شُطبت الشركة… فهل سقطت الشفافية؟

بقلم: محمد الشاطري
في الأسواق المالية، لا يُقاس احترام الشركات لمساهميها بحجم الأرباح وحدها، بل بمدى التزامها بالشفافية والإفصاح. غير أن هذا المبدأ يتلاشى لدى بعض الشركات بعد شطبها، وكأن الشفافية كانت التزامًا مؤقتًا ينتهي بمجرد الخروج من السوق.
نحن في أغسطس، وحتى الآن لم تصدر البيانات المالية السنوية لعام 2025 لعدد من الشركات المشطوبة. وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل يعني الشطب سقوط الالتزامات… أم أن أدوات الرقابة تقل فعاليتها بعد الشطب؟
الشطب لا يُلغي الوجود القانوني للشركة، ولا يُسقط مسؤوليات مجلس الإدارة. فالمساهم لا يزال شريكًا في رأس المال، ومن حقه الأصيل الاطلاع على النتائج ومعرفة مصير استثماره بوضوح وشفافية.
قد تُطرح مبررات مثل استمرار أعمال التدقيق أو إعادة الهيكلة، لكنها تفقد مشروعيتها عندما يتحول التأخير إلى نمط متكرر. عندها لا يُقرأ التأخير كتعثر إداري عابر، بل كمؤشر على خلل أعمق يتم تأجيل مواجهته. وفي جميع الأحوال، يبقى المساهم هو المتضرر الأول.
الأخطر من ذلك أن المساهم، خصوصًا الصغير، يجد نفسه عالقًا بين خيارين كلاهما مرّ: سوق موازٍ يفتقر إلى السيولة الحقيقية، ومعلومات غائبة لا تمكّنه من اتخاذ قرار استثماري واعٍ. أمواله مجمّدة، والرؤية ضبابية، والانتظار مفتوح بلا أفق واضح.
أي بيئة استثمارية يمكن أن تقوم أصلًا على هذا القدر من الغموض؟ فغياب المعلومة لا يضرّ المساهم وحده، بل يُضعف ثقة السوق ككل، ويجعل الاستثمار في الشركات الصغيرة والمتوسطة أكثر مخاطرة مما ينبغي.
إذا كانت الشركات المدرجة ملزمة بجداول إفصاح صارمة، فكيف يصبح هذا الالتزام مرنًا بعد الشطب؟ إن التساهل في هذا الملف يبعث برسالة خطيرة مفادها أن الخروج من السوق قد يتحول إلى مخرج من الالتزامات، وهو ما يقوّض أساس الثقة في المنظومة ككل.
التأخير في إصدار البيانات المالية بعد الشطب ليس مجرد تأخير زمني، بل انتقاص صريح من مبدأ الشفافية، ومسّ مباشر بحقوق المساهمين.
المطلوب واضح: التزام قانوني وأخلاقي من إدارات الشركات بالإفصاح في الوقت المناسب، وموقف أكثر حزمًا من الجهات الرقابية لضمان عدم تحول الشطب إلى منطقة رمادية خارج نطاق المساءلة.
فالقاعدة يجب أن تبقى ثابتة: من يدير الشركة يتحمل مسؤولية الوضوح… سواء كانت مدرجة أو مشطوبة.
أما خلاف ذلك، فليس مجرد تقصير… بل غياب للمساءلة، وتقويض لثقة لا يقوم السوق بدونها.




