“الثقة القاتلة” في عالم الأعمال: عندما يغيب العقد وتحضر الخسارة
بقلم: المحامي/ هشام الفهد.
في مكتبي، أرى قصصاً تتكرر بأشكال مختلفة، لكن جوهرها واحد: شراكات بدأت بحماس وثقة عمياء، وانتهت بمرارة وخسائر فادحة في أروقة المحاكم. ليست كل النزاعات تنشأ بسبب سوء النية، بل إن الكثير منها يولد من رحم “الثقة المفرطة” التي تدفع الشركاء، خاصة الأصدقاء والأقارب، إلى إهمال توثيق اتفاقاتهم بشكل قانوني سليم. يعتقدون أن “الكلمة” تكفي، وأن العلاقة الشخصية هي الضمان الأقوى، متناسين أن المال له منطق مختلف، وأن ذاكرة الإنسان تخونه، والنوايا قد تتغير.
هنا تكمن “الثقة القاتلة”؛ تلك التي تقتل المشروع قبل أن يرى النور، أو تدمره بعد أن ينجح. فالقانون لا يعترف بالنوايا الطيبة بقدر ما يعترف بالوثائق والأدلة المكتوبة.
واقعة من قلب الميدان: مشروع “الكافيه” الذي تبخر:
لعل أقرب مثال يجسد هذه المأساة، قصة شابين صديقين قررا افتتاح “كافيه” في موقع مميز. أحدهما، دعنا نسمه “خالد”، يملك الخبرة في إدارة المقاهي، والآخر، “سالم”، يملك رأس المال. اتفقا شفويًا على أن يتولى خالد الإدارة الكاملة مقابل راتب شهري ونسبة 50% من الأرباح السنوية، بينما يمول سالم المشروع بالكامل.
تم استئجار المحل باسم سالم، وصدر الترخيص التجاري باسمه كمنشأة فردية، وبدأ العمل. حقق الكافيه نجاحاً باهراً بفضل خبرة خالد ومجهوده الجبار الذي تجاوز ساعات العمل الرسمية. لكن بعد مرور السنة الأولى، وعندما طالب خالد بنصيبه من الأرباح، تفاجأ برد صديقه: “أنت مجرد موظف براتب، والأرباح من حقي وحدي كوني مالك المشروع!”.
لم يكن لدى خالد أي عقد مكتوب يثبت شراكته، كل ما لديه هو “اتفاق شرف” ومحادثات “واتساب” متفرقة لا ترقى لإثبات شراكة كاملة. لقد بنى كل أحلامه على أساس من الثقة، فانهار كل شيء في لحظة.
دور المحامي: منقذ ما يمكن إنقاذه
عندما لجأ خالد إلينا، كانت القضية معقدة. فمن الناحية القانونية الظاهرة، سالم هو المالك الوحيد. هنا، لم يعد دورنا مقتصراً على تقديم دعوى مباشرة، بل تحول إلى عمل “تحقيقي” لجمع الأدلة. قمنا بالآتي:
* تحليل المراسلات:تم فحص جميع المحادثات بين الطرفين لاستخراج أي إقرار ضمني من سالم بوجود شراكة أو وعد بنسبة من الأرباح.
* شهادة الشهود:تم التواصل مع الموردين والموظفين الذين كانوا على علم بطبيعة الاتفاق بين الشريكين، وطلب شهادتهم.
* إثبات الحالة:قمنا بإثبات أن خالد هو من كان يدير المشروع فعلياً، ويتعامل مع الموردين، ويوظف العمال، مما يتجاوز مهام المدير العادي.
بناءً على هذه الخيوط، تم رفع دعوى “إثبات شراكة واقعية”، وهي من أصعب الدعاوى لأن عبء الإثبات يقع بالكامل على من يدعي وجود الشراكة. بعد جلسات ومرافعات، تمكنا من إقناع المحكمة بوجود علاقة تتجاوز مجرد علاقة عمل، وصدر حكم بتقدير مستحقات مالية لخالد كتعويض عن مجهوده وخبرته التي كانت سبباً رئيسياً في نجاح المشروع، وإن لم تصل إلى نسبة 50% التي كان يطمح لها. لقد أنقذنا ما يمكن إنقاذه، لكن الدرس كان قاسياً.
المنهجية القانونية: الوقاية خير من العلاج :
القانون الكويتي واضح في حماية الحقوق، لكنه يشترط وجود دليل. لتجنب مأساة “خالد”، كان يجب اتباع الخطوات التالية من البداية:
* اختيار الكيان القانوني الصحيح: بدلاً من الترخيص الفردي، كان يجب تأسيس “شركة ذات مسؤولية محدودة” (ذ.م.م) يظهر فيها اسم الشريكين وحصة كل منهما.
* صياغة عقد تأسيس مفصل: يجب أن يوضح العقد دور كل شريك (إدارة، تمويل)، وكيفية توزيع الأرباح، وآلية حل الخلافات. هذا العقد هو دستور الشركة.
* توثيق كل شيء: أي اتفاقات إضافية، أي تعديلات على الخطة، يجب أن توثق كتابياً وتوقع من الطرفين.
رسالة إلى رواد الأعمال:
صداقتك أو قرابتك بشريكك هي رصيد جميل، لكنها ليست بديلاً عن العقد. العقد لا يفسد الود، بل يحميه. إنه لا يعني انعدام الثقة، بل هو دليل على الاحترافية والنضج والرغبة في حماية حقوق الجميع، بمن فيهم أنت. قبل أن تضع ديناراً واحداً أو تبذل ساعة من وقتك، ضع كل شيء على الورق. استشر محامياً، فتكلفة استشارته في البداية لا تقارن بخسارة أحلامك وأموالك في النهاية.



