مقالات

بين الصيام والقيام.. كيف يتحول رمضان إلى “وقود” للإنتاجية؟ وليس العكس

 

بقلم: تامـر عبدالعزيز

أمين سر – مدير إدارة الموارد البشرية

 

مع إشراقة أول أيام شهر رمضان المبارك، تنقسم بيئات العمل إلى معسكرين، معسكر يستسلم للصورة الذهنية النمطية التي تربط الصيام بالخمول وقلة الإنجاز، ومعسكر آخر بصير يدرك أن رمضان هو “الموسم الذهبي” لإعادة ضبط الساعة البيولوجية والإدارية على إيقاع الإرادة. إن التساؤل المطروح اليوم في أروقة المؤسسات ليس “كيف ننجو من ساعات الصيام؟” بل “كيف نجعل من الصيام محركاً لقفزات نوعية في الإنتاجية”؟

أولاً: أسطورة “الخمول”.. مواجهة الحقائق بالعلم

تُثبت الدراسات الحديثة في مجال الإدارة والفسيولوجيا أن الصيام المنظم يؤدي إلى حالة من “الصفاء الذهني” نتيجة ارتفاع هرمونات معينة مثل (BDNF)  التي تعزز التركيز وتوقد الذاكرة. لذا، فإن الشعور بالكسل ليس نتاجاً للصيام بذاته، بل هو نتاج سوء الإدارة الذاتية؛ من عادات غذائية غير متوازنة واضطراب في ساعات النوم. حين تتحول العبادة إلى طاقة روحية، فإنها تنعكس مباشرة على العمل بوصفه “عبادة” أيضاً، وهنا يبدأ التحول من الركود إلى التدفق.

ثانياً: “سيكولوجية الصائم”.. الانضباط كأداة إدارية

بعيداً عن الأرقام، يمنح رمضان الموظف والقائد “ذكاءً عاطفياً” استثنائياً. الصيام هو تدريب يومي على تأجيل الإشباع(Delayed Gratification) ، وهو أحد أهم أعمدة النجاح في إدارة المشاريع الكبرى. الشخص الذي يمتلك القدرة على منع نفسه عن الماء والطعام لساعات، يمتلك بالتبعية قدرة أعلى على مقاومة المشتتات الرقمية، والسيطرة على الغضب في اجتماعات العمل، والتحلي بصبر “الجراح” أمام التحديات المعقدة.

ثالثاً: هندسة الوقت.. كيف يُعيد رمضان صياغة الإنتاجية؟

يفرض رمضان نظاماً زمنياً صارماً، وهذا النظام هو أولى خطوات النجاح الإداري. إليك كيف يتحول الشهر إلى وقود للعمل:

* التركيز العميق (Deep Work): غياب استراحات القهوة والغداء المتكررة يوفر وقتاً متصلاً للتركيز، مما يقلل من “تشتت الانتباه” الناتج عن الانتقال بين المهام. ساعات الصباح الرمضاني هي “المنطقة الذهبية” التي يمكن فيها إنجاز ما يستغرق أياماً في غير رمضان.

* قوة الحسم الإداري: ضيق الوقت المتاح في الدوام الرمضاني يُجبر الجميع على التخلي عن “الاجتماعات المترهلة” والحديث الهامشي. في رمضان، يصبح الوقت عملة نادرة، والجميع يتسابق لإنهاء المهام بكفاءة للعودة للالتزامات العائلية والروحية، مما يجسد مبدأ (باريتو 80/20) في أعلى صوره.

رابعاً: الحلول المؤسسية.. كيف تدعم القيادة “طاقة الصيام”؟

لكي يتحول رمضان إلى وقود حقيقي، يجب على المؤسسات الانتقال من دور “المراقب” إلى دور “المحفز”:

–  أنظمة العمل الرشيق (Agile):  تقليل البيروقراطية وتفويض الصلاحيات بشكل أوسع في رمضان يمنح الموظفين شعوراً بالثقة، مما يحفزهم على الإنجاز الذاتي دون الحاجة لرقابة لصيقة.

– أنسنة العمل: رمضان هو فرصة لتعزيز “الولاء المؤسسي” من خلال الأنشطة الاجتماعية الرقمية أو اللقاءات الودية، مما يخلق بيئة عمل دافئة تزيد من رغبة الموظف في العطاء.

– الاستثمار في “الصحة المهنية”: تنظيم ورش عمل قصيرة حول كيفية تنظيم النوم والغذاء في رمضان يظهر حرص المؤسسة على إنسانها، وهو استثمار يعود بفوائد إنتاجية مضاعفة.

خامساً: “العدوى الإيجابية” وتلاحم الفريق في رمضان

بعيداً عن الفردية، يمثل رمضان حالة فريدة من “التناغم الجماعي” داخل بيئة العمل. فعندما يشترك الجميع في تجربة الصيام، تنشأ حالة من التعاطف التلقائي والذكاء الجماعي (Collective Intelligence). هذه الروح تقلل من حدة الصراعات الجانبية وتزيد من مستوى “الدعم المتبادل” بين الزملاء. علمياً، المؤسسات التي تنجح في استثمار هذه الروح الجماعية تشهد انخفاضاً في معدلات دوران العمل وزيادة في الرضا الوظيفي، حيث يتحول المكتب من مجرد مكان للوظيفة إلى مجتمع متلاحم يدفعه هدف واحد، مما يجعل “الإنجاز” هدفاً مشتركاً يفخر به الجميع عند ساعة الإفطار.

سادساً: استعادة مفهوم “البركة” في الإدارة الحديثة

في لغة الأرقام الصارمة، قد يبدو تقليص ساعات الدوام عائقاً، لكن في “فلسفة الإنجاز الرمضاني” نجد تجسيداً لمفهوم البركة، وهو ما نسميه في علم الإدارة الحديث بـ “كثافة الإنتاجية” (Productivity Density). البركة في العمل الرمضاني تعني تحقيق مخرجات عالية في زمن أقل، وذلك من خلال التخلص من “الهدر الزمني” والتركيز على الجودة لا الكمية. إن الموظف الصائم الذي يعمل بصدق، يضع في كل دقيقة من وقته تركيزاً مضاعفاً، مما يجعل الست ساعات في رمضان تضاهي ثماني أو عشر ساعات في غيره من الشهور، شريطة أن تتوفر العزيمة الصادقة والتنظيم الذكي للمهام.

ختاماً: رمضان.. مدرسة الانضباط لا الاستراحة

إن القول بأن رمضان هو “شهر الكسل” هو مغالطة تاريخية ومعرفية؛ فالتاريخ يُخبرنا أن أعظم الملاحم والتحولات الإنسانية تمت في ظروف تطلبت صبراً وجلداً. إن الانضباط الذي يتعلمه الصائم في “القيام” ليلاً، هو ذاته الانضباط الذي يحتاجه لـ “القيام” بواجباته الوظيفية نهاراً بأعلى معايير الإتقان.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى