اليابان تستورد مليون عامل.. عندما تتحول الحاجة إلى قوة اقتصادية
بقلم: المحامي هشام الفهد
قرار اليابان بفتح أبوابها لاستقدام 100 ألف عامل بنغالي سنوياً لمدة 10 سنوات، بإجمالي مليون عامل، ليس مجرد خبر هجرة، بل هو إعلان صريح عن دخول الاقتصاد الياباني مرحلة جديدة من القوة والمرونة الاستراتيجية. الدولة التي عُرفت لعقود بانغلاقها الثقافي ورفضها للعمالة الوافدة، تقول اليوم للعالم: نحن مستعدون للتكيف لنبقى أقوياء.
هذا القرار يكشف 7 دلالات على قوة الاقتصاد الياباني ومرونته في التعامل مع ملف الوافدين:
أولاً: اعتراف بالقوة وليس بالضعف
الدول الضعيفة تطرد العمالة، الدول القوية تستقطبها. اليابان تواجه شيخوخة سكانية خطيرة – 29% من سكانها فوق 65 سنة – ومع ذلك معدل البطالة فيها 2.6% فقط. استقدام مليون عامل يعني أن المصانع والخدمات تعمل بكامل طاقتها وتحتاج للمزيد، وهذا هو تعريف الاقتصاد المنتج.
ثانياً: مرونة تشريعية تاريخية
اليابان التي كانت ترفض نظام “العامل الوافد” بدأت منذ 2019 ببرنامج العمالة الماهرة المحددة SSW. اليوم توسع البرنامج ليشمل بنغلاديش بهذا الحجم، دليل على أن المؤسسات اليابانية قادرة على تغيير قوانين عمرها 100 سنة خلال 5 سنوات لخدمة الاقتصاد، وهي مرونة لا تملكها كثير من الدول.
ثالثاً: اختيار بنغلاديش.. استثمار في التكلفة والجودة
لماذا بنغلاديش؟ لأن العامل البنغالي أثبت كفاءة عالية في الخليج واليابان بتكلفة تنافسية، ومعدل التزامه بالقانون عالٍ، ولغته الانجليزية مقبولة. اليابان لا تجلب أي عمالة، هي تختار عمالة مدربة مسبقاً في مراكزها في دكا، مما يقلل كلفة التدريب.
رابعاً: حل لأزمة سلاسل الإمداد
بعد كورونا وحرب أوكرانيا، أدركت اليابان أن الاعتماد على الصين وحدها خطر. المصانع اليابانية تعود من الصين إلى اليابان “Reshoring”، وهذا يحتاج لأيدي عاملة. المليون عامل هم وقود لإعادة التصنيع داخل اليابان.
خامساً: إدارة ذكية للتنوع الثقافي
اليابان لا تفتح الباب عشوائياً. كل عامل يمر عبر 3 مراحل: لغة يابانية N4، اختبار مهاري، وعقد مع شركة كفيلة. هذا نموذج كفيل متطور يضمن عدم خلق اقتصاد موازٍ أو مشاكل اجتماعية، وهو ما يفسر نجاح تجربتها مع الفيتناميين والنيباليين قبل بنغلاديش.
سادساً: ضخ سيولة استهلاكية جديدة
مليون عامل يعني مليون مستهلك جديد للسكن والطعام والاتصالات والتحويلات. التقديرات تشير إلى أن كل 100 ألف عامل يضيفون 1.2 مليار دولار للناتج المحلي الياباني سنوياً من الاستهلاك فقط.
سابعاً: رسالة للمستثمر الأجنبي
عندما يرى المستثمر أن اليابان تحل أكبر مشكلة لديها (نقص العمالة) بهذه الجرأة، يطمئن أن استثماره في مصنع أو شركة تكنولوجيا لن يتعطل بسبب نقص الموظفين.
لماذا لا يزال الاقتصاد الياباني قوياً وجاذباً للاستثمار؟
1- التكنولوجيا أولاً: اليابان تستثمر 3.3% من ناتجها في البحث والتطوير، الأعلى في العالم.
2- الين الضعيف المدروس: انخفاض الين جعل الصادرات اليابانية رخيصة، وأرباح تويوتا وسوني قياسية.
3- البنية التحتية التي لا تشيخ: قطارات، موانئ، وكهرباء لا تنقطع، وهذا ما يحتاجه أي مصنع.
4- الأمن القانوني: لا تأميم، لا ضرائب مفاجئة، وعقد يحترم لـ 20 سنة.
5- الادخار المحلي الضخم: اليابان تمتلك 15 تريليون دولار مدخرات داخلية، فهي لا تحتاج للاقتراض من الخارج.
الخلاصة: اليابان لا تستورد عمالاً لأنها فقيرة، بل لأنها غنية وتريد أن تبقى غنية لـ 50 سنة قادمة. والدرس للكويت والخليج: قوة الاقتصاد لا تقاس بعدد المواطنين، بل بقدرتك على إدارة الوافد إليك ليصبح جزءاً من قوتك.




