مقالات

الفيدرالي الأمريكي يثبّت الفائدة.. هل يرفعها مجددًا في ديسمبر؟

 

بقلم/ د. محمد الشبشيري
 Elshebshiry@outlook.com

 

أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في اجتماعه المنتهي في 28 أكتوبر 2026، سعر الفائدة المستهدف على الأموال الفيدرالية ضمن نطاق 3.75% إلى 4.00%. لكن القرار، الذي أُقرّ بأغلبية 10 أصوات مقابل صوتين، لا يعني أن دورة التشديد النقدي انتهت؛ فقد فضّل العضوان المعارضان رفع الفائدة ربع نقطة مئوية، بينما شدد بيان اللجنة على أن التضخم لا يزال مرتفعًا وأنها تحتاج إلى مزيد من المعلومات قبل تحديد الخطوة التالية.

يضع القرار الأسواق أمام سؤال ديسمبر: هل يرفع الفيدرالي الفائدة مرة أخرى، أم يمدد التثبيت؟ الإجابة ستعتمد على البيانات المقبلة، لا على قرار أكتوبر وحده. فالتضخم ما زال أعلى من المستوى الذي يستهدفه البنك المركزي، لكن رفع الفائدة مجددًا قد يفاقم كلفة الاقتراض ويضغط على النشاط الاقتصادي.

اقتصاد متماسك، وتضخم أعلى من الهدف

وصف بيان الفيدرالي النشاط الاقتصادي بأنه يتوسع بوتيرة قوية، وأشار إلى متانة الإنفاق المحلي وقوة الاستثمار والإنتاجية. وفي سوق العمل، لم يتغير معدل البطالة كثيرًا؛ إذ بلغ 4.2% في سبتمبر، فيما زادت الوظائف غير الزراعية بنحو 29 ألف وظيفة فقط. كما خُفّضت تقديرات الوظائف لشهري يوليو وأغسطس بمجموع 60 ألف وظيفة مقارنة بالتقديرات السابقة، وهي تفاصيل ترسم صورة لسوق عمل مستقر إجمالًا لكنه ليس بلا إشارات ضعف.

أما التضخم، فتُظهر أحدث بيانات مؤشر أسعار المستهلك أن الأسعار ارتفعت 3.7% خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في سبتمبر، مقابل 3.4% في أغسطس. وارتفع المؤشر 0.6% على أساس شهري، فيما زاد المؤشر الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة، 2.6% سنويًا. وأسهم ارتفاع الطاقة بقوة في القراءة الشهرية؛ إذ زاد مؤشرها 5.2% في سبتمبر، وارتفع مؤشر البنزين 9.1%.

وهنا يلزم التمييز بين هذا المؤشر وهدف الفيدرالي البالغ 2%: الهدف يُصاغ على أساس مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي  PCE لا مؤشر أسعار المستهلك     CPI لذا فإن رقم 3.7% يوضح استمرار ضغوط الأسعار، لكنه ليس قراءة مقياس الهدف نفسه. ومع ذلك، فإن بقاء التضخم مرتفعًا، إلى جانب قوة الإنفاق والاستثمار، يقلل فرص خفض الفائدة سريعًا.

ديسمبر: اجتماع تحكمه البيانات

في وقت صدور هذا المقال، لم تكن بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثالث قد نُشرت بعد؛ إذ كان موعد التقدير الأولي مقررًا في 29 أكتوبر. لذلك ستكون قراءة النمو، إلى جانب بيانات التضخم والإنفاق والتوظيف اللاحقة، من العناصر التي سيتابعها المستثمرون قبل اجتماع الفيدرالي المقرر يومي 8 و9 ديسمبر.

إذا أظهرت البيانات استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة مع بقاء النشاط قويًا، فقد تتعزز حجة رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس. أما إذا تباطأ التضخم أو تدهورت مؤشرات النشاط وسوق العمل، فقد يفضّل صانعو السياسة الانتظار. وفي الحالتين، لا يضمن تثبيت أكتوبر خفضًا لاحقًا، كما أن احتمال الرفع لا يعني أن القرار قد حُسم.

والتوازن صعب: فالفائدة الأعلى تساعد على كبح الطلب والضغوط السعرية، لكنها ترفع تكلفة القروض على الأسر والشركات. وقد يظهر أثرها في التمويل العقاري والاستثمار والائتمان، كما يمكن أن تزيد مخاطر تباطؤ النمو إذا ظل التشديد قائمًا مدة طويلة.

ماذا تسعّر الأسواق؟

بحسب تقرير رويترز المنشور في 28 أكتوبر، كانت أسعار العقود المرتبطة بالفائدة تعكس احتمالًا يقارب 80% لرفع الفائدة في اجتماع ديسمبر، مع توقع الأسواق احتمال رفع آخر بحلول مارس. وهذه النسبة قراءة لتسعير السوق في ذلك التوقيت، وليست توقعًا رسميًا للفيدرالي أو ضمانًا لحدوث الرفع.

كما ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى نحو 5.042% عقب القرار، بينما تراجعت قليلًا رهانات المتعاملين على الزيادات المقبلة بعد تصريحات رئيس الفيدرالي كيفن وارش. وتُظهر هذه التحركات حساسية الأسواق لأي تغير في توقعات السياسة النقدية، لكنها لا تعني اتجاهًا مضمونًا للأسهم أو السندات أو الدولار.

فارتفاع توقعات الفائدة قد يضغط على تقييمات الأسهم، ولا سيما الشركات التي تعتمد على التمويل أو تُسعّر على أساس أرباح بعيدة الأجل. وقد ترتفع عوائد السندات الجديدة، في حين تنخفض أسعار السندات القائمة عادةً عند صعود العوائد. أما الدولار، فتتوقف حركته على مسار الفائدة مقارنة بالاقتصادات الأخرى، وعلى توقعات النمو وعوامل أخرى.

وتواجه الأسواق الناشئة تحديًا إضافيًا إذا ارتفعت العوائد الأمريكية: فقد تصبح الأصول الدولارية أكثر جاذبية، وترتفع كلفة الاقتراض الخارجي، خصوصًا على الجهات التي تحتاج إلى إعادة تمويل ديونها. لكن الأثر يختلف من بلد إلى آخر بحسب وضعه المالي والخارجي، ولا يصح تعميمه بالتساوي على جميع الأسواق.

قراءة القرار

يقول قرار أكتوبر إن الفيدرالي يريد وقتًا إضافيًا لتقييم البيانات، لا إنه حسم اتجاه السياسة النقدية. والتصويت المنقسم 10–2 يؤكد وجود تفضيلات مختلفة داخل اللجنة، لكنه لا يكفي وحده لاستنتاج أن أغلبية الأعضاء ستؤيد الرفع في ديسمبر.

لذلك، فإن السيناريو الأكثر حذرًا هو إبقاء الاحتمالين مفتوحين. فإذا ظل التضخم مرتفعًا وظل الاقتصاد متماسكًا، قد يختار الفيدرالي رفع الفائدة مجددًا. وإذا ظهر تباطؤ واضح في الأسعارأو النشاط، فقد يمدد التثبيت. وستكون بيانات الناتج والتضخم والوظائف، لا عناوين الأسواق وحدها، العامل الحاسم في ترجيح أحد المسارين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى