اضطراب عالمي… لكن دون انهيار اقتصادي شامل
بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
تخيل للحظة أنك جالس في غرفة المعيشة، تشاهد الأخبار، وفجأة تكتشف أن الحرب لم تعد تُشن بالدبابات فقط، بل بأسعار النفط وأوراق البورصة أيضًا. هذا ما يحدث الآن في الشرق الأوسط. الصراع هناك تغير تمامًا عن بدايته، وأصبح يشبه لعبة شطرنج معقدة، هدفها السيطرة على الاقتصاد العالمي عبر اثنين من مفاتيح السحر: الطاقة والممرات البحرية.
رغم أن صوت القنابل هدأ نسبيًا، إلا أن الأسواق العالمية لا تزال تعاني من التشنج. وكأن الجسم الاقتصادي العالمي أصيب بحمى خفيفة لا تنخفض.
الأرقام تحكي القصة بوضوح:
– مضيق هرمز يشهد عبور 20 مليون برميل نفط يوميًا — أي ما يعادل 20% من احتياجات العالم
– هذا المضيق نفسه يمرر أيضًا 25% من تجارة الغاز الطبيعي المسال حول الأرض
– سعر برميل برنت قفز 18% مقارنة بالربع الأول من 2026
– تكاليف شحن البضائع بين آسيا وأوروبا ارتفعت بأكثر من 40%
– أقساط التأمين على السفن في الخليج وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ أزمة 2019
ورغم كل هذه الأرقام المخيفة، الأسواق المالية لا تتصرف كشخص يستعد لكارثة. بل تشبه مسافرًا أخذ معه مظلة تحسبًا للمطر، لكنه لا يزال يمشي بثقة.
الذكاء الاصطناعي.. البطل غير المتوقع
في الماضي، أي أزمة طاقة كانت تعني انهيار أسواق الأسهم حتمًا. لكن اليوم هناك “سوبر هيرو” جديد في المدينة: الذكاء الاصطناعي.
الشركات الكبرى تضخ أموالًا طائلة في بناء مراكز بيانات ضخمة لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي. وهذا الإنفاق الضخم أصبح مثل وسادة هوائية تخفف من سقوط الاقتصاد.
دعني أعطيك فكرة عن حجم المبالغ:
– قبل ثلاث سنوات فقط، كان العالم ينفق أقل من 250 مليار دولار سنويًا على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي
– بحلول عام 2028، قد يتجاوز هذا الرقم 600 مليار دولار سنويًا
– أسهم شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى ارتفعت قيمتها بأكثر من 35% منذ مطلع 2025
– هذه الشركات أصبحت تمثل وحدها أكثر من 30% من وزن مؤشر S&P 500
لكن ليست كل المناطق محظوظة بنفس القدر. أوروبا وآسيا تعتمدان بشكل كبير على استيراد الطاقة، ولا تستفيدان بنفس القوة من طفرة الذكاء الاصطناعي.
ألمانيا مثلاً تستورد أكثر من 70% من طاقتها. واليابان وكوريا الجنوبية تعتمدان على الواردات في معظم احتياجاتهما من النفط والغاز. ارتفاع أسعار الطاقة بالنسبة لهم مثل ضريبة إضافية تثقل كاهل الاقتصاد.
التضخم يعود من الباب الخلفي
تذكر عندما كانت البنوك المركزية حول العالم تحتفل بقرب القضاء على التضخم؟ يبدو أن الاحتفال جاء مبكرًا.
أزمة الطاقة الجديدة أعادت خلط الأوراق. في أمريكا، التضخم الأساسي لا يزال أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي، ويتحرك حول 3.2%. وتوقعات التضخم للمستقبل بلغت أعلى مستوياتها منذ سنتين.
التأثير يكون أكثر إيلامًا في أوروبا. خبراء البنوك الاستثمارية يحذرون من أن كل ارتفاع بـ10 دولارات في سعر النفط قد يقلل نمو اقتصاد منطقة اليورو بنسبة تتراوح بين 0.2% و0.4% خلال عام.
النتيجة؟ البنوك المركزية أصبحت خائفة من تخفيض أسعار الفائدة. الأسواق كانت تراهن على سلسلة تخفيضات كبيرة خلال عام 2026، لكن هذه الآمال تتلاشى مع استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز.
الدولار يعود كالمعتاد
في لحظات القلق العالمي، كان هناك دائمًا وجه مألوف يطمئن الجميع: الدولار الأمريكي.
منذ بداية التصعيد في الشرق الأوسط، ارتفع مؤشر الدولار بنسبة تجاوزت 6%. المستثمرون يبحثون عن ملاذ آمن، ويجدونه في أمريكا كما حدث دائمًا.
لماذا؟ هناك ثلاثة أسباب بسيطة:
– الاقتصاد الأمريكي لا يعتمد على استيراد الطاقة بقدر أوروبا وآسيا
– أسواق المال الأمريكية هي الأكبر والأكثر سيولة في العالم
– شركات التكنولوجيا الأمريكية هي التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي
هذا يعيد إلى الأذهان فكرة قديمة جديدة: “لا بديل عن أمريكا”. كلما أصبحت البدائل العالمية أقل جاذبية، عاد المستثمرون إلى البيت الأبيض.
هل نغض الطرف عن الخطر؟
لا تظن أن كل شيء على ما يرام. الأسواق قد تبدو صامدة الآن، لكن المخاطر لا تزال تتربص.
إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة لفترة طويلة، فإن التأثيرات السلبية ستبدأ بالظهور بعمق، خاصة في أوروبا وآسيا. والأسوأ من ذلك، إذا تباطأت عوائد استثمارات الذكاء الاصطناعي، فجأة قد يتبخر الحماس الاستثماري بسرعة البرق.
هناك أيضًا قلق متزايد من ديون شركات التكنولوجيا. هذه الشركات تقترض بكثافة لتمويل التوسع الهائل في مراكز البيانات. التقديرات تشير إلى أن إنفاق أكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية قد يتجاوز 1.5 تريليون دولار خلال السنوات الخمس القادمة.
تخيل لو تراجعت الإيرادات المستقبلية، أو تباطأ الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي. هذه الديون ستتحول فجأة إلى عبء ثقيل قد يسحق الأسواق.
في النهاية.. إلى أين نتجه؟
نحن نعيش الآن في مرحلة غريبة اقتصاديًا. حرب تؤثر على الطاقة العالمية، تضخم لم يُهزم بعد، بنوك مركزية تمشي على حبل رفيع، وأسواق مالية يحركها حماس الذكاء الاصطناعي.
حتى الآن، الأسواق تراهن على سيناريو “الاضطراب دون الكارثة” — أن تستمر التوترات وترتفع أسعار الطاقة، لكن دون انهيار اقتصادي عالمي.
السؤال الذي يُحيّر الجميع الآن:
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي الاستمرار في إنقاذ العالم من صدمة الطاقة؟
أم أننا فقط نؤجل مواجهة واقع اقتصادي أكثر صعوبة سيأتي لا محالة؟
الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.




