الذهب عند مفترق طرق: بين طلب البنوك المركزية ومضاربات الأسواق
بقلم/ د. محمد جميل الشبشيري
Elshebshiry@outlook.com
شهدت أسعار الذهب منذ مطلع عام 2025 صعودًا غير مسبوق، إذ ارتفعت بنحو 30% وتجاوزت لأول مرة في التاريخ مستوى 5,500 دولار للأونصة، قبل أن تدخل في موجة تصحيح حادة أعادت السعر إلى حدود 5,000 دولار. هذه التحركات العنيفة تثير تساؤلًا جوهريًا: هل يعكس هذا الارتفاع تحوّلًا هيكليًا في دور الذهب داخل النظام النقدي العالمي، أم أنه مجرد فقاعة غذّتها التوترات الجيوسياسية والمضاربات المالية؟
الإجابة الأقرب للواقع أن ما نشهده هو تفاعل معقّد بين عوامل هيكلية طويلة الأجل وعوامل ظرفية قصيرة الأجل، يتصدرها سلوك البنوك المركزية، وحالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي في الولايات المتحدة، إلى جانب تصاعد الطابع المالي والمضاربي لسوق الذهب.
أولًا: البنوك المركزية وسعر الذهب
لم تعد مشتريات البنوك المركزية من الذهب مجرد أداة تقليدية لتنويع الاحتياطيات، بل تحولت منذ عام 2022 إلى ركيزة أساسية لتسعير الذهب عالميًا. فقد ارتفعت حصة البنوك المركزية من إجمالي الطلب العالمي من متوسط 11% خلال العقد السابق إلى نحو 17% في الربع الثالث من 2025، بعد أن بلغت ذروتها عند 37% في صيف 2022.
الحرب في أوكرانيا شكّلت نقطة انعطاف مفصلية؛ إذ كشفت عن حقيقتين بالغتي الأهمية:
الأولى، أن الصراع العسكري واسع النطاق لا يزال احتمالًا واقعيًا حتى في قلب أوروبا.
والثانية، أن الدولار الأمريكي يمكن توظيفه كسلاح سياسي واقتصادي فعّال عبر العقوبات والعزل المالي.
لهذا السبب، جاءت الزيادات الأكبر في احتياطيات الذهب من دول تخشى النزاعات أو العقوبات الأمريكية المحتملة، وعلى رأسها الصين التي رفعت احتياطياتها بأكثر من 350 طنًا منذ 2022. هذا السلوك لا يرفع الأسعار فحسب، بل يخلق حدًا أدنى نفسيًا واستراتيجيًا لسعر الذهب، يجعل أي هبوط حاد مؤقتًا بطبيعته.
ثانيًا: الولايات المتحدة وعدم اليقين كمولّد دائم للطلب الاستثماري
رغم أن تخفيضات أسعار الفائدة كانت أحد العوامل الداعمة لارتفاع الذهب، فإن القفزة الكبرى في 2025 ارتبطت أساسًا بـعدم قابلية السياسات الأمريكية للتنبؤ. فقد قفز السعر من 2,625 دولارًا للأونصة في بداية العام إلى أكثر من 4,300 دولار بنهايته، أي بزيادة تقارب 65%.
تقلب السياسات التجارية، والغموض المحيط بالتوجهات المالية والنقدية، وتزايد الحديث عن إعادة تشكيل النظام العالمي وسلاسل الإمداد، كلها عوامل دفعت المستثمرين إلى إعادة النظر في محافظهم. ونتيجة لذلك، ارتفعت حصة الطلب الاستثماري على الذهب من 26% في أواخر 2024 إلى أكثر من 40% في 2025، مع تدفقات قوية نحو الصناديق المتداولة، خاصة في أوروبا.
تراجع الدور التقليدي للدولار كملاذ آمن، ولو نسبيًا، فتح الباب أمام الذهب ليعيد تقديم نفسه كـأصل أخير للثقة في عالم تتآكل فيه اليقينيات النقدية.
ثالثًا: الجغرافيا السياسية… قفزات حادة ثم تثبيت للمكاسب
أظهرت أحداث 2025 نمطًا متكررًا في سلوك الذهب: ارتفاعات حادة عند ذروة التوتر، يعقبها تصحيح محدود ثم احتفاظ بجزء معتبر من المكاسب.
الرسوم الجمركية المتبادلة في أبريل، ثم التصعيد الأمريكي-الصيني في الصيف، مثالان واضحان على هذا النمط، حيث احتفظ الذهب بعد كل موجة بجزء كبير من مكاسبه رغم التصحيحات اللاحقة.
صحيح أن بعض الأحداث – مثل الضربات الأمريكية على إيران – أدت إلى ارتفاعات قصيرة الأجل تلاها تراجع كامل، لكن الاتجاه العام ظل صعوديًا، ما يعزز فكرة أن الذهب بات يستوعب الصدمات الجيوسياسية ويحوّل جزءًا منها إلى مكاسب دائمة.
رابعًا: المضاربة… السلاح ذو الحدين
رغم طبيعته الملموسة، لم يعد الذهب بمنأى عن المضاربة. فانتشار الصناديق المتداولة، وشهادات الذهب، وحتى العملات المشفرة المدعومة بالذهب، أسهم في تعميق الطابع المالي للسوق وتسهيل الدخول السريع والخروج السريع منه.
الخلاصة: 2026 بين الصعود الحذر والتحول الهيكلي
في المدى القصير، من المرجح أن تبقى أسعار الذهب مرتفعة، مدفوعة بمشتريات البنوك المركزية، واستمرار عدم اليقين في الولايات المتحدة، وتكرار بؤر التوتر الجيوسياسي. تقديرات الوصول إلى مستوى يقارب 5,200 دولار للأونصة بنهاية 2026 تبدو منطقية، وإن كانت محاطة بدرجة عالية من عدم اليقين.
أما على المدى المتوسط، فالمشهد ينحصر بين سيناريوهين:
إما استقرار نسبي في النظام الدولي يعيد الذهب تدريجيًا إلى مستويات أقل، أو قبول عالمي بـ«واقع جديد» يجعل الذهب عنصرًا دائمًا في معادلة التحوط الاستراتيجي. وفي كلتا الحالتين، يبدو أن الذهب لم يعد مجرد ملاذ مؤقت، بل مرآة تعكس اختلالات النظام الاقتصادي والسياسي العالمي.



