منوعات

” في الحديقة”  … حين انتصرت الموسيقى على الخوف وأضاءت الشموع ليل الحرب

 

  • لينا باكير: أردنا أن نقول للأطفال والجمهور إن الحياة تستمر… والموسيقى قادرة على ترميم الأرواح

 

في أمسية استثنائية حملت الكثير من الدفء الإنساني ورسائل الأمل، كسرت أكاديمية لينا باكير للاستشارات الموسيقية والتدريب جمود الحرب والقلق الذي خيّم على المنطقة، وأقامت حفلها السنوي الرابع لعام 2026 تحت عنوان «في الحديقة»، في مقر الأكاديمية ، وسط أجواء غير تقليدية ازدانت بأضواء الشموع والموسيقى والحضور العائلي الكبير، لتتحول الليلة إلى مساحة مقاومة ناعمة للخوف ورسالة تؤكد أن الحياة قادرة دائماً على الاستمرار.

الحفل الذي جاء هذا العام بظروف استثنائية، لم يكن مجرد أمسية موسيقية، بل تجربة وجدانية متكاملة جمعت بين الفن والسلام والدعم النفسي، بعدما فرضت ظروف الحرب والاضطرابات المحيطة تحديات كبيرة على تنظيمه، بدءاً من إلغاء عدد من الفعاليات الفنية وصعوبة مشاركة أعضاء من فرق الأوركسترا القادمة من الخارج، وصولاً إلى تراجع أعداد بعض المشاركين بسبب مخاوف الأسر والظروف العامة.

ورغم كل ذلك، أصرت مؤسسة الأكاديمية البيانيست والمدربة الموسيقية لينا باكير على إقامة الحفل، إيماناً منها بأن الموسيقى لا يجب أن تتوقف في الأوقات الصعبة، بل تصبح أكثر أهمية وحضوراً.

وشهد الحفل ثلاث أمسيات موسيقية متتالية شارك فيها 66 عازفاً وعازفة من الأطفال والناشئة والمحترفين، موزعين على ثلاث فئات عمرية مختلفة، حيث خُصصت الحفلة الأولى للأطفال من عمر 3 سنوات فما فوق بمشاركة 33 عازفاً وعازفة، فيما جاءت الحفلة الثانية للفئة العمرية من 8 إلى 14 عاماً بمشاركة 17 عازفاً وعازفة، أما الحفل الثالث فخُصص للمحترفين من عمر 14 عاماً فما فوق بمشاركة 16 عازفاً وعازفة، قدموا جميعاً أكثر من 90 مقطوعة ومعزوفة موسيقية تنوعت بين الكلاسيكيات العالمية والأغاني الشرقية والغربية ذات الطابع الإنساني والوجداني.

وتعمدت الأكاديمية هذا العام اختيار أعمال موسيقية تحمل رسائل حب وتفاؤل وأمل، من بينها الأغنية الشهيرة «Mony Mony»، وأغنية «I Will Survive» التي جاءت كرسالة مباشرة عن القدرة على الاستمرار وتجاوز الأزمات، إلى جانب مقطوعات شرقية خالدة مثل «أنت عمري» لكوكب الشرق أم كلثوم، وأعمال عالمية رومانسية وإنسانية لاقت تفاعلاً واسعاً من الحضور الذين تجاوز عددهم 850 شخص على امتداد الحفلات الثلاث.

وقالت لينا باكير في تصريح صحافي ، إن فكرة الحفل هذا العام جاءت مختلفة تماماً عن الأعوام السابقة، موضحة أن الظروف المحيطة والحرب وما رافقها من ضغوط نفسية دفعتها للتفكير في إقامة أمسية تمنح الناس متنفساً إنسانياً قبل أن تكون حفلاً موسيقياً.

وأضافت: «كنا نستعد لإقامة الحفل في موقع آخر تحديداً مسرح عبد السالم ، لكن الظروف الاستثنائية وإلغاء العديد من الفعاليات وصعوبة تنقل الموسيقيين دفعتنا لاتخاذ قرار جريء بإقامة الحفل داخل حديقة الأكاديمية وعلى ضوء الشموع. أردنا أن يشعر الجميع أن الموسيقى قادرة على منح الطمأنينة حتى في أكثر اللحظات توتراً.

وأكدت أن الرسالة الأساسية للحفل كانت موجهة للأطفال قبل الكبار، لافتة إلى أن الاستسلام للخوف أو التوقف عن ممارسة الشغف بسبب الأزمات يترك أثراً نفسياً عميقاً على الأطفال والناشئة.

وقالت: «كان بإمكاننا تأجيل الحفل، لكنني أؤمن بأن الطفل يجب أن يتعلم أن الحياة لا تتوقف، وأن الإنسان يستطيع الاستمرار رغم كل الظروف. الموسيقى ليست مجرد عزف، بل بناء شخصية وثقة بالنفس وقدرة على تجاوز الأزمات.

وأوضحت باكير أن التحضير للحفل تم خلال فترة قصيرة وصعبة، خصوصاً مع اعتذار عدد من الموسيقيين بسبب ظروف الطيران والحرب، إضافة إلى تحديات إقامة حفلات موسيقية خارجية في أجواء صيفية، الأمر الذي تطلب تجهيزات فنية خاصة ومكيفات وأنظمة صوت متكاملة للحفاظ على جودة الأداء وسلامة آلات البيانو.

وأضافت أن الحفل جاء أيضاً كنوع من العلاج النفسي الجماعي، مؤكدة أن الموسيقى أثبتت علمياً دورها في التخفيف من التوتر والقلق وتحسين الصحة النفسية، خصوصاً خلال الأزمات والحروب.

وقالت: «الموسيقى تعالج الروح قبل أي شيء، والبيانو تحديداً من أكثر الآلات تأثيراً على الإنسان، لأنه يحفّز التركيز والتوازن الذهني والمشاعر في الوقت نفسه. البيانو ليس آلة فردية فقط، بل هو قائد أساسي في الأوركسترا، ومن خلاله يتعلم العازف الانضباط والإحساس والثقة والتعبير عن الذات.

وأشارت إلى أن الأكاديمية حرصت منذ تأسيسها قبل أكثر من عقدين على ترسيخ مفهوم الموسيقى كجزء من بناء الإنسان، وليس مجرد هواية، مؤكدة أن تعليم العزف للأطفال من عمر 3 سنوات ينعكس بصورة إيجابية على قدراتهم الذهنية والنفسية والسلوكية، ويساعدهم على تعزيز التركيز والهدوء والتفاعل الاجتماعي.

ولفتت إلى أن الحفل هذا العام حمل طابعاً إنسانياً مفتوحاً للجميع، إذ تم تصميم الحديقة بطريقة تسمح للعائلات بالجلوس بحرية وسط أجواء مريحة بعيدة عن الرسمية التقليدية، في محاولة لإعادة الفرح إلى الناس بعد فترة من التوتر والضغوط.

وأضافت: «أردنا أن يشعر الناس بأنهم في مساحة سلام، لذلك اخترنا الشموع والحديقة والأغاني التي تبعث الفرح والتفاؤل. حتى اختيار الأغاني لم يكن عشوائياً، بل ركزنا على الأعمال التي تمنح الجمهور شعوراً بالأمل والحياة، فضلا عن اننا جعلنا الحضور للجميع ولكل أهالي الطلبة من دون تذاكر دخول ، ليكون القاسم المشترك الذي جمع الكل في حفلنا في الحديقة حب الموسيقى.

واختتمت باكير بالتأكيد على أن استمرار إقامة الحفل السنوي للأكاديمية للعام الرابع على التوالي، رغم كل الظروف، يمثل رسالة إصرار على دعم المواهب الموسيقية الشابة في الكويت، وإيماناً بأن الفن الحقيقي يبقى أحد أهم أشكال القوة الناعمة القادرة على مواجهة الخوف وإحياء الأمل، كاشفة عن تنظيم حفل آخر في الأسبوع الثالث من شهر ديسمبر 2026 بمشاركة أوسع وتدريبات وعدد عازفين أكبر من داخل الكويت وخارجها .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى