الكندية.
-
التجربة الكندية مع كيبيك تُظهر أن النزعة الانفصالية تحمل كلفة اقتصادية حقيقية.
ألبرتا ( ALBERTA) تتحرك في زمن حروب الرسوم والطاقة، مع وجود ترامب المستعد لإعادة هندسة علاقاته مع كندا.
-
كيبيك أحد أعمدة الاقتصاد، لكنها ليست «صمام طاقة».
-
خروج كيبيك كان سيضر كندا بشدة، لكنه لا يشل صادراتها الأساسية إلى الولايات المتحدة.
* هل تعيد كندا تجربة استفتاءات كيبيك ( Quebec) مرةأخري مع إقليم هو قلب صناعة النفط والغاز الكندية؟
منذ 40 سنة، حيث كنت أدرس في كندا، شهدت بنفسي فشل تجربتين لأكبر مقاطعات كندا وهي كيبيك ( الأكثرية فرنسيين) في 1980 و1995 في استفتاء الانفصال. الاستفتاءين كانا رسميين، وكلاهما بموافقة فدرالية، وانتهيا بالتصويت ضد الانفصال (الثاني بفارق ضئيل).
(لا) لم تُنهِ النقاش؛ لكنها خلقت ما يسمى «neverendum» – حالة استفتاء دائم سياسيًا مع كلفة اقتصادية من عدم اليقين. بعكس ألبرتا، استفتاءي ( كيبيك) ظلا في الأساس داخلياً؛ لم تطرح الانضمام إلى تكتل خارجي كبير، والبعد الدولي كان محدوداً.
لم أكن أتخيل أن أري استفتاء آخر تتصاعد فيه نزعة الانفصال في مقاطعة أخرى مهمة جدا وهي ألبرتا (ALBERTA)، بعد لقاءات غير مسبوقة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديمًا بوجه جديد: هل تعيد كندا تجربة استفتاءات كيبيك، ولكن هذه المرة مع إقليم هو قلب صناعة النفط والغاز الكندية ومزوّد رئيسي لسوق الطاقة الأميركي؟ الفرق الجوهري أن كيبيك خاضت مشروعًا قوميًّا– ثقافيًّا وانتهت إلى «لا» في صناديق الاقتراع، وثمن اقتصادي باهظ من عدم اليقين، بينما تحمل ألبرتا في يدها هوز الطاقة الذي يغذي المصانع ومحطات الكهرباء جنوب الحدود، ما يجعل أي تهديد بالانفصال أزمة اقتصادية وجيوسياسية في آن.
أولاً: كيبيك… «استفتاءات بلا نهاية» وكلفة عدم اليقين
شهدت كيبيك استفتاءين على الاستقلال عن كندا عامي 1980 و1995، اقترب الثاني فيهما من 50% لصالح الانفصال قبل أن تميل الكفة بفارق ضئيل لصالح البقاء. هذه «اللا» الهشة لم تكن بلا ثمن؛ دراسات اقتصادية تشير إلى أن مرحلة صعود الحركة الانفصالية في أواخر السبعينيات والثلث الأول من الثمانينيات ارتبطت بخروج مئات الشركات من مونتريال إلى أقاليم أخرى، واتساع فجوة البطالة بين مونتريال وتورونتو من نحو نقطتين إلى ست نقاط مئوية، مع انتقال آلاف الوظائف والوظائف المالية خصوصًا. على المدى الأطول، نجحت كيبيك في استعادة جزء من زخمها الاقتصادي، بل إن نمو الناتج للفرد فيها منذ 1995 كان أعلى قليلًا من باقي كندا، ما ضيّق فجوة الدخل، لكن «وصمة» عدم اليقين السياسي استمرت لسنوات، وأثّرت على قرارات الاستثمار في قطاعات حساسة مثل التمويل والمقارّ الرئيسية للشركات الكبرى. بمعنى آخر، كيبيك لم تنفصل، لكنها دفعت ثمن «الحديث المستمر عن الانفصال» في صورة استثمارات مؤجلة ورؤوس أموال مهاجرة.
ثانياً: ألبرتا… نزعة انفصالية مسلّحة بالنفط والغاز
ألبرتا قصة أخرى؛ الإقليم الذي يضخ أكثر من 4.1 ملايين برميل من النفط يوميًا – 84% منها من رمال النفط – ويصدّر معظمها إلى الولايات المتحدة، بات يرى نفسه «حصّالة نقدية» لباقي كندا، مقيدة بسياسات فيدرالية بيئية وضريبية يعتبرها خانقة لصناعته الأساسية. اليوم، تقود مجموعات مثل «مشروع ازدهار ألبرتا» حملة لتجميع حوالي 177 ألف توقيع (10% من الناخبين) لفرض استفتاء شعبي على الانفصال، مستفيدة من قوانين إقليمية جديدة سهّلت إطلاق الاستفتاءات الشعبية، وإن كانت رئيسة الحكومة دانييل سميث تعلن أنها تفضّل (ألبرتا قوية داخل كندا).
الجديد هذه المرة هو البُعد الأميركي: قادة الحركة الانفصالية عقدوا اجتماعات مع مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، تناولت – بحسب التسريبات – قضايا مثل أمن الحدود، استخدام الدولار الأميركي، وفكرة خطوط أنابيب جديدة مباشرة إلى السوق الأميركي في ظل توتر كندا مع واشنطن بشأن الرسوم وسياسة الطاقة. ألبرتا تتحرك من منطلق (اقتصادي–براجماتي ):
* التحرر من القيود الفيدرالية على التوسع في إنتاج النفط والغاز.
* إعادة التفاوض على حصتها من العائدات الضريبية.
* استثمار حاجة إدارة ترامب إلى حليف طاقي آمن شمال الحدود في ظل حروب الرسوم مع شركاء آخرين.
ثالثاً: الفارق البنيوي بين كيبيك وألبرتا
من زاوية اقتصادية– سياسية، الاختلافات الرئيسية بين تجربتي كيبيك وألبرتا يمكن تلخيصها في ثلاثة محاور:
1- طبيعة الهوية وحجم السوق:
* كيبيك تحرّكت بدافع هوية لغوية– ثقافية فرنكوفونية، مع اقتصاد متنوع في الصناعة والخدمات والتمويل، وسوق محلي كبير نسبياً.
* ألبرتا تحمل هوية سياسية– اقتصادية محافظة ترى في ثروات النفط والغاز موردًا «تستثمره أوتاوا لحساب باقي الأقاليم»، واقتصادها أكثر اعتمادًا على الطاقة، مع سوق محلي أصغر، ولكن موقع حرج في سلاسل توريد النفط لأميركا وآسيا.
2- موقع الإقليم في الاقتصاد الكندي:
* كيبيك أحد أعمدة الاقتصاد، لكنها ليست «صمام طاقة»؛ خروجها كان سيضر كندا بشدة، لكنه لا يشل صادراتها الأساسية إلى الولايات المتحدة.
* ألبرتا هي قلب قطاع الهيدروكربونات الكندي؛ أي اضطراب طويل فيها يضرب الإيرادات الفيدرالية، ويعقّد التزامات كندا تجاه عملائها في الولايات المتحدة وآسيا، خاصة بعد توسعة خط TMX إلى ساحل المحيط الهادئ وارتفاع الصادرات إلى آسيا إلى أكثر من 800 مليون دولار في 2025 وحدها. قطاع النفط والغاز في ألبرتا يضيف نحو 88 مليار دولار كندي إلى الناتج المحلي، أي حوالي 25% من اقتصاد الإقليم، ويدعم أكثر من 200 ألف وظيفة مباشرة (نحو 8% من العمالة).
3- البيئة الجيوسياسية المحيطة:
* كيبيك واجهت معادلة ثنائية داخلية بين أوتاوا ومونتريال، مع اهتمام محدود من الخارج.
* ألبرتا تتحرك في زمن حروب الرسوم والطاقة، ومع وجود رئيس أميركي مستعد لإعادة هندسة علاقاته مع كندا والضغط لتعزيز أمن الطاقة الأميركي، ما يضع نزعتها الانفصالية في قلب حسابات واشنطن، لا على هامشها.
هذه الاختلافات تجعل «تهديد ألبرتا» أكثر حساسية للأسواق من «تهديد كيبيك»، حتى لو كانت احتمالات الانفصال الفعلي لا تزال ضعيفة.
رابعاً: ماذا يعني انفصال ألبرتا – نظرياً – لأسواق النفط والغاز؟
من الناحية القانونية، انفصال ألبرتا يواجه عقبات دستورية هائلة، لكن التفكير في سيناريو افتراضي يساعد في فهم وزن الإقليم في اقتصاد الطاقة:
* ألبرتا تنتج أكثر من ثلثي النفط الكندي، وميلاً متزايدًا من الغاز الطبيعي المُصدَّر إلى الولايات المتحدة بحوالى 60% من وارداتها النفطية من كندا، ومعظمها من خام ثقيل قادم من ألبرتا عبر شبكة أنابيب عمرها عقود؛ أي اضطراب سياسي في ألبرتا يضيف علاوة مخاطرة على أمن الطاقة الأميركي.
* في 2023-2024 جمعت ألبرتا نحو 19.2-16.8 مليار دولار كندي من إيرادات الإتاوات على النفط والغاز (royalties)، أي ما بين 12% من قيمة الإنتاج وما يصل إلى ربع إلى ثلث إيرادات الميزانية في السنوات العالية الأسرع، مع فوائض مالية قاربت 7-8 مليارات دولار في بعض الأعوام.
* شبكة أنابيب ضخمة تديرها شركات مثل Enbridge تنقل نحو 30% من إنتاج أميركا الشمالية من النفط، وحوالي 20% من الغاز المستهلَك في الولايات المتحدة، جزء كبير منها مرتبط مباشرة بألبرتا.
في حال انفصال – أو حتى تصاعد التوتر – يمكن توقع:
1- إعادة تفاوض شاملة على عقود الأنابيب والمعايير التنظيمية:
* شركات الأنابيب والتكرير الأميركية ستحتاج إلى ضمانات قانونية جديدة من «دولة ألبرتا» بما يخص الرسوم والضرائب والالتزام بالإمدادات.
* أي تعثر في هذه العملية قد ينعكس تقلبًا في أسعار الخام الكندي (Western Canadian Select) ويضغط على هوامش التكرير في ميدويست وغلف كوست الأميركية.
2- تحوّل في وجهة الصادرات:
* ألبرتا تسعى بالفعل إلى تنويع أسواقها عبر خطوط جديدة إلى آسيا؛ انفصالها قد يعجّل هذا التوجه، ويُقلّص نسبياً اعتمادها على السوق الأميركي، رغم أن الجغرافيا والأنابيب الحالية تبقي الولايات المتحدة شريكها التجاري الأكبر على المدى المنظور.
3- إعادة توزيع الريع داخل كندا:
* فقدان ألبرتا – أو توتر علاقتها المالية بأوتاوا – يعني تقليص مساهمتها في تحويلات الموازنة الفيدرالية التي تدعم أقاليم أضعف اقتصادياً، ما يفتح جبهة سياسية–اقتصادية جديدة داخل الاتحاد الكندي.
بعبارة أخرى، مجرد ارتفاع حرارة خطاب الانفصال في ألبرتا يضيف «علاوة مخاطرة سياسية» على النفط الكندي، في وقت تسعى فيه واشنطن لتنويع مصادرها بعيدًا عن خصوم سياسيين.
خامساً: ماذا عن الولايات المتحدة في عهد ترامب؟
بالنسبة لواشنطن تحت إدارة ترامب، ألبرتا تمثل ثلاثة أشياء في آن واحد:
1- ضمانة لأمن الطاقة:
* الإدارة تعتبر نفط ألبرتا وغازها امتدادًا لسلسلة الإمداد الأميركية، أقل حساسية من واردات الشرق الأوسط أو فنزويلا، ويمكن التعامل معه كجزء من «سوق محلية موسّعة» في إطار اتفاقات أمريكا الشمالية.
2- أداة ضغط على أوتاوا:
* مجرد لقاء مسؤولين أميركيين مع قادة الانفصال – حتى لو كان على مستوى استكشافي – يُقرأ في كندا كرسالة إلى الحكومة الفيدرالية بأن واشنطن تملك أوراقاً داخلية يمكن استخدامها إذا تصاعد الخلاف حول الرسوم أو سياسة الصين أو قضايا الدفاع.
3- فرصة استثمار وبنية تحتية:
* مشاريع محتملة لمدّ أنابيب جديدة مباشرة من ألبرتا إلى الولايات المتحدة، أو لتعزيز ملكية أميركية في قطاع النقل والتخزين، ما يعمّق اعتماد ألبرتا على السوق الأميركي ويجعل أي انفصال – إذا حدث – أقرب إلى «نادي طاقة مشترك» مع واشنطن منه إلى دولة مستقلة تمامًا في خياراتها.
لكن هذا الرهان يحمل أيضاً مخاطرة من زاوية واشنطن: إضعاف وحدة كندا – أقرب حلفائها – لحساب مكاسب طاقية قصيرة الأجل قد يعيد إشعال نقاش داخل المؤسسة الأميركية حول حدود اللعب بورقة الانفصال في بلد مجاور.
سادساً: ما الدرس من كيبيك لألبرتا… وللأسواق؟
تجربة كيبيك أظهرت أن أي خطوة أحادية ستواجه تحديات قانونية هائلة ومحكمة عليا قد تفرض شروطاً سياسية صارمة. التجربة الكندية مع كيبيك تُظهر أن النزعة الانفصالية، حتى لو لم تصل إلى الانفصال، تحمل كلفة اقتصادية حقيقية مرتبطة بعدم اليقين، وتغيّر تموضع المدن والقطاعات داخل الدولة الواحدة. في المقابل، قوة ألبرتا الطاقية تجعل كلفة تجاهل احتجاجاتها أعلى بكثير من كلفة تجاهل قوميي كيبيك في السبعينيات؛ لذا من المرجّح أن يكون المسار الأقرب هو صفقة سياسية–اقتصادية جديدة داخل كندا:
* مزيد من المرونة في سياسات المناخ والبنية التحتية للطاقة، بما يسمح لألبرتا بالتوسع في الإنتاج والتصدير إلى آسيا وأميركا.
* إعادة تفاوض على آليات تحويل العائدات الفيدرالية، بحيث يشعر الناخب في ألبرتا بأن ثروته لا تُعاد توزيعها بلا مقابل.
* في المقابل، التزام واضح من ألبرتا بوحدة كندا، وتحييد «ورقة الانفصال» عن الخطاب اليومي حتى لا تتحول إلى «كيبيك جديدة» تجر البلاد إلى عقود من الاستفتاءات غير الحاسمة.
بالمجمل:
بالنسبة للأسواق العالمية، الرسالة البسيطة هي أن مصادر الطاقة «الموثوقة» سياسيًا تصبح أكثر قيمة في زمن الحروب التجارية والرسوم والعقوبات. إذا انتهى مسار ألبرتا إلى تفاهم داخلي يعزز الاستقرار ويُطلق استثمارات في الأنابيب والتصدير، فستكون النتيجة: نفط كندي أكثر في آسيا والولايات المتحدة ودولة كندية ربما أقل توتراً داخلياً من حقبة كيبيك، لكن أكثر وعياً بأن وحدة الفيدرالية في القرن الحادي والعشرين تُقاس أيضاً بقدرتها على إدارة ثروات الهيدروكربون بعدل. ألبرتا المستقلة سيكون، في جوهره، اقتصاد دولة نفطية متوسطة الحجم تعتمد على سوق أميركي واحد تقريباً وتواجه تقلبات أسعار الخام ومخاطر التحول الطاقي العالمي، مع فوائض كبيرة في السنوات الجيدة وعجز محتمل في سنوات الهبوط. أما كيبيك المستقلة فكانت ستشبه في جانب منها دولة اسكندنافية صغيرة تعتمد على طاقة متجددة وفوائض كهرباء، مع اقتصاد متنوع في الخدمات والصناعة. في كلتا الحالتين، الاستقلال يعني نقل مركز الثقل المالي من أوتاوا إلى العواصم الإقليمية، لكن كلفة المخاطرة أعلى بكثير في سيناريو ألبرتا بسبب تعقيد سلاسل النفط والغاز، وحساسية هذه السلاسل لأمن الطاقة الأميركي، مقارنةً بمرونة أسواق الكهرباء والهيدرو في حالة كيبيك.




