يشترط لصحة عقود الإجارة أن يكون المعقود عليه المنفعة معلوماً والعين المؤجرة محددة
دليل الضوابط الشرعية الصادرة عن معهد اتحاد العقاريين الحلقة الرابعة (4)

-
مراعاة حاجة الناس ركن أصيل في شرع العقود
-
لا يجوز إبرام عقد إجارة على المنافع المحرمة
-
عقد التأجير لا يصح حال عدم تسليم العقار للمنتفع
إعداد هدى سالم :
تنشر “الاقتصادية” دليل الضوابط الشرعية لإدارة الأملاك العقارية، والذي أنجزه معهد اتحاد العقاريين للتدريب الأهلي في مبادرة إيجابية وجهد كبير لإثراء السوق المحلي، وذلك في إطار تعزيز قيم الالتزام الشرعي وترسيخ نهج المسؤولية في إدارة القطاع العقاري بما يضمن توافق الممارسات المهنية مع أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها
وقد حرص معهد اتحاد العقاريين من خلال إعداد هذا الدليل، على استعراض أبرز الضوابط الشرعية والقواعد الفقهية المتعلقة بإدارة الأملاك العقارية. وذلك استناداً إلى ما ورد في الكتاب والسنة وأقوال الفقهاء، مع الاسترشاد بأفضل الممارسات الحديثة في هذا المجال.
ويأتي إصدار هذا الدليل تجسيداً لرسالة المعهد في تثقيف ودعم العاملين في القطاع العقاري من ملاك ومديرين ومطورين ومهنيين، بما يمكنهم من أداء أعمالهم وفق أسس شرعية راسخة، تسهم في تنمية القطاع واستقراره، وتعزز الثقة به محلياً وإقليمياً، وفيما يلي التفاصيل :
أولاً: تعريف إدارة الأملاك العقارية
إدارة الأملاك العقارية هي أحد مفاهيم الاستثمار العقاري الذي يشمل أدوات وأنشطة متعددة يدخل فيها نشاط شراء العقارات وبيعها أو تطويرها وإعادة بيعها في المستقبل أو تأجيرها وتشغيلها. ونشاط إدارة الأملاك العقارية لا يهتم بجني إيرادات تأجير العقارات أو إعادة بيعها فقط، لكنه يستهدف أيضا المحافظة على قيمة العقار. حتى باتت المفاهيم الحديثة لإدارة الأملاك العقارية تلخص الهدف العام لها بأنه «اقتناص الفرص الاستثمارية بما يعظم من قيمة العقار، ويقلل من مخاطر استغلاله تجاريًا».
وهذا المفهوم الحديث للإدارة العقارية جعلها تشمل كل قواعد علم الإدارة الحديثة، القائمة على التخطيط والتحكم والسيطرة والمراقبة والتنسيق والتوجيه والمتابعة والتنظيم والصيانة والإشراف. كما أن إدارة الأملاك العقارية تتطلب عدداً من التخصصات المهنية لكي يساهم كل منها في تحقيق الأهداف.
ومن أهم وأبرز تلك التخصصات المهنية:
* الهندسة المدنية فرع التشييد والبناء.
* قوانين الملكية والقوانين العقارية.
* المسح العقاري.
* التسويق والدعاية والإعلانات العقارية.
ما هو عقد إدارة الأملاك العقارية؟
عقد إدارة الأملاك العقارية هو اتفاقية قانونية تبرم بين طرفين، يكون الطرف الأول فيها هو مالك عقار أو مجموعة من العقارات السكنية أو التجارية أو الاستثمارية، سواء كان المالك شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً كالمؤسسات الحكومية أو الشركات الخاصة أو الأوقاف أو غيرها، بينما يكون الطرف الثاني في عقد إدارة الأملاك العقارية هو المدير للعقار، الذي يكون في الغالب شركة متخصصة في إدارة الأملاك العقارية.
وبموجب عقد الإدارة يفوض مالك العقار المدير العقاري بإدارة العقار أو العقارات في جميع الجوانب، مثل التعاقد مع المستأجرين، وتحصيل الإيجارات، والإشراف على الصيانة، وإعداد التقارير المالية.
فعقد إدارة الأملاك العقارية يهدف إلى تنظيم العلاقة بين الطرفين، وحماية حقوقهما، وتسهيل الإدارة الفعالة للعقار، مما يقلل عبء العمل على مالك العقار ويتيح له الاستفادة من خبرة المدير المحترف. لذا فإن عقد إدارة الأملاك العقارية يعد الحل الأمثل لأصحاب العقارات الذين يرغبون في تحقيق دخل منتظم دون الانشغال بالتفاصيل التشغيلية.
ويتضمن عقد إدارة الأملاك العقارية ما يلي:
* تحديد واجبات المدير والمالك وضمان حقوقهما.
* المعلومات الأساسية عن العقار (العنوان/ الوصف/ المساحة/ …).
* مدة العقد (تاريخ سريان العقد وتاريخ انتهائه).
* واجبات ومسؤوليات المدير (التأجير / التحصيل/ الصيانة/ …).
* صلاحيات المدير في التصرف وإدارة العقار.
* قيمة الأجرة المستحقة للمدير ومواعيد وطرق دفعها.
* شروط إنهاء العقد وتجديده.
فوائد ومزايا عقد إدارة الأملاك العقارية
من خلال ما سبق يتضح جلياً أن إدارة العقارات ليست مجرد تحصيل إيجارات، بل تتطلب متابعة مستمرة لضمان تحقيق أقصى استفادة من الأملاك العقارية.
ومن أهم الفوائد والمزايا التي يحققها عقد الإدارة لمالك العقار ما يلي:
1. توفير الوقت والجهد على مالك العقار، إذ يتيح عقد إدارة الأملاك العقارية لمالك العقار التركيز على استثمارات أخرى دون الانشغال بالإدارة اليومية لعقاراته ومتابعة مشاكل المستأجرين فيها وأعمال الصيانة الدورية أو الطارئة والتأمين ونحوها.
2. تحسين الكفاءة التشغيلية للعقارات من خلال إدارة احترافية تضمن تحقيق أعلى نسب إشغال للعقارات، فضلاً عن تشغيلها بسلاسة ومهارة، وتعظيم عوائدها وتقليل مخاطرها التشغيلية.
3. تحصيل الإيجارات في الوقت المحدد، بما يؤدي إلى تقليل مشكلات التأخير وما يترتب عليها من اضطراب في دخل العقار، وما يتبعها من مطالبات وإجراءات قانونية وقضائية.
4. تجنب المشاكل القانونية، المتصلة بالبناء بمتطلبات الجهات الحكومية كالبلدية والإطفاء والتأكد من الالتزام بجميع الأنظمة والقوانين العقارية.
5. زيادة رضا المستأجرين وتحسين تجربتهم، من خلال الاستجابة السريعة لطلبات الصيانة ومتابعة شكاوى المستأجرين.
6. زيادة أرباح مالك العقار وتحقيق أقصى فائدة من العقارات من خلال تقليل فترات الشواغر عبر تسويق فعال وسرعة تأجير الوحدات، وتحصيل الإيجارات بكفاءة مما يحسن التدفق النقدي، وتقليل تكاليف الصيانة من خلال الصيانة الوقائية التي تمنع حدوث مشكلات كبيرة، مما يقلل من معدلات الإخلاء ويحافظ على استقرار العقار.
مهام ومسؤوليات المدير العقاري
تشمل المهام والمسؤوليات التي تناط بالمدير العقاري جوانب وأعمالاً متعددة، ومن أبرز تلك الجوانب والأعمال التي يتولاها المدير العقاري إدارة عمليات التأجير وتجديد العقود وتحصيل الإيجارات، وإجراء الصيانة الدورية للعقار وإصلاح الأضرار، والتعامل مع المستأجرين ومعالجة المشاكل، وكذلك إجراء المعاينة الدورية للعقار وتقدير تقارير عن حالته وملاحظاته، وتقديم تقارير للمالك بالإيجارات المحصلة وأداء العقار.
كما تقع على عاتق المدير العقاري مسؤولية مراعاة القوانين واللوائح المنظمة لإدارة العقار، بما في ذلك التقاضي مع المستأجرين وشركات التأمين والمقاولين، وقد يعتبر التقاضي في بعض الأحيان وظيفة أخرى منفصلة تحتاج إلى محاميين مدربين، لهم اهتمام خاص بقانون العلاقة بين المالك أو المستأجر في حالات الإخلاء، وعدم الدفع، والمضايقات والإزعاج، وإدارة الحسابات والأموال الخاصة بالعقار.
ويمكن تلخيص المسؤوليات الرئيسية الخمس للمدير العقاري في النقاط الخمس التالية:
1. التسويق.
2. توثيق العقود.
3. إدارة المستأجرين.
4. إدارة المرافق.
5. الإدارة المالية.
التزامات مالك العقار في عقد الإدارة
تشمل التزامات مالك العقار في عقد إدارة الأملاك العقارية بشكل أساسي الموافقة على تفويض مدير العقار، وسداد أتعابه، وتوفير المعلومات الضرورية عن العقار، فضلاً عن اتخاذ القرارات الهامة المتعلقة بالعقار في ضوء تقارير المدير، إلى جانب الالتزام ببنود العقد المتفق عليها ودفع أي تكاليف أو مصروفات تصبح ضرورية للصيانة أو التشغيل.
ويمكن تلخيص التزامات مالك العقار بما يلي:
* تقديم المستندات اللازمة لإدارة العقار.
* توفير المعلومات الضرورية حول التأجير والصيانة.
* دفع الرسوم والمصروفات المتعلقة بإدارة العقار والصيانة.
* التعاون مع المدير وتسهيل أداء مهمته.
أنواع عقود إدارة الأملاك العقارية
تنقسم أنواع إدارة الأملاك العقارية من الناحية العملية إلى ثلاثة أنواع:
1. الإدارة الذاتية: يقوم المالك بالإدارة، ومتابعة الحالة الفنية والمالية للعقار، ومتابعة حالة سوق عقار الكويت عامةً والتخطيط لمستقبل المتاجرة بالعقار وفرز الفرص المعروضة.
2. الإدارة الداخلية: شركة إدارة العقارات هي نفسها المالك للعقارات محل الإدارة. ويكون لديها أصحاب الكفاءات وذووا الخبرات في التخصصات ذات الصلة.
3. إدارة العقارات بالوكالة: يتعاقد المالك مع شركة إدارة عقارات محترفة لتقوم بكل الأعمال المتخصصة نظير نسبة متفق عليها من إجمالي صافي الأرباح الناتجة عن استغلال العقار تجارياً.
* * *
ثانياً: الصيغ الشرعية لعقود إدارة الأملاك العقارية
هنالك عدة أنواع من الصيغ الشرعية التي يمكن من خلالها التعاقد لإدارة الأملاك العقارية، إذ يمكن أن يتخذ العقد أكثر من صيغة من صيغ العقود الشرعية، وأبرز هذه الصيغ وأكثرها شيوعاً في الواقع العملي ثلاث صيغ هي:
1. الإجارة
2. الوكالة بأجر
3. الجعالة
وفيما يلي نبذة مختصرة عن كل صيغة من تلك الصيغ وأهم أحكامها الشرعية، وكيفية استخدامها في عقود إدارة الأملاك العقارية.
أولاً: صيغة عقد الإجارة
تعريف عقد الإجارة:
الإجارة في اللغة العربية مأخوذة من كلمة الأجر بمعنى الثواب، فيقال: استأجر الرجلُ الرجلَ إذا استعمله عملاً مقابل أجرة، أي بثواب يثيبه على عمله. فالإجارة في اللغة اسم للأجرة ثم اشتهرت في أنها اسم لعقد التأجير.
وقد عرف الفقهاء عقد الإجارة بتعريفات كثيرة، وهي تعريفات متقاربة في المعنى وإن اختلفت في العبارة. فبعض الفقهاء يزيد قيوداً في التعريف لا يرى الآخرون حاجة لذكرها. ويمكن أن نقول في الجملة أن الإجارة هي: «عقد على منفعة مقصودة مباحة معلومة بعوض معلوم».
دليل مشروعية عقد الإجارة:
عقد الإجارة جائز في الشريعة الإسلامية، وقد ثبتت مشروعيته في الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ﴾، وقوله تعالى ﴿قَالَتْ إِحْدَىٰهُمَا يَـٰٓأَبَتِ ٱسْتَـْٔجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ﴾ .
وأما من السنة فقوله ﷺ: (ومنِ اسْتأجر أجيرًا فليُعلِمْه أجرَه)، وقوله: (أَعطُوا الأجيرَ أجْرَه قبلَ أن يَجِفَّ عَرَقُه).
وأما الإجماع فإن الأمة أجمعت على العمل بها منذ عصر الصحابة وإلى الآن، وأما دليلها من المعقول فلأن الإجارة وسيلة للتيسير على الناس في الحصول على ما يبتغونه من المنافع التي لا ملك لهم في أعيانها، فالحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فالفقير محتاج إلى مال الغني والغني محتاج إلى عمل الفقير. ومراعاة حاجة الناس أصل في شرع العقود.
أبرز الأحكام الشرعية لعقد الإجارة:
1. يشترط أن يكون المعقود عليه المنفعة معلوماً، ويتحقق العلم في المنفعة في عقد الإجارة بتحديد العين المؤجرة (العقار/ الشقة/ السيارة مثلاً) وتحديد مدة عقد التأجير، بيوم أو شهر أو سنة، فإذا لم تحدد العين المؤجرة بشكل واضح ودقيق أو لم يتم تحديد مدة العقد فسد عقد الإجارة شرعاً.
2. يشترط في المعقود عليه أن يكون مما يصح الانتفاع به مع بقاء عينه مثل العقارات والمكاتب والسيارات والأثاث ونحو ذلك. فلا يقع عقد الإجارة على ما لا تتحقق المنفعة منه إلا باستهلاك عينه كالطعام والزيوت أو الشموع التي تستخدم للإنارة مثلاً، أما إذا استؤجرت الشموع لوضعها كزينة دون إشعالها، فلا إشكال في استئجارها.
3. يشترط أن يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء حقيقة وشرعاً، أي يستطيع المستأجر أن يحصل على المنفعة التي تعاقد عليها، فلا يصح عقد التأجير إذا كان المالك أو وكيله (المدير العقاري) غير قادر على تسليم العقار أو الشقة إلى المستأجر أو تمكينه من دخولها والانتفاع بها لأي سبب من الأسباب.
4. لا يجوز إبرام عقد إجارة على المنافع المحرمة كاستئجار شخص لارتكاب جريمة قتل أو سرقة، أو إذا كان نشاط المستأجر مجرماً بحكم القانون أو ممنوعاً شرعاً كاستئجار محل تجاري لبيع الخمور أو صالة للقمار، أو إذا علم المالك عند التعاقد أن المستأجر سيمارس في العقار أعمالاً محرمة شرعاً أو قانوناً أو منافية للآداب.
5. يشترط أن يتبع المستأجر في استعمال العين المأجورة ما أعدت له مع التقيد بما شرط في العقد أو بالعرف إن لم يشرط في العقد.




