كندا أمام تحديات الرسوم الأمريكية والتحولات الصينية في الاقتصاد العالمي
بقلم/ ليما راشد الملا
يقود مارك كارني، رئيس وزراء كندا الحالي، تحركًا دبلوماسيًا لافتًا تمثّل في زيارته إلى الصين في يناير 2026، في خطوة تهدف إلى إعادة تنشيط العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين بعد سنوات من التوتر والجمود.
تؤكد هذه الزيارة مسعى كنديًا واضحًا لإعادة ضبط العلاقة مع بكين، ضمن إطار أوسع يسعى إلى تحقيق توازن أدق في شبكة الشراكات الدولية لكندا.
ولا يمكن النظر إلى زيارة رئيس وزراء كندي إلى بكين بعد هذا الانقطاع الطويل بوصفها مجرد محطة بروتوكولية، بل تمثل مؤشرًا على تحولات أعمق في حسابات الدول المتوسطة، في ظل تصاعد الرسوم الجمركية الأمريكية وسياسات الضغط التجاري التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما تفرضه من إعادة نظر في التحالفات والخيارات الاقتصادية.
منذ عودة الخطاب الحمائي إلى واشنطن، وفرض رسوم جمركية مرتفعة على عدد واسع من السلع، لم تعد الدول الحليفة تشعر بالطمأنينة التقليدية تجاه السوق الأمريكية. كندا، التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على التبادل التجاري مع الولايات المتحدة، بدأت تبحث عن بدائل تخفف من هشاشتها أمام القرارات الأحادية. في هذا السياق، تبدو الصين خيارًا منطقيًا من زاوية اقتصادية بحتة، لا بوصفها بديلًا استراتيجيًا كاملًا، بل كوسيلة لتنويع المخاطر وتوسيع هامش المناورة.
الصين من جهتها لم تعد الطرف الضعيف الذي يمكن خنقه بالرسوم. فبعد سنوات من المواجهة التجارية مع واشنطن، طوّرت بكين قدرة لافتة على امتصاص الصدمات. تراجع الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة لم يؤدِّ إلى انكماش شامل، بل ترافق مع توسع كبير في أسواق أخرى، خاصة في أفريقيا وجنوب شرق آسيا. هذا التحول يعني مرونة بنيوية في الاقتصاد الصيني، وقدرته على إعادة توجيه الإنتاج والتجارة بسرعة نسبية.
الأهم من ذلك أن الصين لم تكتفِ بتغيير وجهة صادراتها، بل أعادت هيكلة نموذجها الصناعي. قطاع السيارات، ولا سيما السيارات الكهربائية، أصبح أحد أعمدة النفوذ الاقتصادي الصيني، حيث تحولت بكين إلى أكبر مصدر للسيارات عالميًا. كما أن الاستثمار في الشرائح الإلكترونية والتقنيات المتقدمة قلل من اعتمادها على الغرب، ولو بشكل تدريجي. هذه التحولات تجعل من فكرة “عزل الصين” هدفًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا.
أما الولايات المتحدة، فتعتمد في استراتيجيتها على منطق الضغط الأقصى، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الرسوم الجمركية قادرة على إعادة المصانع إلى الداخل الأمريكي وإجبار الشركاء على الانصياع. غير أن التجربة أثبتت أن تكلفة هذه السياسات لا تقع على الخصوم وحدهم، بل تنتقل جزئيًا إلى المستهلك الأمريكي نفسه عبر التضخم وارتفاع الأسعار. تقارير اقتصادية عديدة، من بينها تحليلات صادرة عن CNN، تشير إلى أن الرسوم سلاح ذو حدين، قد يحقق مكاسب سياسية قصيرة الأجل، لكنه يخلّف آثارًا اقتصادية معقدة على المدى المتوسط.
في هذا الإطار، يمكن فهم التحرك الكندي نحو الصين باعتباره رسالة سياسية واقتصادية في آن واحد. الرسالة الأولى لواشنطن مفادها أن كندا ليست بلا خيارات، وأن الضغط المفرط قد يدفع حتى الحلفاء إلى البحث عن مسارات بديلة. أما الرسالة الثانية لبكين، فهي أن الشراكة الاقتصادية ممكنة ضمن حدود المصالح، دون أن تعني انقلابًا كاملًا على التحالفات التقليدية.
مع ذلك، تبقى هذه المناورة محفوفة بالمخاطر. فالصين ليست شريكًا سهلًا، والعلاقات معها تحمل أبعادًا سياسية وأمنية معقدة، كما أن اعتماد كندا المفرط على السوق الأمريكية يجعل أي قطيعة فعلية أمرًا غير واقعي. من هنا، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة “التحالفات المرنة”، حيث تسعى الدول إلى توزيع رهاناتها بدل الارتهان لمحور واحد.
في المحصلة، لا تبدو رسوم ترامب قادرة على عزل الصين بقدر ما تسرّع إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي نحو مزيد من التعددية والتجزؤ. والسؤال الجدلي الذي يفرض نفسه في نهاية هذا الواقع: هل ننتظر ولادة نظام اقتصادي ثنائي القطبية تقوده واشنطن وبكين، أم أننا نتجه نحو عالم بلا مركز واحد، تحكمه تحالفات متغيرة ومصالح مؤقتة؟




