“المقصلة المالية”: حين يتحول “خطاب الضمان عند أول طلب” إلى أداة لذبح الشركات
بقلم: المحامي هشام الفهد
في عالم المشاريع الإنشائية الضخمة، حيث ترتفع أبراج الفولاذ والزجاج كشاهد على الطموح البشري، توجد منظومة مالية وقانونية خفية لا تقل تعقيداً عن الهندسة نفسها. في قلب هذه المنظومة، يبرز “خطاب الضمان الابتدائي والنهائي” كأداة لا غنى عنها، فهو شهادة الملاءة التي تسمح للمقاول بدخول المناقصة، وهو تأمين الأداء الذي يضمن لصاحب العمل (المستفيد) جدية التنفيذ. ولكن، ضمن هذه الأداة، يكمن شرط صغير قادر على إحداث دمار هائل: شرط “الدفع عند أول طلب” هذا الشرط يحوّل خطاب الضمان من مجرد كفالة بنكية تقليدية إلى ما يمكن تسميته بـ “المقصلة المالية”. إنها أداة تمنح المستفيد (صاحب العمل) حقاً شبه مطلق في تسييل قيمة الضمان بالكامل بمجرد تقديم طلب كتابي للبنك، دون الحاجة إلى إثبات تقصير المقاول، ودون الالتفات إلى أي نزاع قائم بينهما حول تنفيذ العقد. البنك، بموجب هذا الشرط، ملزم بالدفع فوراً، ثم يعود ليستقطع المبلغ من حسابات المقاول.
المعضلة العملية: بين ضمان الحق والتعسف في استخدامه
الغاية من هذا الشرط كانت نبيلة: حماية المشاريع الكبرى من تعثر المقاولين وضمان استمرارية العمل. لكن في الممارسة العملية، تحولت هذه الأداة في يد بعض أصحاب العمل غير الشرفاء إلى وسيلة للابتزاز والضغط غير المشروع.
تخيل هذا السيناريو المرعب: مقاول ينجز 95% من مشروع ضخم، لكن ينشأ خلاف فني بسيط حول التشطيبات النهائية. بدلاً من اللجوء للتحكيم أو التفاوض، يقوم صاحب العمل، بسوء نية، بالتوجه إلى البنك وتقديم طلب تسييل خطاب الضمان النهائي بالكامل، والذي قد يمثل 10% من قيمة المشروع (مبلغ يفوق بكثير تكلفة إصلاح الخلاف).
يجد المقاول نفسه في كابوس: سيولة شركته بالكامل يتم تجميدها في لحظة، وسمعته في السوق تنهار، وقدرته على دخول مشاريع جديدة تتلاشى. لقد تم ذبحه مالياً بضربة قلم، ليس لأنه فشل، بل لأن خصمه امتلك أداة قهر غير متكافئة. يصبح المقاول أمام خيارين أحلاهما مر: إما الرضوخ لمطالب صاحب العمل غير العادلة، أو خوض معركة قضائية طويلة ومكلفة لإثبات التعسف، بعد أن يكون الضرر قد وقع بالفعل.
موقف القضاء الكويتي: كبح جماح “المقصلة المالية“
هل يقف القضاء مكتوف الأيدي أمام هذا التعسف الصارخ؟ هل يقدّس النص الحرفي لخطاب الضمان على حساب مبادئ العدالة وحسن النية؟
لقد أبدعت محكمة التمييز الكويتية في إيجاد توازن دقيق وحاسم. فبينما أكدت في أحكامها على الطبيعة المستقلة لخطاب الضمان، وأنه التزام منفصل عن العقد الأصلي (وهو ما يجبر البنك على الدفع)، إلا أنها فتحت في الوقت ذاته باباً قضائياً لحماية المقاول من الغش والتعسف، وذلك من خلال القضاء المستعجل.
استقرت محكمة التمييز على مبدأ قضائي جوهري: صحيح أن البنك ملزم بالدفع، لكن هذا الالتزام يمكن وقفه بأمر قضائي وقتي من قاضي الأمور المستعجلة إذا استطاع المقاول (الآمر) أن يثبت بشكل لا يدع مجالاً للشك أن مطالبة المستفيد بتسييل الضمان تنطوي على “غش واضح” أو “تعسف بيّن”.
ما هو معيار “الغش الواضح”؟ ليس مجرد خلاف على جودة العمل، بل هو أن تكون المطالبة نفسها احتيالية. على سبيل المثال، نجح مقاولون في استصدار أوامر وقتية بعد أن أثبتوا للمحكمة بالأدلة الفورية (كمحاضر الاستلام الموقعة) أنهم قد سلموا المشروع بالكامل، وأن مطالبة صاحب العمل بتسييل الضمان هي مجرد محاولة للاستيلاء على أموال لا حق له فيها.
بهذا الفقه، لم تلغِ المحكمة قوة خطاب الضمان، ولكنها وضعت “صمام أمان” قضائي لمنع استخدامه كسلاح للغدر. لقد قالت كلمتها بوضوح: الاستقلال لا يعني الحصانة من الغش.
دروس استراتيجية للمقاولين والبنوك:
للمقاولين:
* وثّق كل خطوة: احتفظ بسجل دقيق ومنظم لكل المراسلات، ومحاضر الاجتماع، وأوامر التغيير، ومحاضر الاستلام الجزئي والنهائي. هذه المستندات هي ذخيرتك الوحيدة في معركة القضاء المستعجل.
* لا تتردد في اللجوء للقضاء الوقائي: عند أول بادرة سوء نية من صاحب العمل، وقبل أن يتوجه إلى البنك، استشر محاميك فوراً لبحث إمكانية رفع دعوى مستعجلة لإثبات حالة أو منع المطالبة.
* تفاوض على شروط الضمان: إن أمكن، حاول التفاوض على صيغ أقل قسوة، كأن يكون التسييل مرتبطاً بصدور حكم تحكيمي أو تقرير خبير متفق عليه.
للبنوك:
التزام الحياد الحذر: البنك ليس طرفاً في النزاع، ولكنه ليس آلة صماء. عند استلام طلب التسييل، يجب إخطار العميل (المقاول) فوراً ومنحه مهلة قصيرة (إن أمكن قانوناً) لمحاولة استصدار أمر قضائي. هذا يحمي البنك من دعاوى المسؤولية المحتملة.
في النهاية، يظل خطاب الضمان “عند أول طلب” أداة ضرورية ولكنها خطيرة. والفقه القضائي الذي يضع ضوابط على استخدامه هو تجسيد حي لفلسفة القانون التي توازن بين سرعة المعاملات التجارية ومتطلبات العدالة، وتؤكد أن القوة المطلقة، حتى في عالم المال، يجب أن تخضع لرقابة الحق وحسن النية.




