مقالات

استبعاد الشركات التابعة وفقًا للمعايير المحاسبية … بين الانضباط المالي وشفافية القوائم

"هل هو التزام مهني أم إعادة تشكيل للكيانات الاقتصادية؟"

 

بقلم/ د. علي عويد رخيص
مكتب الواحة لتدقيق الحسابات- عضو في نكسيا

 

المقدمة :

في ظل تنامي عمليات الاستحواذ، وتعدد صفقات إعادة الهيكلة داخل المجموعات الاقتصادية، يزداد الجدل حول أحد أكثر القرارات المحاسبية حساسية: متى يمكن استبعاد شركة تابعة من القوائم المالية الموحّدة؟

هذا السؤال لا يهم الإدارات التنفيذية فحسب، بل يشغل المستثمرين والمحللين والجهات الرقابية، لما يترتب عليه من تأثير مباشر في النتائج المالية، ومؤشرات الأداء، وقيمة الشركات في الأسواق.

اللافت أن هذا القرار لا يُبنى على الرغبة الإدارية أو الترتيبات التنظيمية، بل تحكمه معايير محاسبية وقانونية صارمة، صُممت لضمان عدالة العرض المالي ومنع التلاعب في القوائم، وهو ما يجعل فهم أسسه وحدوده أمرًا بالغ الأهمية في بيئة أعمال تتسم بالتعقيد والتغير المستمر.

 

متى ولماذا تُستبعد الشركات التابعة من القوائم المالية؟

في ظل تزايد عمليات الاستحواذ وإعادة الهيكلة، يبرز سؤال جوهري لدى الشركات والمستثمرين على حد سواء: متى يمكن استبعاد شركة تابعة من القوائم المالية الموحّدة؟

الإجابة: لا تتعلق بالرغبة أو الترتيب الإداري، بل تحكمها معايير محاسبية وقانونية صارمة، لما لذلك من أثر مباشر على النتائج المالية وتقييم الشركات.

حيث انه وفقًا لمعيار التقارير المالية الدولية IFRS 10 القوائم المالية المجمعة، فإن الأساس الحاكم لتجميع أو استبعاد الشركة التابعة هو وجود السيطرة، وتُفقد السيطرة عندما لا تعود الشركة الأم قادرة على:

* توجيه السياسات المالية والتشغيلية

* أو التأثير في القرارات الجوهرية

* أو الحصول على المنافع الاقتصادية من نشاط الشركة التابعة.

وبالتالي، يتم استبعاد الشركة التابعة في حالات مثل:

* بيع كامل أو جزئي لحصة تؤدي إلى فقدان السيطرة

* إعادة هيكلة الملكية أو الاتفاقيات التعاقدية

* خضوع الشركة التابعة لإجراءات قانونية أو تنظيمية تحد من السيطرة الفعلية.

الاستبعاد المحاسبي: القرار الذي تحكمه السيطرة لا الملكية

وفقًا للمعايير الدولية للتقارير المالية (IFRS)، وتحديدًا المعيار IFRS 10، فإن المعيار الحاسم لاستبعاد شركة تابعة من القوائم المالية الموحّدة هو فقدان السيطرة، وليس مجرد انخفاض نسبة الملكية.

وتُعرّف السيطرة بأنها:

* امتلاك السلطة لاتخاذ القرارات الجوهرية،

* التعرض لعوائد متغيرة من الاستثمار،

* والقدرة على التأثير في تلك العوائد.

وعليه، فإن الشركة الأم تستمر في توحيد القوائم المالية طالما بقيت مسيطرة، حتى لو انخفضت نسبة ملكيتها، وتُستبعد الشركة التابعة محاسبيًا فقط عند زوال هذه السيطرة فعليًا.

كيف يحدث الاستبعاد؟

1- الاستبعاد المحاسبي

أكثر الطرق شيوعًا لاستبعاد شركة تابعة محاسبيًا تتمثل في:

* بيع الشركة التابعة

سواء تم البيع بالكامل أو جزئيًا بشرط أن يؤدي إلى فقدان السيطرة. عندها يتم التوقف عن توحيد الأصول والالتزامات، ويُعترف بالأرباح أو الخسائر الناتجة عن العملية في قائمة الدخل.

* فقدان السيطرة دون بيع

قد يحدث ذلك نتيجة اتفاقيات إدارة، أو قيود تنظيمية، أو إعادة هيكلة قانونية تنقل السلطة إلى طرف آخر. هذه الحالات نادرة وتخضع لتدقيق عالي نظرًا لحساسيتها.

* التحول إلى شركة زميلة أو مشروع مشترك

عند فقدان السيطرة مع بقاء تأثير هام، يتم إيقاف التوحيد واستخدام طريقة حقوق الملكية بدلًا من ذلك.

 

المعالجة والخطوات المحاسبية عند الاستبعاد

عند استبعاد الشركة التابعة، تفرض المعايير المحاسبية معالجة دقيقة تهدف إلى منع تضليل مستخدمي القوائم المالية، وتشمل:

* إيقاف تجميع أصول والتزامات الشركة التابعة

* الاعتراف بالقيمة العادلة لأي استثمار محتفظ به

* إثبات الأرباح أو الخسائر الناتجة عن عملية الاستبعاد في قائمة الدخل.

وتُعد هذه الخطوة محورية، لأنها قد تؤدي إلى تغيرات جوهرية في مؤشرات الأداء مثل الربحية، ونسب المديونية، والعائد على الأصول.

لذلك تلتزم الشركة الأم بما يلي:

* تحديد تاريخ فقدان السيطرة بدقة

* إيقاف توحيد أصول والتزامات الشركة التابعة

* إثبات المقابل المستلم بالقيمة العادلة

* إعادة تقييم أي حصة محتفظ بها

* الاعتراف بالأرباح أو الخسائر الناتجة في قائمة الدخل،

* وإعادة تصنيف الاحتياطيات ذات العلاقة، مثل فروقات العملة.

2- الاستبعاد القانوني: الكيان لا يختفي

على عكس الاستبعاد المحاسبي، فإن الاستبعاد القانوني لا يعني بالضرورة زوال الشركة التابعة من الوجود.

فالكيان القانوني قد يظل قائمًا ومسجلًا ويزاول نشاطه، حتى لو تم استبعاده من القوائم المالية الموحّدة.

بعبارة أخرى:

* الاستبعاد المحاسبي يتعلق بكيفية عرض النتائج المالية

* بينما الاستبعاد القانوني يتعلق بالملكية القانونية والتسجيل والنشاط النظامي.

وقد تكون الشركة مستبعدة محاسبيًا، لكنها لا تزال:

– مملوكة جزئيًا

– أو خاضعة لاتفاقيات تشغيل

– أو قائمة ككيان مستقل قانونيًا.

 

محاذير يجب الانتباه لها

يحذر خبراء المحاسبة من عدد من الأخطاء الشائعة، أبرزها:

* استبعاد شركة تابعة دون فقدان حقيقي للسيطرة

* التلاعب بتوقيت الاستبعاد لتحسين النتائج المالية

* تجاهل الآثار الضريبية المترتبة على العملية

* أو القصور في الإفصاحات المطلوبة وفق المعايير الدولية.

كما قد يؤدي الاستبعاد إلى تأثيرات غير مباشرة على القروض والعهود البنكية، ونسب السيولة، وثقة المستثمرين.

الأثر الاقتصادي على الشركات والأسواق

لا يقتصر استبعاد الشركات التابعة على كونه إجراءً محاسبيًا فنيًا، بل يمتد أثره إلى البُعد الاقتصادي، حيث:

* قد يعكس تحوّلًا استراتيجيًا في نشاط المجموعة

* أو إعادة تركيز الموارد على أنشطة أكثر ربحية

* أو تحسين جودة الإفصاح المالي وتعزيز الثقة في القوائم.

كما أن المستثمرين يراقبون هذه العمليات بعناية، لما لها من تأثير مباشر على تقييم الشركات في الأسواق المالية.

بين الالتزام المهني وحوكمة الشركات

يؤكد الالتزام بمعايير استبعاد الشركات التابعة على أهمية الحوكمة الرشيدة والشفافية، إذ يمنع تضخيم الأصول أو الأرباح بشكل غير حقيقي، ويُعزز مصداقية التقارير المالية. ومن هنا، فإن التطبيق السليم للمعايير لا يُعد عبئًا محاسبيًا، بل أداة لحماية الأسواق وتحقيق العدالة بين جميع الأطراف.

الخاتمة :

لا يُعد استبعاد شركة تابعة من القوائم المالية الموحّدة إجراءً شكليًا، بل يبقى استبعاد الشركات التابعة من القوائم المالية قرارًا محاسبيًا ذا أبعاد اقتصادية واستراتيجية، لا يقل أهمية عن قرار التجميع ذاته. ويخضع لمعايير دقيقة ويستلزم توثيقًا واضحًا وإفصاحًا شفافًا. فالمعايير المحاسبية لم تُوضع فقط لتنظيم الأرقام، بل لضمان أن تعكس القوائم المالية الواقع الاقتصادي الحقيقي، بما يخدم متخذي القرار ويعزز كفاءة الأسواق.

والتمييز بين الاستبعاد المحاسبي والاستبعاد القانوني يظل جوهريًا لفهم الصورة المالية الحقيقية لأي مجموعة من الشركات تفاديًا للمخاطر التنظيمية، وحفاظًا على ثقة المستثمرين والأسواق وحرصا على دقة العرض المالي للقوائم المالية.

ففي عالم المال، لا تقل دقة العرض المالي أهمية عن قوة الأداء التشغيلي، وأي إخلال بذلك قد تكون كلفته أعلى مما يبدو في الأرقام.

القاعدة الذهبية تبقى:

يستمر الدمج ما دامت السيطرة قائمة، ويبدأ الاستبعاد فقط عندما تفقد هذه السيطرة فعلياً.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى