مقالات

الرضا الوظيفي… هل الموظف السعيد بالضرورة موظف منتج؟ وهل العكس صحيح؟

 

بقلم: تـامــــــر عبدالعزيز

أمين سر – مدير إدارة الموارد البشرية.

في ممرات الشركات الكبرى في “برج الحمراء” بالكويت أو “مركز دبي المالي”، لم يعد الحديث مقتصراً على الأرباح والخسائر، بل انتقل إلى “جودة الحياة الوظيفية”. ومع توجه دول مجلس التعاون الخليجي نحو اقتصاد المعرفة، أصبح الرضا الوظيفي ليس مجرد شعار للموارد البشرية، بل محركاً أساسياً للناتج المحلي. ولكن، يظل السؤال الفلسفي قائماً: هل يكفي أن يكون الموظف “سعيداً” ليكون “منتجاً”؟

الرضا الوظيفي… تعريفه وأبعاده

الرضا الوظيفي ليس رفاهية أو مجرد شعور عابر بالراحة داخل المكتب، لكنه مفهوم معقد يرتبط بعدة عناصر تشمل:

* العدل في المعاملة

* وضوح الأهداف

* فرص التطور المهني

* بيئة العمل الداعمة

* التوازن بين الحياة والعمل

هذه العناصر تشكل أساس السعادة الحقيقية في العمل وليست مجرد مزايا سطحية أو امتيازات مالية فقط.

مقاس الإنتاجية… هل السعادة كافية؟

قد يظن البعض أن الموظف السعيد هو موظف منتج بالضرورة، لكن الواقع يبيّن أن الرابط ليس تلقائيًا. فالسعادة قد تعني أن الموظف يشعر براحة نفسية عالية في بيئة عمل مستقرة، لكن الإنتاجية تقاس بتحقيق الأهداف وتقديم نتائج ملموسة.

في دول مجلس التعاون، أظهرت مؤشرات حديثة أن أكثر من 83% من المؤسسات تستخدم أدوات لقياس تجربة الموظف كجزء من استراتيجية إدارة الموارد البشرية، ويعد هذا مؤشرًا على إدراك الشركات أن الرضا الوظيفي عنصر أساسي في تحسين الكفاءة، لكنه أداة وليست الهدف النهائي.

كما يظهر أن المؤسسات التي تستثمر في برامج تقدير الموظف، وقياس الإنجاز، وربط المكافآت بالأداء تحقق عادة مستويات أعلى من الإنتاجية العامة مقارنة بتلك التي تكتفي بخلق بيئة “مريحة فقط”.

السعادة مقابل الإنجاز… الحقيقة المتوازنة

من خلال مقارنة البيانات، يمكننا القول إن هناك أربعة سيناريوهات رئيسية في العلاقة بين الرضا والإنتاجية:

* موظف سعيد ومنتج

– يشعر بالرضا

– يمتلك أهدافًا واضحة

– يحصل على دعم إداري يحقق له الإنجاز

* موظف سعيد وغير منتج كفاية

– بيئة عمل جيدة لكنه لا يُطلب منه تحقيق أهداف واضحة

– تفتقد الإدارة لآليات قياس الأداء

* موظف غير سعيد لكنه منتج

– ينتج بسبب الضغط أو الطموح الشخصي

– لكنه قد يحترق وظيفيًا على المدى الطويل

 

* موظف غير سعيد وغير منتج

– أسوأ سيناريو الإدارات التي لا تهتم لا بالرضا ولا بقياس الإنجاز

 

إحصائيات كويتية… مؤشر قوي ومتغير.

* تشير بيانات حديثة إلى أن الكويتيين من بين أكثر الموظفين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذين يستمتعون بوقتهم في العمل:

* حوالي 84% من الموظفين في الكويت يصفون وقتهم في العمل بأنه ممتع أو جيد، وهي واحدة من أعلى النسب في المنطقة.

* لكن المفارقة هنا أن 45% منهم يبحثون عن فرصة عمل جديدة، حتى لو كان العمل الحالي ممتعاً، مما يدل على أن الرضا العاطفي وحده لا يكفي لتحقيق الاستقرار الوظيفي.

* كما أظهر استطلاع آخر أن 92% من الموظفين في الكويت يشعرون بانخراط عالٍ في عملهم، و62% يوصون بشركتهم كبيئة عمل جيدة، مما يعكس عنصر الولاء والارتباط الوظيفي.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن العوامل التي تحدّ من الشعور بالرضا غالباً ليست متعلقة بالسعادة نفسها، ولكن بعناصر مثل: الروتين الإدارة، قلة فرص النمو، وعدم وضوح مسار التطور المهني كما لاحظ كثير من المشاركين في الاستطلاعات.

لماذا هذا الفرق؟

السبب هو أن السعادة في العمل ليست سببًا كافياً للإنتاجية وحدها، فهي تؤثر في الدافع الداخلي، لكن الأهداف، القياس، والمساءلة هي التي تحول هذا الدافع إلى إنجازات فعلية.

ومن هنا تأتي أهمية الإدارة الفعّالة التي:

* توازن بين الرفاهية والإنتاجية

* تضع أهداف واضحة قابلة للقياس

* تعتمد نظام مكافآت مرتبط بالأداء الفعلي

* تشجع التغذية الراجعة المنتظمة والتواصل الواضح

دروس من الخليج… تجربة مؤسسية نموذجية

في تقرير حديث عن اتجاهات الموارد البشرية في مجلس التعاون، وجد أن 67.7% من المؤسسات تعتمد على قياس “سعادة الموظف” كجزء من تجربة العامل، فيما تجري 53.9% منها تقييمات التفاعل والانخراط الوظيفي المنتظمة كوسيلة لفهم الفجوة بين الشعور العام والأداء الفعلي.

هذا يشير إلى أن المؤسسات الخليجية أصبحت أكثر وعيًا بأن الرضا والإنتاجية عنصران مترابطان لا يمكن تجاهل أي منهما، لكن للنظام الإداري دور محوري في تحويل الأول إلى الثاني.

* نعم ، الإدارة الواعية تصنع الفرق

الموظف السعيد ليس بالضرورة موظفًا منتجاً، كما أن الموظف غير الراضي ليس بالضرورة عبئاً.

الفرق الحقيقي هو في درجة الوعي الإداري التي تستطيع أن تربط بين بيئة العمل الصحية، والمخرجات والقيمة الحقيقية التي تحققها المؤسسة.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى