لجان الديكور والخطر الخفي الذي يلتهم حقوق المساهمين
"حين تتحول الحوكمة إلى وهم تصبح اللجان أول ضحاياه، والمساهم آخر من يعلم"
بقلم/ عمرو علاء
مسؤول مطابقة والتزام
أخطر أنواع المخاطر التي تواجه الشركات اليوم ليست تلك التي تأتي من المنافسين أو تقلبات السوق، بل تلك التي تنبع من “الوهم”..
الوهم بأن الشركة محصنة وتطبق أعلى معايير الحوكمة، بينما الواقع يشير إلى أن لجان مجلس الإدارة مجرد “ديكور” لاستيفاء الأوراق الرسمية أمام الجهات الرقابية، إن تحول اللجان المنبثقة عن المجلس (كلجنة التدقيق والمخاطر والمكافآت) إلى مجرد “أختام” لتمرير القرارات دون تمحيص، هو خيانة للأمانة وتفريط في خط الدفاع الأول عن أموال المساهمين.
لجان مجلس الإدارة هي الأذرع الرقابية والفنية المنبثقة عن المجلس، أنشئت لضمان حسن اتخاذ القرار، وتعزيز مبدأ الفصل بين الإدارة التنفيذية والرقابة، وحماية مصالح المساهمين، وتشمل عادة لجاناً متخصصة مثل لجنة التدقيق، ولجنة المخاطر، ولجنة المكافآت والترشيحات.
الدور الجوهري لهذه اللجان لا يقتصر على استيفاء المتطلبات التنظيمية، بل يتمثل في الفحص المستقل، وطرح الأسئلة الصعبة، وتحدي القرارات، والتحقق من سلامة المعلومات قبل اعتمادها، وجود هذه اللجان بفاعلية هو أحد أعمدة الحوكمة الرشيدة، وغياب دورها الحقيقي يفرغ مفهوم الحوكمة من مضمونه.
ظاهرة لجان الديكور: الحضور الغائب
عندما نتحدث عن لجان الديكور فنحن نعني لجاناً موجودة في الهيكل التنظيمي، وتعقد اجتماعات دورية، وتوقع محاضر جلسات، لكنها في الحقيقة “ميتة إكلينيكياً”، وتتضح مظاهر هذه الصورية في:
الموافقة العمياء: توقيع أعضاء اللجنة على توصيات الإدارة التنفيذية كما هي، دون نقاش حقيقي أو طلب مستندات إضافية، ودون تحدي الافتراضات المقدمة لهم.
غياب الكفاءة: تعيين أعضاء في لجنة “المخاطر” أو “الاستثمار” لا يملكون الخبرة الفنية لقراءة البيانات المعقدة، مما يجعلهم غير قادرين على اكتشاف المخاطر و الأخطاء أو التلاعب.
فقدان الاستقلالية: حينما يكون أعضاء اللجنة خاضعين لسطوة بعض الأشخاص، تتحول اللجنة من “رقيب” إلى “مشرع” للأخطاء.
الثمن الفادح: كيف يتضرر المساهمون؟
المساهم هو المتضرر الأول والأكبر عند غياب الدور الحقيقي لهذه اللجان، وتتمثل هذه الأضرار في:
تآكل قيمة الاستثمار (خسائر مالية مباشرة) في غياب “لجنة مخاطر” حقيقية، قد تدخل الشركة في استثمارات غير مدروسة أو مغامرات مالية تؤدي إلى خسائر فادحة هذه الخسائر تنعكس فوراً على انخفاض سعر السهم، مما يعني تبخر جزء من رأسمال المساهمين بسبب قرارات كان يمكن تجنبها لو قامت اللجنة بدورها.
التعرض للاحتيال والتلاعب المالي غياب “لجنة تدقيق” يقظة ومستقلة يعني غياب العين التي تراجع القوائم المالية بضمير، هذا يفتح الباب واسعاً للتلاعب بالأرقام، وتضخيم الأرباح وهمياً، أو إخفاء الخسائر، وحينما تنكشف الحقيقة (وغالباً ما تنكشف متأخرة)، تنهار ثقة السوق في الشركة، وقد تفرض عليها غرامات ضخمة يدفعها المساهم في النهاية و أحياناً قد تصل لشطب الشركة من السوق.
غياب الشفافية والمفاجآت الكارثية المساهم يعتمد على التقارير السنوية لتقييم استثماره، اللجان الصورية تنتج تقارير مضللة تعطي شعوراً زائفاً بالأمان وبالتالي، لا يكتشف المساهم الكوارث إلا بعد وقوعها، مما يفقده القدرة على اتخاذ قرار البيع أو الاحتفاظ في الوقت المناسب.
إن وجود لجان مجلس الإدارة ليس ترفاً، وتحولها إلى “ديكور” هو جريمة مهنية مكتملة الأركان، على المساهمين والجمعيات العمومية أن يدركوا أن دورهم لا ينتهي بانتخاب المجلس، بل بمراقبة فعالية لجانه، فاللجان الفاعلة هي “بوليصة التأمين” التي تحمي حقوق المساهمين، وغيابها يعني ترك باب الخزينة مفتوحاً للريح ولليد العابثة.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في غياب اللوائح أو القوانين بل في إساءة استخدامها، فتشكيل اللجان وحده لا يعفي مجلس الإدارة من المسؤولية، كما أن توقيع المحاضر لا يعني ممارسة الرقابة، الجهات الرقابية قد تراجع الشكل، لكن السوق لا يرحم الجوهر، وكل لجنة لا تمارس دورها الحقيقي، تتحول من أداة حماية إلى مصدر خطر صامت.
عزيزي القارئ:
إن كنت مساهماً، أو عضو جمعية عمومية، أو حتى متابعاً للأسواق، فاعلم أن حقك لا يتوقف عند الاطلاع على القوائم المالية أو حضور الاجتماعات السنوية، حقك الحقيقي هو أن تسأل:
هل لجان مجلس الإدارة فاعلة أم صورية؟
هل تناقش القرارات أم تمررها؟
هل تحمي أموالك أم تكتفي بالتوقيع؟
المساهم الواعي هو خط الدفاع الأخير حين تفشل الحوكمة، وصمت الجمعيات العمومية هو ما يسمح للأوهام أن تستمر.
“ اللجان الفاعلة ليست ترفا إدارياً بل بوليصة التأمين الوحيدة لأموال المساهمين”




