مقالات

الحوكمة والمخاطر والامتثال في وقت الأزمات …

من يرسم الخريطة؟ من يقود الرحلة؟ ومن يحذر من العواصف؟

 

بقلم/ أحمد ممدوح المرسي

أخصائي امتثال معتمد من الجمعية الدولية للامتثال

في الأوقات الطبيعية، قد تبدو مفاهيم الحوكمة والامتثال وإدارة المخاطر وكأنها أدوات تنظيمية تهدف إلى تحسين الأداء المؤسسي وضبط الإجراءات. لكن مع اندلاع الأزمات أو الحروب أو الاضطرابات الإقليمية، تتحول هذه المفاهيم من إطار إداري إلى ضرورة استراتيجية تضمن بقاء المؤسسات واستمرار قدرتها على العمل في بيئة تتسم بالاضطراب والغموض.

الحوكمة … من يرسم الخريطة؟

الحوكمة هي مسؤولية مجلس الإدارة في جوهرها، فهي تمثل الإطار الذي يحدد الاتجاه الاستراتيجي، ويعتمد السياسات، ويقر اللوائح التنظيمية والإجرائية التي تنظم عمل المؤسسة، لهذا يمكن القول ببساطة بأن الحوكمة هي الخريطة التي تشمل المسارات والاتجاهات التي تُمكن المؤسسة من الوصول لأهدافها.

لذلك تتمثل أهم أهداف مجلس الإدارة في أي مؤسسة في تحديد الأهداف الكبرى، ووضع حدود واضحة للسلطات والصلاحيات المالية والإدارية، واعتماد اللوائح والسياسات الداخلية، وضمان وجود هيكل مؤسسي واضح. فإذا كانت المؤسسة رحلة، فالخريطة تحدد نقطة الانطلاق ونقطة الوصول.

لجان مجلس الإدارة… حيث تتحول الحوكمة من نصوص إلى ممارسة

قد يضع مجلس الإدارة السياسات ويعتمد اللوائح ويحدد الاتجاه الاستراتيجي، لكن الحوكمة لا تكتمل إلا بوجود من يتابع تفاصيلها ويراقب تطبيقها، وهنا تظهر لجان مجلس الإدارة كالعقل التنفيذي الرقابي داخل المجلس، فهي المساحة التي تتحول فيها المبادئ العامة إلى رقابة فعلية، وتتحول الاستراتيجيات إلى مؤشرات قياس، وتتحول المخاطر إلى تقارير وتحليلات قابلة لاتخاذ القرار.

الامتثال… من يسير على الطريق؟

إذا كانت الحوكمة هي الخريطة، فإن الامتثال هو الوسيلة التي تتحرك بها المؤسسة داخل هذه الخريطة من خلال التحقق من الالتزام بالسياسات واللوائح الداخلية المعتمدة، والتأكد من تطبيق الإجراءات كما أقرها مجلس الإدارة بالإضافة إلى ضمان الالتزام بقرارات الجهات الإشرافية والرقابية المحلية والالتزام بالإرشادات والمعايير الدولية ذات الصلة بنشاط المؤسسة.

المخاطر … من يراقب الطريق؟

إدارة المخاطر هي المنهجية التي تعتمدها المؤسسة في تحديد التهديدات المحتملة وتحليل احتمالية وقوعها مع قياس أثرها وبالتالي وضع خطط للسيطرة عليها أو تقليل آثارها، ويبرز دورها بشكل كبير في توجيه الموارد في المؤسسة باتجاه الأنشطة عالية المخاطر للحد من خطورتها والسيطرة عليها، وهذا ما يسمى بالنهج القائم على المخاطر بدلاً من القواعد، وتلك الإجراءات تتماشى مع التوصية الأولى من توصيات مجموعة العمل المالي (الفاتف) بضرورة تطبيق النهج القائم على المخاطر في المؤسسات.

أدوات مسؤول الامتثال والمخاطر… بين العلاقات والأنظمة الذكية

إن الحديث عن الحوكمة والمخاطر والامتثال يظل ناقصًا إذا لم نتوقف عند سؤال جوهري: كيف يمارس مسؤول الامتثال والمخاطر دوره فعليًا داخل المؤسسة؟ فالمسؤولية هنا ليست مجرد وصف وظيفي، بل التزام مهني يتطلب أدوات حقيقية تمكنه من أداء مهامه بكفاءة وتأثير.

فمن واجب كل مسؤول امتثال ومخاطر أن يتأكد أولًا من توافر البيئة التي تسمح له بالرؤية الشاملة من خلال علاقات فعالة مع الإدارات المختلفة. فالامتثال لا يمكن أن يُمارس من خلف الأبواب المغلقة، وإدارة المخاطر لا تُبنى على افتراضات. المعلومات هي الوقود الحقيقي لهذا الدور، ولا يمكن الحصول عليها إلا عبر قنوات تواصل مفتوحة قائمة على الثقة والتفاهم المتبادل.

ولأن العلاقات وحدها لا تكفي في بيئة تتسم بالتعقيد وتسارع العمليات، وهنا تبرز أهمية الاعتماد على الأنظمة والبرامج الرقمية المتخصصة في الحوكمة والمخاطر والامتثال. هذه الأنظمة لا تُستخدم فقط لتخزين السياسات، بل لتحويلها إلى ضوابط قابلة للقياس، وإجراءات موثقة، ومؤشرات أداء واضحة. من خلالها يمكن إدخال التعليمات والضوابط، وتتبع مستوى الالتزام بها، وقياس نتائجها بصورة رقمية موضوعية. وهنا تصبح القرارات مدروسة وليست ارتجالية، بل مبنية على معطيات موضوعية.

الحوكمة والامتثال وإدارة المخاطر… بوصلة المؤسسات في أوقات الأزمات والحروب

فالأزمات الكبرى غالبًا ما تفرض على المؤسسات قرارات سريعة، وتضعها أمام تحديات معقدة تتعلق باستمرارية الأعمال، وسلامة الموارد، والالتزام بالمتطلبات القانونية والتنظيمية. وهنا يظهر الدور الحقيقي لما يعرف بثلاثية الحوكمة والامتثال وإدارة المخاطر، التي تمثل منظومة متكاملة تساعد المؤسسات على اتخاذ قرارات متوازنة حتى في أكثر الظروف تعقيدًا.

تؤدي الحوكمة في أوقات الأزمات دور البوصلة التي تحافظ على وضوح الصلاحيات ومسارات اتخاذ القرار. فعندما تتعرض المؤسسات لضغوط مفاجئة، قد تميل بعض الإدارات إلى تجاوز الإجراءات أو اتخاذ قرارات فردية سريعة. إلا أن وجود إطار حوكمة واضح يضمن أن تبقى القرارات خاضعة للمساءلة والرقابة المؤسسية، وأن يتم توزيع المسؤوليات بشكل يحد من الارتباك ويمنع تضارب الصلاحيات.

أما إدارة المخاطر، فهي الخط الدفاعي الذي يسمح للمؤسسة باستشراف التحديات قبل وقوعها. ففي بيئة الأزمات والحروب، تتنوع المخاطر بين مخاطر تشغيلية ومالية وقانونية وحتى سمعة المؤسسة.

وفي هذا السياق يأتي الامتثال كضمانة للحفاظ على الثقة المؤسسية. فخلال الأزمات قد تتشدد الجهات الرقابية، وتزداد حساسية المعاملات المالية، وتبرز متطلبات إضافية تتعلق بالشفافية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. لذلك يصبح الالتزام بالأنظمة واللوائح ليس مجرد واجب قانوني، بل عاملًا أساسيًا في حماية المؤسسة من المخاطر التنظيمية والسمعة السلبية.

خلاصة القول

لا تكفي الخريطة إن لم تكن هناك رؤية واضحة للطريق، ولا يكفي السير إن لم تكن هناك أدوات تقيس المسار. فالحوكمة والمخاطر والامتثال ليست مفاهيم متجاورة، بل منظومة واحدة، لا تعمل بكفاءة إلا عندما تتوافر لها العلاقات المتبادلة والأدوات الصحيحة لتنفيذ المهام خاصة في أوقات الأزمات والحروب.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى