طرق مكافحة غسل الأموال وتضييق الخناق على مؤثري السوشيال ميديا
بقلم/ د. محمد غازي المهنا
محكم تجاري دولي_ دكتوراة في الرقابة القانونية على هيئة سوق المال
m7md_almuhanna@hotmail.com
تستغل شبكات غسل الأموال التطور التكنولوجي ومنصات السوشيال ميديا كأدوات مبتكرة لتمرير الأموال غير المشروعة وإضفاء طابع شرعي عليها. تتيح هذه المنصات للمحتالين تجاوز الرقابة المصرفية التقليدية نتيجة لتدفق ملايين المعاملات الصغيرة واليومية.
فيما يلي أبرز الطرق المبتكرة لغسل الأموال عبر وسائل السوشيال ميديا:
1- الهدايا الافتراضية والدعم في البث المباشر (Live Streaming): تُعد هذه الطريقة من أكثر الأساليب انتشاراً على منصات مثل (TikTok).
– آلية العمل: يقوم المحتالون باستخدام بطاقات ائتمانية مسروقة أو أموال غير مشروعة لشراء “عملات افتراضية” أو هدايا داخل التطبيق.
– التسييل: يتم إغداق هذه الهدايا على حسابات مؤثرين (أو حسابات تابعة للمحتالين أنفسهم) أثناء البث المباشر.
– الدمج: تحوّل المنصة هذه الهدايا إلى أموال حقيقية يتم سحبها وتقاسمها بنسبة متفق عليها، لتظهر كأرباح شرعية من صناعة المحتوى.
2– المبالغة في عقود الإعلانات والتسويق: تُستغل شهرة بعض “المؤثرين” كغطاء مثالي لخلط الأموال.
– آلية العمل: تبرم شركات وهمية عقوداً إعلانية مع مشاهير السوشيال ميديا بقيم مالية ضخمة ومبالغ فيها جداً ولا تتناسب مع حجم العمل الإعلاني الحقيقي.
– النتيجة: تدخل الأموال المشبوهة حساب المؤثر كـ “أجور إعلانية” رسمية، ويتم لاحقاً تدويرها أو تقاسمها لإخفاء مصدرها الأصلي.
3- الحسابات والمتاجر الإلكترونية الوهمية: الربط بين السوشيال ميديا والتجارة الإلكترونية فتح ثغرات جديدة.
– البيع الصوري: إنشاء متاجر أو صفحات تبيع منتجات رقمية، أو تصاميم، أو خدمات استشارية وهمية.
– التمرير: يتم الدفع مقابل هذه المنتجات “التي لا وجود لها في الواقع” باستخدام أموال مشبوهة، فتتحول الأموال إلى أرباح تجارية ناتجة عن تسوق إلكتروني يبدو قانونياً.
4- شبكات الحسابات الآلية (Bots) والتجزئة: تعتمد هذه الوسيلة على تفتيت المبالغ الكبيرة لتفادي أنظمة الإنذار المبكر في البنوك.
– آلية العمل: يُشغّل المحتالون آلاف الحسابات المزيفة (Bots) المرتبطة بمحافظ إلكترونية.
– التجميع: يقوم كل حساب بإرسال مبالغ صغيرة جداً إلى حساب رئيسي واحد. هذه المعاملات المتناهية الصغر لا تثير شكوك أنظمة مكافحة غسل الأموال (AML) لكثرتها وتشتتها.
5- دمج السوشيال ميديا بالعملات المشفرة: تُستخدم المنصات الاجتماعية للترويج لعمليات تبادل العملات الرقمية وتسهيلها.
– إخفاء الهوية: يتم توجيه الضحايا أو الشركاء عبر مجموعات مغلقة (مثل تليجرام أو ديسكورد) لشراء عملات مشفرة تضمن الخصوصية.
– التحويل والتسييل: تُنقل الأموال عبر محفظة بلوكشين غير خاضعة لرقابة “اعرف عميلك” (KYC) ثم تُسحب كأموال كاش.
ما هي التحويلات المشبوهة؟
التحويلات المشبوهة هي معاملات مالية تنحرف عن النمط المعتاد أو الطبيعي لحساب العميل، ويُشتبه في ارتباطها بأنشطة غير قانونية مثل غسل الأموال، أو تمويل الإرهاب، أو الاحتيال المالي.
أمثلة وأشكال التحويلات المشبوهة
1- تقسيم المبالغ (التحويلات الصغيرة): إرسال مبالغ متكررة ودون الحد الأقصى الذي يتطلب الإبلاغ لتجنب لفت الانتباه.
2- التناقض مع النشاط: تحويل مبالغ ضخمة عبر حساب شخصي لا يتناسب دخله أو نشاطه التجاري المعتاد مع هذه الأرقام.
3- الحركة السريعة للأموال: استقبال الأموال وتحويلها أو سحبها فوراً إلى جهات أخرى دون وجود سبب تجاري أو شخصي واضح.
4- استخدام وسطاء: الاستعانة بأشخاص آخرين (ناقلي الأموال أو الحسابات الوهمية) لتمرير الأموال وإخفاء مصدرها الحقيقي.
هل الحوالات الكثيرة تسبب مشكلة في الحساب؟
نعم، كثرة الحوالات البنكية أو تكرارها بمبالغ كبيرة قد تسبب مشكلة وتؤدي إلى تجميد أو إيقاف الحساب الشخصي مؤقتاً في بعض الحالات.
الأسباب والأضرار المحتملة
– الاشتباه بأنشطة تجارية: استخدام الحساب الشخصي لاستلام أموال متكررة تخص تجارة أو بيع أونلاين يعتبر مخالفاً لسياسات البنوك، وقد يُعرض الحساب للتقييد أو الإغلاق.
– مكافحة غسل الأموال: الحوالات الكثيرة وغير المعتادة أو الواردة من أشخاص مجهولين تفعّل أنظمة الرقابة ومراجعة إدارة الالتزام للتأكد من مصدر الأموال.
– مخاطر الاحتيال المالي: استلام حوالات من جهات غريبة أو غير معروفة قد يورطك في عمليات احتيال أو طلب استرجاع للمبالغ من البنك المصدر، مما يترتب عليه حجز المبلغ مؤقتاً.
النصائح لتجنب المشاكل فتح حساب تجاري
– تخصيص حساب تجاري منفصل للأنشطة الاقتصادية والبيع الإلكتروني.
– تجهيز المستندات: الاحتفاظ بفواتير أو إثباتات رسمية توضح مصدر الأموال ومشروعيتها في حال طلب البنك ذلك.
– تفادي استقبال حوالات لأشخاص لا تعرفهم أو الدخول في تعاملات عملات رقمية غير مأمونة عبر الحساب الشخصي.
العلامات الدالة على اختراق الحساب البنكي
– خصومات مجهولة: ملاحظة عمليات شراء صغيرة أو غريبة لم تقم بها. – رسائل التغيير: تلقي إشعارات بتغيير كلمة المرور أو رقم الجوال من غير علمك.
– فشل تسجيل الدخول: ظهور رسالة تفيد بأن كلمة المرور غير صحيحة أو قفل الحساب.
– اتصالات مشبوهة: استقبال مكالمات تطلب رمز التحقق (OTP) بحجة تحديث البيانات.
آلية تضخيم الإيرادات الوهمية
1– إنشاء إيرادات وهمية عبر صفقات رعاية مزيفة مع شركات وهمية أو غير موجودة: يُعلن المؤثر عن عقد شراكة مع علامة تجارية، ثم يُنشئ فواتير مزورة لإثبات تدفقات مالية تبدو قانونية. تُستخدم هذه الفواتير لتمرير الأموال غير المشروعة عبر حسابات المؤثر أو شركته.
2- شراء الأصول كغطاء مالي: يلجأ بعض المؤثرين إلى شراء أصول عالية القيمة مثل العقارات الفاخرة أو السيارات أو المجوهرات باستخدام أموال غير مشروعة، ثم يعرضونها على منصات التواصل كـ “مكاسب” من أنشطتهم الرقمية.
وفي الختام، طبقت دول مجلس التعاون الخليجي إجراءات متقدمة في هذا المجال؛ ففي المملكة العربية السعودية يُلزم المؤثرون بالكشف عما إذا كانوا مروجين مدفوعي الأجر، كما يُلزمون بالابتعاد عن تقديم ادعاءات مضللة. أما الإمارات العربية المتحدة فقد ألزمت المؤثرين بالحصول على تراخيص، مما أضاف طبقة إضافية من المساءلة.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات قائمة ومنها:
– التطور السريع للتقنيات والتغير المستمر في أساليب المجرمين السيبرانيين، مما يجعل من المستحيل تقريباً على السلطات أن تظل تسبقهم بخطوة.
– الطبيعة المعقدة للتسويق عبر المؤثرين، وغالباً الغموض الكبير بين ما هو مشروع وما هو غير مشروع، تجعل عملية المتابعة والتحقق صعبة للغاية.
مكافحة غسل الأموال الإلكتروني بفعالية تتطلب نهجاً متعدداً يشمل الدوائر الحكومية والمؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا. ويتضمن ذلك تعزيز التعاون الدولي وتبادل المعلومات الاستخبارية لتطوير أدوات معقدة للكشف عن هذه الأنشطة غير القانونية.
من خلال هذه الأساليب، يمكن للسلطات المعنية والهيئات الرقابية في الكويت تقليص قدرة غاسلي الأموال على استغلال المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي لغسل الأموال بشكل كبير، مع حماية نزاهة النظام المالي. ومع الوعي بأن العالم الرقمي يستمر في التطور، فإن هذا المجال يتطلب تطوير الوعي بالتهديدات الجديدة وتعديل السياسات التنظيمية بشكل مستمر، وكذلك تشريع قانون يسد جميع الثغرات القانونية التي يفلت منها غاسلو الأموال، وتأسيس هيئة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بدلاً من وحدة التحريات المالية، وإعطاؤها صلاحيات منها الاستقلال المالي والإداري، وتزويدها بكوادر وطنية في هندسة الأمن السيبراني، وإعطاءها حرية البحث والتحري والكشف عن العمليات المشبوهة التي يقوم بها غاسلو الأموال.




