شركاء على حافة الهاوية: عندما تتحول طموحات النجاح إلى نزاع قضائي..
قراءة في الحلول القانونية وفق القانون الكويتي
بقلم: الدكتور مستشار/ وسيم أحمد العبدالله
في عالم الأعمال الذي لا يعترف إلا بالنمو والنجاح، تبدأ العديد من المشاريع التجارية كقصص ملهمة لشراكات طموحة، يجمعها الحلم وتوحدها الرؤية. لكن، ما يلبث أن يتحول هذا الحلم أحيانًا إلى كابوس، عندما تدب الخلافات بين الشركاء، فتعصف بالشركة وتهدد بانهيارها. ليست هذه مجرد فرضية، بل هي واقع يتكرر في أروقة المحاكم التجارية، حيث تتحول علاقات الود والثقة إلى نزاعات قضائية معقدة.
إن الخلافات بين الشركاء ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات تبدأ غالبًا من غياب الأساس القانوني المتين الذي ينظم العلاقة بينهم. من أبرز أسباب هذه النزاعات: الانفراد بالقرارات الإدارية والمالية، أو الخلاف حول توزيع الأرباح، أو تضارب المصالح الشخصية مع مصلحة الشركة. وعندما تصل هذه الخلافات إلى طريق مسدود، فإنها تشل حركة الشركة، وتجمد أصولها، وقد تؤدي إلى خسارة سمعتها في السوق.
مثال من الواقع القضائي: قضية “الشريك الصامت“ :
لنأخذ مثالًا واقعيًا من ساحات القضاء الكويتي، والذي يمكن أن نطلق عليه قضية “الشريك الصامت”. تأسست شركة ذات مسؤولية محدودة بين شريكين، أحدهما “الشريك الإداري” المسؤول عن كافة العمليات اليومية، والآخر “الشريك الصامت” الذي اكتفى بضخ رأس المال دون تدخل في الإدارة. بعد سنوات من النجاح الظاهري، لاحظ الشريك الصامت أن الأرباح الموزعة لا تتناسب مع حجم أعمال الشركة المتزايد.
عندما طلب الاطلاع على دفاتر الشركة وحساباتها، قوبل بالرفض والمماطلة من قبل الشريك الإداري. هنا، قرر اللجوء إلى محامٍ متخصص في قضايا الشركات. وبعد دراسة عقد التأسيس والقانون، قام المحامي برفع دعوى قضائية أمام المحكمة التجارية، طالبًا فيها بندب خبير محاسبي لمراجعة حسابات الشركة وأعمالها. أثبت تقرير الخبير وجود تلاعب في الحسابات وإساءة استخدام لأموال الشركة من قبل الشريك الإداري. بناءً على ذلك، أصدرت المحكمة حكمًا بعزل الشريك الإداري وتعيين مدير جديد، مع إلزامه بتعويض الشركة عن الأضرار التي لحقت بها، محافظةً بذلك على كيان الشركة وحقوق الشريك المتضرر.
دور المحامي: من صياغة العقد إلى قاعة المحكمة:
تتجلى أهمية دور المحامي في قضايا الشركات في مرحلتين أساسيتين:
* المرحلة الوقائية (قبل النزاع): تبدأ الحماية القانونية الحقيقية من اليوم الأول لتأسيس الشركة. فالمحامي المتخصص لا يكتفي بتسجيل الشركة، بل يصوغ عقد تأسيس ونظامًا أساسيًا محكمًا، يوضح بدقة صلاحيات كل شريك، آلية اتخاذ القرارات، نسب توزيع الأرباح والخسائر، وشروط التخارج أو دخول شركاء جدد. هذا العقد هو “شريعة المتعاقدين” والدرع الواقي الذي يمنع نشوء الخلافات المستقبلية.
* المرحلة العلاجية (بعد نشوء النزاع): عند وقوع الخلاف، يصبح المحامي هو الملاذ القانوني لحماية الحقوق. يبدأ دوره بمحاولة حل النزاع وديًا عبر التفاوض أو الوساطة للحفاظ على العلاقات التجارية. فإذا فشلت الحلول الودية، يتجه إلى الخيارات التي أتاحها القانون الكويتي، والتي تشمل التحكيم (إذا نص عليه العقد) أو اللجوء إلى القضاء التجاري. أمام المحكمة، يتولى المحامي تقديم الأدلة والمستندات، والدفاع عن حقوق موكله، سواء كان الهدف هو عزل شريك مضر، أو حل وتصفية الشركة، أو المطالبة بالحقوق المالية.
الحلول القانونية وفق القانون الكويتي:
لقد وضع قانون الشركات الكويتي رقم 1 لسنة 2016 والقوانين المكملة له إطارًا واضحًا لحل النزاعات. فإلى جانب الحلول الودية، يمكن للشركاء اللجوء للقضاء للمطالبة بأحد الإجراءات التالية:
* عزل المدير أو الشريك:يجوز طلب عزل المدير أو الشريك قضائيًا إذا ارتكب مخالفات جسيمة تضر بالشركة.
* طلب حل وتصفية الشركة: إذا وصلت الخلافات إلى درجة يستحيل معها استمرار التعاون بين الشركاء، يمكن طلب حل الشركة وتصفيتها قضائيًا.
* ندب خبير: وهو إجراء فعال لإثبات وجود أي مخالفات مالية أو إدارية.
خلاصة إرشادية:
إن عالم الشراكات التجارية، بقدر ما يحمل من فرص للنجاح، ينطوي على مخاطر قانونية لا يمكن تجاهلها. إن الاستثمار في استشارة قانونية متخصصة عند التأسيس ليس ترفًا، بل هو ضرورة قصوى لبناء صرح تجاري متين. وعند ظهور بوادر الخلاف، فإن التوجه المبكر للمحامي المختص قد يجنّب الشركة والشركاء معارك قضائية طويلة ومكلفة، ويحافظ على ما تبقى من علاقات ونجاحات. فالحكمة لا تكمن فقط في تحقيق الأرباح، بل في حمايتها وصونها وفقًا للقانون.



