مقالات

كشف التستر التجاري وتضييق الخناق على الاقتصاد الخفي

 

بقلم/ د. محمد غازي المهنا
محكم تجاري دولي
دكتوراة في الرقابة القانونية على هيئة سوق المال m7md_almuhanna@hotmail.com

 

تُكشف حالات التستر التجاري وتُضيّق الجهات الرقابية الخناق عليه عبر آليات متطورة تجمع بين الرقابة الميدانية، والتتبع المالي، والتحول الرقمي. فيما يلي أبرز الطرق والآليات المستخدمة لمكافحة هذه الظاهرة وتضييق الخناق عليها:

1- التتبع المالي والبنكي

* مراقبة الحسابات البنكية: رصد التدفقات المالية الضخمة التي لا تتناسب مع طبيعة نشاط المنشأة أو راتب العامل الوافد.

* التحويلات الخارجية: تتبع تحويل الأموال المتكررة إلى الخارج بمبالغ لا تتماشى مع الدخل المستحق نظاماً.

* حظر التعامل النقدي: إلزام المنشآت بتوفير وسائل الدفع الإلكتروني (مدى، الفيزا، إلخ) لتوثيق جميع العمليات مالياً وضمان شفافيتها.

2- الربط الإلكتروني وتحليل البيانات (ذكاء الأعمال)

* تكامل الأنظمة الحكومية: ربط بيانات وزارة التجارة بوزارة الموارد البشرية، هيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية لرصد التناقضات.

* مؤشرات الاشتباه الرقمية: استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لاكتشاف المنشآت التي تسجل عمالة فائضة، أو تحقق عوائد ضخمة بلا مبرر تجاري منطقي.

* الرواتب والأجور: مطابقة الأجور المسجلة في نظام حماية الأجور مع حجم العمل الفعلي والوظيفة المشغولة.

3- الرقابة الميدانية وبلاغات المستهلكين

* الجولات التفتيشية الفجائية: زيارة الفرق الرقابية للمنشآت والتحقق من الهويات، والتراخيص، وإدارة العمل الفعلي داخل المنشأة.

* أنظمة البلاغات: تحفيز المواطنين والمقيمين على الإبلاغ عن حالات الاشتباه عبر القنوات الرسمية (مثل تطبيق “بلاغ تجاري” أو الرقم الموحد).

* المكافآت التشجيعية: تخصيص نسبة مالية من الغرامات المحصلة للمُبليّغين (تصل أحياناً إلى 30% من قيمة الغرامة بعد صدور حكم نهائي).

آليات تضييق الخناق النظامية والعقوبات

* حملات التصحيح: منح مهل زمنية لتصحيح الأوضاع (مثل الشراكة النظامية أو نقل الملكية) لتشجيع المخالفين على الدخول في الاقتصاد الرسمي.

* العقوبات المغلظة: تطبيق عقوبات صارمة تشمل السجن والغرامات المالية الضخمة، ومنع المدان الكويتي من ممارسة التجارة.

* التشهير والإبعاد: التشهير بأسماء المخالفين في وسائل الإعلام المحلية على نفقتهم، وإبعاد الوافد المتستر عليه ومنعه من دخول الكويت نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

* تكويت الأنشطة الجاذبة: قصر العمل في قطاعات تجارية محددة على المواطنين لقطع الطريق أمام المتسترين (مثل منافذ البيع بالتجزئة، الذهب، والاتصالات).

التستر التجاري هو قيام شخص بتمكين شخص آخر غير مرخص له أو لا يجوز له نظاماً من ممارسة نشاط تجاري أو اقتصادي، بحيث يظهر صاحب الترخيص كواجهة بينما تؤول الإدارة الفعلية والأرباح للطرف الآخر.

أمثلة شائعة على التستر التجاري

– تشغيل واجهة محل: امتلاك مواطن لرخصة محل تجاري (مثل بقالة أو مغسلة ملابس)، وتسليم إدارته الكاملة وحركة أمواله لشخص مقيم أو غير مخول، مقابل مبلغ مقطوع أو نسبة متفق عليها.

– إدارة الحسابات البنكية: تحويل أرباح وعوائد المنشأة التجارية بشكل مباشر إلى حساب المستفيد الفعلي غير المرخص، مع كون الحساب الرسمي أو السجل باسم شخص آخر كستار.

– عقود التضمين والتوكيلات المطلقة: إعطاء توكيل عام لشخص غير مرخص لإدارة كافة الشؤون المالية والتعاقدية للشركة والتحكم بقراراتها والسيطرة على مقدراتها دون وجود شراكة حقيقية مسجلة.

– استخدام اسم الأقارب كوسطاء: استخراج ترخيص تجاري باسم أحد أفراد الأسرة (كالأبناء أو الوالدين) الذين لا يديرون النشاط فعلياً، بينما يقوم شخص آخر بالسيطرة الكاملة وإدارة العمل والانتفاع بأرباحه.

في المجال القانوني والاقتصادي، يُعتبر الشخص متستراً (في جريمة التستر التجاري) عندما يُمكّن شخصاً آخر (غالباً غير مواطن أو غير مرخص له) من ممارسة نشاط اقتصادي أو تجاري لحسابه الخاص مستخدماً اسمه، أو سجله التجاري، أو ترخيصه. أما في المفهوم الشرعي، فالاستتار يعني إخفاء العبد لذنبه ومعصيته عن الناس والتوبة منها.

حالات التستر التجاري

– تمكين غير المرخص: أن يقوم صاحب الترخيص أو السجل بالسماح لشخص لا يحمل ترخيصاً باستعمال اسمه أو سجله التجاري.

– ممارسة العمل لحساب الخاص: أن يقوم الطرف المقيم أو المخالف بإدارة نشاط تجاري وتحقيق أرباح تعود له بالكامل تحت غطاء ومظلة اسم شخص آخر نظامي.

– التستر المالي والإداري: ترك إدارة المؤسسة بالكامل للطرف غير المرخص، أو استخدام حسابات المواطن البنكية لتشغيل وإدارة أموال النشاط المخالف.

أنواع الستر في الفقه الإسلامي

– ستر الإنسان على نفسه: أن يقع الشخص في معصية أو ذنب فيستتر بستر الله ولا يجاهر بها، بل يتوب ويستغفر سراً.

– ستر المسلم لأخيه: ألا يفضحه الله في عيوبه أو زلاته الخفية ما لم يجرؤ على إظهار المنكر أو المجاهرة به أمام الناس.

ومن الإجراءات الناجحة لتسهيل عمل وزارة التجارة في كبح وتضييق الخناق على مرتكبي التستر التجاري ما فعلته المملكة العربية السعودية؛ حيث يمنح نظام مكافحة التستر التجاري في المملكة العربية السعودية المُبليّغين مكافأة مالية تصل إلى 30% كحد أقصى من قيمة الغرامة المحصّلة، وذلك بعد صدور حكم قضائي نهائي بثبوت الجريمة وتحصيل الغرامة من المدانين.

شروط استحقاق المكافأة

* تقديم معلومات دقيقة وموثوقة يصلح الاستناد إليها لبدء إجراءات الضبط والتحقيق.

* صدور حكم أو قرار نهائي بثبوت مخالفة أو جريمة التستر التجاري.

* فعليّة تحصيل الغرامة المالية المقررة من المخالفين.

* ألا يكون المُبليّغ متورطاً أو مداناً في جريمة التستر محل البلاغ.

* ألا يكون المُبليّغ من الجهات أو الموظفين المختصين بتطبيق نظام مكافحة التستر.

يتم إثبات التستر التجاري عن طريق تجميع مجموعة من القرائن والأدلة المالية والميدانية التي تثبت السيطرة الفعلية والإدارة والانتفاع بالأرباح لصالح شخص لا يحق له مزاولة النشاط، وليس بمستند واحد فقط.

يتضح مفهوم التستر التجاري ومعايير إثباته من خلال القراءة القانونية التالية:

الأدلة والقرائن المالية

* كشوف الحسابات: تتبع حركة التدفقات والتحويلات المالية البنكية.

* أرباح النشاط: إثبات الجهة أو الشخص الذي يذهب إليه العائد المالي الفعلي.

* الفواتير والعقود: مراجعة المستندات الموقعة مع العملاء والموردين.

الأدلة الميدانية والإدارية

* الإدارة الفعلية: معرفة من يتفاوض، يدير، يقبض، ويدفع في المحل يومياً.

* التفتيش والزيارات: جولات التفتيش الميداني للجهات الرقابية على مقر النشاط.

* أقوال العمالة: الاستماع لشهادة العاملين في المنشأة وطبيعة إدارتهم.

البلاغات الرسمية

* الجهات الرقابية: بلاغات ومحاضر الضبط من لجان التفتيش الحكومية.

* المنصات الرسمية: تقديم البلاغات عبر القنوات المخصصة مثل خدمة البلاغات بوزارة التجارة.

التستر التجاري هو قيام مواطن بتمكين مقيم من ممارسة نشاط تجاري لحسابه الخاص باستخدام اسم المواطن أو سجله التجاري مقابل مال دوري، ويُكشف عبر تتبع الحسابات البنكية، غياب المالك الحقيقي عن الإدارة، أو تقديم بلاغات رسمية.

علامات الاشتباه بالتستر التجاري

* إدارة الوافد: سيطرة غير الكويتي على البيع والشراء وإدارة المحل بشكل كامل.

* تحويل الأموال: إرسال أرباح ضخمة للخارج لا تتناسب مع أجور العاملين المسجلين.

* الحسابات الشخصية: استخدام حسابات بنكية شخصية للعمالة في تعاملات المحل بدلاً من الحساب التجاري للمنشأة.

طرق الكشف والإثبات الرسمية

* التحليل المالي: تتبع حركة الأموال والتدفقات النقدية لمعرفة المستفيد الحقيقي.

* الزيارات الميدانية: جولات الرقابة للتحقق من تواجد المالك وإدارته الفعلية.

* مراجعة العقود: فحص عقود الإيجار، وفواتير الموردين، وحسابات المعاملات.

في نهاية حديثنا نؤكد أن التستر التجاري جريمة يعاقب عليها القانون الكويتي بأشد العقوبات، ونتمنى من المشرع الكويتي إضافة مادة بأن يحصل صاحب البلاغ على 30% من الغرامات المحصلة من التستر حتى يسهل لجهة الإدارة الرقابية السيطرة على التستر التجاري والقضاء على هذه السلبية التي تؤثر على الاقتصاد ومحاربة الكوادر الوطنية في الانخراط في سوق العمل الخاص وتنشيط الاقتصاد بتوطين الأموال والكوادر الوطنية. نتمنى أن يكون مقالنا قد أجاب على جميع استفساراتكم وتفاصيل التستر، وكل من عقوباته، وطرق إثباته، الإبلاغ عنه، وغيرها من المعلومات المهمة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى