الاستدامة قرار ومسار وليست شعار
بقلم: خالد محمد المطوع
كثيرًا ما يُتداول مصطلح الاستدامة في الخطاب العام، حتى بات حاضرًا في معظم النقاشات التنموية، لكن قلّة من تتوقف عند معناه الحقيقي العميق. فالاستدامة ليست مفهومًا عامًا أو عنوانًا يُضاف إلى السياسات، أو لتجميل الخطابات ومواكبة توجه عالمي، بل أصبحت معيارًا لجودة القرار العام. فهي تعني ببساطة، إدارة الموارد والخيارات الاقتصادية بكفاءة تضمن استمرارية النمو، وتقلّل الكلفة المستقبلية، وتربط بين التخطيط الذكي والنتائج الحقيقية.
في مراحل سابقة، ارتبطت ممارسات الاستدامة بمبادرات متفرقة وغير ممنهجة، افتقرت إلى التكامل والشمول، ما حال دون تحقيق نتائج متوازنة عبر محاورها الأساسية، سواء البيئية أو المجتمعية أو المرتبطة بالسوق ومكان العمل. ومع تطور المفهوم عالميًا، بات واضحًا أن الاستدامة لا تُدار بالمبادرات، بل بالمنهج، ولا تُقاس بالنوايا، بل بالأثر.
الاستدامة ليست مفهومًا جديدًا، بل نهج أدركت الدول المتقدمة مبكرًا أهميته حين ربطت بين إدارة الموارد والتخطيط طويل الأجل كشرط أساسي للاستقرار والنمو. فقد بدأت كفكرة لتحسين استخدام الموارد، ثم تطورت لتصبح إطارًا يوجّه السياسات الاقتصادية، قبل أن تتحول اليوم إلى أحد أعمدة التخطيط الحديث للدول وقدرتها على حماية مكتسباتها الاقتصادية وتعزيز مرونتها.
من هذا المنطلق، فإن إنشاء وزارة تُعنى بهذا المسار، وتكليف وزيرة ذات ارتباط مباشر بملف الاستدامة والتنمية، يُعد خطوة موفّقة تُحسب للدولة، وتعكس نضجًا في قراءة التحديات المقبلة، وإدراكًا بأن التخطيط الحديث لم يعد يُدار بالأدوات التقليدية وحدها، بل بمنهجيات تقيس الأثر وتُحسن القرار.
الدول التي أدركت هذا التحول مبكرًا انتقلت من منطق المبادرات إلى منطق المنهج. فقد نجحت في دمج الاستدامة داخل التخطيط الاقتصادي والمالي، من خلال ربط السياسات بمؤشرات قياس واضحة، وكفاءة الإنفاق، والاستدامة المالية، ما منحها قدرة أعلى على تحقيق نمو متوازن، وتقليل المخاطر، وتفادي كُلف مستقبلية باهظة.
من واقع خبرتي الممتدة لأكثر من 20 عاماً في مجال الاستدامة، لم تعد الاستدامة تُقاس بعدد المبادرات أو كثافة التقارير، بل بمدى اندماجها في عملية اتخاذ القرار نفسها. فالتحدي الحقيقي لم يعد في إطلاق المشاريع، بل في إدارة الأولويات، وتوجيه الموارد، وضمان اتساق السياسات مع الأهداف طويلة الأجل. هنا فقط يظهر الفارق بين تبنٍ شكلي وتطبيق فعلي يُحدث أثرًا اقتصاديًا وسياسيًا ملموسًا.
وعند قراءة رؤية الكويت، يتضح أن كثيرًا من محاورها الأساسية تنطلق من هذا الفهم؛ من تنويع مصادر الدخل، ورفع كفاءة الإنفاق، إلى تمكين القطاع الخاص، وبناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على التكيّف. وهي مرتكزات لا تنجح إلا عندما تُدار الاستدامة كمنهج قرار لا كعنوان مرحلي.
الاستدامة اليوم ليست ملفًا إداريًا جديدًا، بل لغة سيادية يُدار بها القرار، والوزارة الجديدة أمام فرصة لتحويلها من مفهوم متداول إلى معيار يُحتكم إليه في كل سياسة اقتصادية وتنموية.
إن التحول الحقيقي لا يكمن في إطلاق مفاهيم جديدة، بل في ترسيخ الاستدامة كأداة لصنع القرار تُدار بالكفاءة وتُقاس بالأثر وتُحاكم بالنتائج.
فالاستدامة، حين تُحسن إدارتها، لا تحمي المستقبل فقط، بل تُحسن القرار اليوم…
وهنا يُصنع الفارق الحقيقي




