أهمية الاندماج المصرفي في مواجهة المنافسة المصرفية (1)
بقلم/ د. سالم محمد المعطش
مدير مكتب الوطني لتدقيق الحسابات
ماهية الاندماج المصرفي:
يعد الاندماج المصرفي أحد المعالم الرئيسية للتطورات المصرفية العالمية والتي تزايد الاهتمام بها بشكل ملحوظ خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، وخاصة بعد تزايد الاتجاه نحو عولمة المصارف كجزء من منظومة العولمة الاقتصادية، إذ أصبحت عمليات الاندماجات المصرفية والمالية وعمليات الاستحواذ والتملك ظاهرة واسعة الانتشار في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، وارتبطت بعمليات التحرر والانفتاح الاقتصادي فضلاً عن أن العديد من المحللين ينظرون إلى عمليات الاندماج والتكامل في القطاع المصرفي باعتبارها حالة تحدٍ للوقائع المستجدة باستمرار بسبب المشاكل المالية في القطاع المصرفي، فالبعض يراها عدم قدرة على الاستمرار بشكل منفرد في السوق المالي، فيما يراها البعض اتساق فرضه الواقع الفعلي للعمل المصرفي الذي أصبح يفرض بعض الشروط اللازمة لعمليات النجاح والاستمرارية في العمل. وتزايدت أهمية الاندماج المصرفي نتيجة لمتغيرين من متغيرات العولمة، يتمثل الأول باتفاقية تحرير الخدمات المصرفية التي تتولى تطبيقها منظمة التجارة العالمية، مما أدى إلى زيادة حدة المنافسة في السوق المالية، أما المتغير الثاني فهو المتعلق بمعيار كفاية رأس المال بما لا يقل عن 8% إلى 12% من قيمة الالتزامات المصرفية لأي مصرف، أخذاً بنظر الاعتبار الأصول الخطرة، ومتطلبات لجنة بازل 2، وهو ما دفع المصارف الصغيرة إلى الاندماج المصرفي مع بعضها البعض لتدبير الزيادة المطلوبة في رؤوس أموالها كي تستمر بالعمل المصرفي.
مفهوم الاندماج المصرفي:
هو قيام مصرفين أو أكثر بالاتحاد والاندماج والتحالف لتشكيل كيان مصرفي أكبر حجما وسعة، وبالتالي اكتساب اقتصاديات أفضل سواء من خلال تعظيم العائد أو الأرباح، أو من خلال اكتساب تأثير أكبر في القطاع المصرفي المحلي والعالمي.
أو هو تحول أكثر من مصرف لتصبح مصرف واحد عند اتخاذ القرار بتوسيع العمل أو عندما تسوء حالتها وتواجهها مشكلات وصعوبات مختلفة، والتي تحدث عند قيام إدارة المصرف بإجراء التعديلات اللازمة لتصحيح الوضع وتجنب الفشل المالي، ولكنها لم تفلح لعدم كفاية جدوى التعديلات، وتبدأ بالتفكير في عملية الاندماج المصرفي مع مصارف أو شركات أخرى. أو هو التحام شركتين أو أكثر برأس مال يؤدي إلى زوالهما معاً وانتقالهما إلى الشركة المندمجة الكاملة وبنسبة أكثر من 50% وتكوين ما يسمى بالشركة القابضة.
ومن المفاهيم الأكثر شيوعاً للاندماج المصرفي هو مفهوم أوسع يعرف بالاكتساب، والذي يعد أحد تقسيمات الاستيلاء، والذي يعبر عن السيطرة أو التحكم من قبل مؤسسة ما بإدارة سلطة مؤسسة أو مصرف آخر يطلق عليها المؤسسة المدموجة.
ويقسم الاستيلاء على ثلاث مستويات، وهي كالتالي:-
المستوى الأول: الاكتساب:- يقصد به عملية ضم مؤسسة ما عن طريق شراء الجزء الأكبر من الأسهم المتداولة لهذه المؤسسة، أو عن طريق شراء الجزء الأكبر من أصولها، ويقسم الاكتساب إلى ما يلي:
1-: الاندماج:- وهي عملية اندماج أو اتحاد شراكة بين مؤسستين أو أكثر وتكون تحت إدارة واحدة وهي إدارة المؤسسة المدمجة.
2-اكتساب الأصول:- وهي عملية شراء مؤسسة ما جزء أو كل لمؤسسة أخرى وتضمينها مع أصول الأولى.
3-اكتساب الأسهم:-وهي عملية شراء مؤسسة ما (المؤسسة الدامجة) الجزء الأكبر من أسهم مؤسسة أخرى ( المؤسسة المدموجة).
المستوى الثاني: عمليات السيطرة الخاصة: وهي عمليات السيطرة والاستحواذ التي يقوم بها مجموعة من المستثمرين على مؤسسة ما عن طريق شراء جزء كبير أو كل الأسهم المتداولة لها في السوق المالي.
المستوى الثالث: عمليات السيطرة بالوكالة:- تشمل عملية استحواذ أو سيطرة بعض المساهمين الكبار في مؤسسة أو شركة على هذه المؤسسة من خلال إجراء تغيير المدراء الحاليين وفق آلية التصويت داخل مجلس الإدارة، وانتخاب مدراء جدد وبالتالي السيطرة على جميع قرارات المؤسسة.
لذلك يعد الاندماج المصرفي عملية إذابة كيان مصرفي في كيان مصرفي آخر للخروج بكيان واحد ذو ميزة مادية وبشرية وتنافسية تؤهله للخوض في غمار التحديات العالمية الكبيرة ومتسق مع عصر العولمة المالية والمصرفية.
أهمية الاندماج المصرفي:
اختلفت النظرة إلى الاندماج المصرفي عما كانت عليه سابقاً، فلم يعد الفشل أو الخسارة التي تحدث للمصارف هي السبب وراء البحث عن مصارف أخرى لتدخل كشريك وتندمج معه، بل أصبحت عمليات الاندماج المصرفي من ضرورات إيجاد الحلول المناسبة للمشاكل والتحديات التي يتعرض لها القطاع المصرفي. وفي ظل العولمة العالمية في العقود الثلاثة الأخيرة، من خلال منظمات العولمة مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، والتي تشترط إلغاء القيود وتحرير الخدمات المالية وتحرير انسياب رأس المال، لذلك تتضمن هذه العملية مجموعة من الإجراءات التي يحددها ويتبناها متخذي قرار الاندماج للأطراف الرئيسية لهذه العملية.
إن التوصيف الدقيق لأهداف عملية الاندماج المصرفي يساعد إدارات المؤسسات أو متخذي قرارات الاندماج في تحديد الأسباب الرئيسية والدوافع لهذه العملية، والكيفية التي تقوم عليها، والوقت المناسب لها، وتتضمن التالي:-
1-السعي لخلق وحدات مصرفية كبيرة قادرة على المنافسة وزيادة الأرباح دون الخروج عن مبادئ العمل المصرفي.
2-إيجاد مصادر جديدة للأموال، وتهيئة الظروف لتنويع الخدمات المصرفية وفتح أسواق جديدة، والذي يؤدي بدوره إلى وجود ظروف ملائمة لتحقيق وفورات الحجم بالاعتماد على الميكنة والأجهزة الحديثة.
3-خلق نوع من زيادة الثقة في التعامل مع المؤسسات والمنظمات المالية، الأمر الذي يحقق في النهاية زيادة هامش العوائد المتحققة لهذه المصارف، وذلك بزيادة الربحية وخفض التكاليف نتيجة لزيادة القدرة التسويقية وتحسين كفاءة ومستوى أداء الخدمة المصرفية.
4-تحسين وضع المساهمين من خلال سعي المصارف إلى تنويع الإيرادات لتحقيق تدفق نقدي أعلى ومخاطرة أقل.
5-تحفيز المصارف على مواجهة التطورات وتحسين قدراتها التنافسية داخليا وخارجيا.
6-السيطرة على السوق المصرفية من خلال عملية الاندماج للمصارف يتيح إمكانية المنافسة ويرفع من إمكانية تحقيق الربح.
7-تخفيض المخاطر عن طريق تنويع الاستثمار، فضلا عن خلق مصادر جديدة لرأس المال.
أنواع الاندماج المصرفي:-
هنالك أنواع مختلفة من الاندماج المصرفي، تقسم إلى ما يلي:
أولاً: الاندماج من حيث طبيعة النشاط يقسم إلى ثلاث أنواع هي:-
أ-الاندماج الأفقي: وهو اندماج يتم بين مصارف تعمل في نفس النشاط أو أنشطة مترابطة فيما بينها، مثل المصارف التجارية والمصارف العقارية والمصارف الاستثمارية والمصارف المتخصصة، وذلك بهدف زيادة النصيب السوقي لها. ومع ذلك فقد أثارت عمليات الاندماج الأفقي مخاوف منتقدو هذه السياسة من أن يكون الدافع وراء عمليات الاندماج هو التركز السوقي في هذه المصارف الكبيرة مما يؤدي إلى نوع من الاتفاقات والاحتكارات في تقديم الخدمات المصرفية.
ب-الاندماج العامودي:- وهو نوع يحدث بين المصارف الصغيرة في المناطق النائية والمصرف الرئيسي في المدن الكبرى، بحيث تصبح الأولى وفروعها امتداد للمصرف الكبير، وقد يكون الاندماج بشكل تكتل من المصارف المجمعة في إحدى المناطق.
ت- الاندماج المختلط:- وهو اندماج بين مصرفين أو أكثر يعملان في أنشطة مختلفة غير مترابطة فيما بينها، ومثال على ذلك أن يتم الاندماج بين أحد المصارف التجارية وأحد البنوك المتخصصة، أي اختلاف الخدمات المصرفية التي يقدمها كل مصرف، مما يثمن عملية تكامل الأنشطة بين المصارف المدمجة والمساهمة في الحد من مخاطر التقلب في التدفقات النقدية.
ثانياً:-الاندماج من حيث العلاقة بين أطراف عملية الاندماج: ويقسم هذا النوع إلى ما يأتي:-
أ-الاندماج الطوعي أو الإرادي:- ويتم بموافقة إدارة المصرف الدامج مع المصرف المدموج، بحيث يتقدم المصرف الدامج بعرض شراء إلى مجلس إدارة المصرف المندمج، ومن ثم تقوم إدارة كلا المصرفين بتقديم كتاب إلى المساهمين في المصرفين توصي فيه بالموافقة على عملية الاندماج المصرفي، وفي حالة إتمام الموافقة، ومع عدم وجود معارضة من الحكومة، فإن المصرف الدامج يقوم بشراء أسهم المصرف المندمج.
ب-الاندماج القسري: وهو الدمج الذي تلجأ إليه السلطات النقدية لتنقية القطاع المصرفي من المصارف المتعثرة أو التي على وشك الإفلاس والتصفية، إذ يتم هذا النوع من الدمج بين مصرف متعثر وآخر ناجح، وغالباً ما يتم عن طريق قانون تشجيع المصارف على الاندماج مقابل إعفاءات ضريبية، أو عن طريق مد المصرف الدامج بالقروض لقاء تعهده بتحمل كافة التزامات المصرف المدموج. وقد يكون سبب الدمج عدم قدرة المصرف على التوافق مع التوجهات الاقتصادية والمصرفية العالمية، والتي من أهمها مقررات لجنة بازل، وخصوصاً معيار الملاءة المالية أو كفاية رأس المال الذي يُلزم المصارف بألا يقل رأس مالها عن نسبة 8% من الالتزامات المصرفية.
ثالثاً: الاندماج حسب طبيعة العمل بين أطراف الاندماج
ا-الاندماج المتجانس:- وهو اندماج مؤسستين أو مصرفين بتوافق نشاطهما أو اقترابهما في بعض الأعمال دون الوصول إلى التكامل الأفقي أو العمودي.
ب-الاندماج الودي أو الاختياري: وهو الاندماج الذي يتم بموافقة ورغبة مشتركة بين إدارة المصرفين ( الدامج والمدموج)، وتعمل السلطات النقدية في العديد من دول العالم على تشجيع هذا النوع لأنه يؤدي إلى تخفيض تكاليف التشغيل وتوزيع المخاطر على مساهمي المصرفين المندمجين وتحقيق الحجم الأفضل والأمثل للوحدات المصرفية، مما يجعلها قادرة على مواجهة المنافسة وتحقيق أعلى معدلات الربحية والنمو.
الدوافع وراء عمليات الاندماج المصرفي:
1-ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ودخولها في مجال العمل المصرفي:- والتي أصبحت تشكل إحدى ركائز الوجود في الأسواق المحلية والدولية، وبالتالي القدرة على المنافسة والاستمرارية والتي لا تستطيع المصارف الصغيرة تبنيها في ضوء تكاليف اقتنائها.
2-حماية الجهاز المصرفي:- إذ يعد تأمين الجهاز المصرفي من حدوث هزات مصرفية مفاجئة تؤثر عليه وبالتالي على حجم الثقة فيه، من ضمن أوليات القائمين على القطاع المصرفي، ويعد أحد المبررات المهمة لقيام السلطات النقدية باتخاذ إجراءات الاندماج لبعض المصارف.
3-استغلال اقتصاديات الحجم الكبير: إذ تؤدي اقتصاديات الحجم الكبير إلى زيادة الإيرادات وخفض التكاليف، وبالتالي زيادة الأرباح الصافية لكل الأطراف عما هو متحقق لكل طرف على حدة.
4- تعزيز موقع المصرف الدامج: إذ يتم تعزيز موقع المصرف الدامج في السوق المالية على المستوى المحلي والخارجي وزيادة حصته في السوق وبأقل تكلفة ممكنة.
5-صغر حجم المصارف وضعف هياكلها التمويلية:- إذ أن انخفاض حجم القدرة المالية في المصارف يعكس ضعف قدرتها التنافسية في الأسواق المصرفية إذا ما قورنت بموجودات المصارف العالمية.



